أظهرت دراسة أُجريت على مرضى عولجوا جراحياً في 168 من المستشفيات أنّ 23% منهم يعانون من مضاعفات كبيرة أثناء فترة إقامتهم. نميل عادة لأن نفكر في المضاعفات باعتبارها أحداث غير نمطية، لكن الحقيقة المؤسفة هي أنها أحداث شائعة. على الرغم من أنّ معظم المضاعفات الطبية يتم التعرف عليها بسهولة وعلاجها في وقت مناسب، إلا أنّ بعضها لا يُتعرّف عليه في وقت مبكر بما فيه الكفاية. يعني هذا التدخل المتأخر خيارات علاج أقل ونتائج أضعف متعلقة بهدف الشفاء.

كانت أمي، فلورنس روثمان، واحدة من هؤلاء المرضى الذين تم التعرف على مضاعفاتهم بعد فوات الأوان؛ توفيت في عام 2003 في المستشفى لأسباب كان يمكن تجنبها. لم يلاحظ أحد تدهور حالتها، وقد أمضيت أنا وشقيقي السنوات الخمس عشرة الأخيرة في العمل للمساعدة في منع حالات الوفاة التي يمكن تجنبها.

هناك سؤال واحد لا يريد الطبيب أن يجيب عليه هو: “لماذا لم نلاحظ مشكلة هذا المريض في وقت أبكر؟” لتقديم رعاية أفضل، يحتاج الأطباء والممرضات إلى فهم كامل لحالة المريض الحالية للتنبؤ بالمشكلات المحتملة التي قد تعتريه. ومع ذلك، تعتمد العديد من المستشفيات في الولايات المتحدة على العلامات الحيوية فقط كمؤشرات على الحالة دون الاستفادة من المجموعة الكاملة من معلومات المريض المتاحة، ولاسيما تقييمات التمريض التي تضم تقييمات دقيقة سجلها كل ممرض عن حالة المريض في السجل الطبي الإلكتروني. من خلال هذه البيانات، أعتقد أنه يمكن الإبقاء على مراقبة تامة للحالة عبر تقييمات تُجرى على مدار اليوم وطوال أيام الأسبوع لحالة المريض بما يعزز من بياناته بشكل كامل. في عصر يشهد ابتكاراً تكنولوجياً هائلاً، يجب أن تتقدم الرعاية الصحية وتُغيّر من عملياتها القديمة للمساعدة على إنقاذ الأرواح عن طريق دمج جميع بيانات المرضى وضمها لتحديد التدهور بشكل أسرع.

من خلال الاستفادة من بيانات المرضى والنماذج التنبؤية بشكل أفضل، يمكننا تحديد المرضى الذين “يعانون داخلياً” أي أولئك الذين قد يظهرون بشكل جيد ولكن لديهم عمليات ضارة غير مرئية تحدث داخلياً. قد يكون الإنتان (تسمم الدم) هو إحدى هذه العمليات. يمكن أن يصاب المرضى الذين يتمتعون بحالة جيدة به بشكل تراجيدي وغالباً ما يتم تحديده بعد فوات الأوان، لهذا يعتبر هذا المرض محور جهد عالمي كبير لخفض عدد الوفيات الناتجة عنه.

لكن التنبؤ وحده لا يكفي. فمن أجل أن يؤثر التنبؤ على نتائج حالة المريض، يجب أن يستوفي المعايير التي أصفها بثلاثية التنبؤ، وهي أن تكون: صحيحة وفي الوقت المناسب وأن تقدم معلومات جديدة.

تعتمد اليوم العديد من نماذج التنبؤ المستخدمة حالياً في المستشفيات على علامات حيوية لاستيفاء المعيار الأول وهو “صحة النتائج” لتحديد أزمة وشيكة. ومع ذلك، فبينما يتم تحديد المريض الذي تتدهور حالته عن طريق العلامات الحيوية بسهولة، إلا أنه من الأصعب بكثير أن يستوفي هذا النظام المعيار التالي في الثلاثية وهو أن  تظهر “النتائج في الوقت المناسب” لتقدم تحذيراً في وقت لا تزال الخيارات متاحة لوقف التدهور.

نادراً ما تستوفي الأنظمة التي تعتمد على العلامات الحيوية المعيار الثالث في الثلاثية وهو “حداثة المعلومات”، الذي يوفر معلومات غير معروفة بالفعل للأطباء والممرضات. بينما تظل العلامات الحيوية مهمة وقيّمة، فإنّ أوجه قصور جوهرية تعتريها عند التركيز عليها للإنذار المبكر وهي ثلاثة كالتالي:

1- تميل طبيعة العلامات الحيوية لأن تكون مؤشرات متأخرة. بُني جسم الإنسان بشكل يحافظ على توازنه مع عوامل التشغيل الأساسية والحيوية، وهو ما نفعله من خلال التضحية بالعنصر الوظيفي. تتلاشى الشهية ويتوقف الهضم وتتراكم السوائل في الأطراف. يمكن أن تحدث كل هذه التأثيرات في الوقت الذي نحافظ فيه على مظهر حيوي غير مثير للقلق؛ أما عند فشل هذا المظهر، ورؤية انهيار الأعضاء، فيكون عادة قد فات الأوان للتدخل الفعال.

2- عادة ما تتاح المظاهر الحيوية لنموذج تنبؤي فقط عندما تقوم ممرضة أو فني بإدخال البيانات. وقتها تكون الممرضة متقدمة على النموذج، ونادراً ما يُقدّم نموذج يعتمد على المظاهر الحيوية معلومات “جديدة”. لذلك، من غير المحتمل أن يحقق أي نموذج تنبؤي يستند إلى العناصر الحيوية وحدها عاملي “الوقت المناسب” أو “حداثة المعلومات”.

3- يُفضي التباين الطبيعي بين المرضى الذين لا يعانون من مشاكل إلى سحب التركيز من القلة التي تظهر مشاكلها لصالحهم، ما يزيد من إرباك النماذج الحيوية القائمة على المؤشرات، ويؤدي إلى ارتفاع النتائج الإيجابية الكاذبة في حالات المرضى، وزيادة تحذيرات الشعور بالإجهاد، وعدم اكتراث الأطباء السريريين بحالاتهم.

ليس الهدف من تحقيق ثلاثية التنبؤ هذه تكرار ما نراه في الدراما التلفزيونية الحميمية التي تدور في المستشفيات ويتسابق فيها الممرضات والأطباء إلى سرير المريض عند حدوث حالة طوارئ. تكون أمام هذا المريض فرصة بنسبة حوالي 17% للعودة إلى منزله إن تم إنقاذه أو إنقاذها.

يحتاج الأطباء السريريون إلى تنبؤات ذات مغزى تصلهم في وقت مبكر من عملية تدهور الحالة. استمراراً مع مثال الإنتان (تسمم الدم): في فارق التوقيت بين دخول المريض المستشفى وبداية العلاج، من المهم بمكان إعطاؤه جرعة من السوائل والمضادات الحيوية الوريدية. يذهب أحد التقديرات إلى حدوث زيادة في معدل الوفيات لكل ساعة تأخير في العلاج. تبلغ معدلات الوفيات لمرضى الإنتان الذين تم اكتشافهم في وقت مبكر حوالي 5%، بينما تصل إلى 50% إذا ترك المريض دون تدخل سريع.

تقييمات التمريض: مفتاح التنبؤ الهادف

لحسن الحظ، هناك مصدر آخر للبيانات الفسيولوجية التي يتم تسجيلها دورياً لكل مريض في نظام السجل الطبي الإلكتروني للمستشفى. يمكن لتقييمات التمريض والتقييم المنظم للأنظمة الفسيولوجية للمريض تحديد تدهور حالة المريض من الإنتان أو بسبب مضاعفات أخرى قبل أن يتضح أثرها في العلامات الحيوية أو نتائج التحاليل المعملية. ومع ذلك، فإنّ العديد من نماذج التنبؤ الحالية لا تشمل هذه المعلومات.

تُجري الممرضات ما يُطلق عليه تقييم “من الرأس إلى أخمص القدم” على كل مريض كل يوم وكل مناوبة في كل مستشفى. يشمل هذا على سبيل المثال تقييم القلب والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز العصبي والجلد والجانب النفسي والعظام. ومع كل تقييم، تتفاعل الممرضة مع المريض لإجراء مراجعة منظمة وتوثيقها. إذا كانت جميع العوامل الأساسية في هذا التقييم طبيعية، فإنّ الممرضة تعتبر التقييم قد تم اجتيازه أو استيفاؤه؛ أما إذا تم النظر إلى واحد أو أكثر من العوامل على أنه أمر غير طبيعي، فسيفشل التقييم أو لن يتم استيفاؤه. على سبيل المثال، جلدك هو أحد أعضائك. يراجع طاقم التمريض التغيرات التي تطرأ على ملمس الجلد، وتماسكه ولونه. في حالات الإنتان، قد تكون الإصابة بالمشكلات الجلدية مؤشراً مبكراً.

يتطلب كل تقييم للتمريض حكماً إنسانياً وسريرياً، كما يقدم نظرة ثاقبة على حالة المريض الحالية والقوة التنبؤية للمساعدة في التعرف على المرضى الذين يواجهون مخاطر عالية لنتائج معاكسة. يجب أن تتضمن النماذج التنبؤية الفعّالة هذه المؤشرات الرائدة.

كمحاولة لتكرار منع ما حدث لأمنا مرة أخرى مع أحد غيرها، طوّرت أنا وشقيقي ستيفن أداة تسمى “مؤشر روثمان”، تتضمن تقييمات التمريض التي يمكن أن تساعد على توفير “عين لا تغمض” لدعم الأطباء السريريين. عن طريق هذا المؤشر وبمساعدة قواعد التمريض، استطاع النظام الصحي في مستشفى ييل نيو هيفن خفض الوفيات بنسبة تتراوح بين 20%-30%، مع توفر فوائد خاصة فيما يتعلق بخفض وفيات حالات الإنتان. وقد ساعد التنبؤ ذو المغزى، الذي ضرب مفهوم الثلاثية الذي ذكرناه سالفاً، المؤسسة أيضاً في خفض التكلفة في حالة مرض الإنتان.

إنّ دمج بيانات التمريض في النماذج التنبؤية أمر منطقي: إذ تفهم الممرضة حالة المريض. لو أخذنا الصورة الكاملة للطاقم التمريضي، وخاصة إذا استطعنا القيام بذلك إلكترونياً، فسنكون في طريقنا لخفض الفارق الزمني الحرج بين ظهور تعقيدات محتملة قد تهدد الحياة وبين التحرك والقيام بما يلزم.

يجب اختبار جميع النماذج ليس فقط لقيمتها في تقديم التنبؤ ولكن أيضاً لقيمتها في توفير التنبؤات ذات المغزى. إنه مفهوم مستوحى من حياة واحدة، ولكن كممارسة معيارية، يمكن أن يضعنا على مسار إنقاذ آخرين لا يحصى عددهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!