تابعنا على لينكد إن

لقد خاضت مؤخراً إحدى المديرات التنفيذيات اللواتي أعمل معهنّ أكبر تحدّ واجهته في مسيرتها المهنية. وبوصفها موظفة قادمة من خارج المؤسسة واجهت المديرة الجديدة مشاكل متعددة، فقد كانت الشركة آنذاك تتكبد خسائر مالية كبيرة، وكانت تكاليف الأعمال مرهقة، وولاء الزبائن يتلاشى، والمواهب الأساسية تُستنزف. وكان المدير التنفيذي السابق قد أخفق في إعادة تنظيم إدارته قبل تركه الشركة والانضمام إلى شركة منافسة، فتدنّت الروح المعنوية لدى الموظفين وخيّمت على الشركة أجواء القلق وانعدام الثقة.

وجدت دراسة مطولة حول تنقلات المدراء التنفيذيين أجرتها مؤسستي على مدار 10 أعوام، أنّ 50 في المئة وأكثر من المدراء الذين يرثون الفوضى عن أسلافهم يُخفقون في غضون الأشهر الـ18 الأولى من مباشرتهم العمل. وكشفنا للقادة فخاخاً عديدة ربما تعترض دربهم في هذه المرحلة، وكانت عميلتي أيضاً على وشك أن تقع في شرك بعض منها من دون أن تدري.

عندما يرث القائد فوضى خلّفها قادة آخرون، وبخاصة حينما يأتي من خارج المؤسسة، يبدو له الوضع هشّاً ويشعر أنّ تحديد نقطة الانطلاق برحلة التغيير الطويلة إنما هي مهمة محفوفة بالمخاطر. واستناداً إلى أبحاث مؤسستي وخبرتي الشخصية في هذا المجال ثمة 6 خطوات يتّخذها أكثر القادة فعالية في العالم من أجل تجنيب أنفسهم الإخفاق في مسؤولياتهم الجديدة.

1- لا تبتعد بنفسك عاطفياً عن الآخرين

من شأن الظروف الصعبة وغير الاعتيادية أن تجعل القادة يشعرون بالهشاشة والضعف. وللتغلب على قلقهم تجدهم يتفادون الانخراط في معمعة الفوضى متبعين في ذلك بعض الأساليب الخفيّة. إذ بعد مضي أربعة أسابيع على وصول عميلتي إلى مؤسستها الجديدة، لاحظت تبنيها نبرة غريبة في كلامها: ففي حديثها عن أبرز التحديات التي تواجهها تلك المؤسسة كانت تُصر على استخدام صيغ ضمير الغائب (إنهم…، هم…، أولئك الناس…)، وفي المقابل كانت تستخدم في حديثها عن التغييرات الواجب إحداثها صيغة ضمير المتكلم: (سأقوم…، لن أقوم…)، فازدراؤها المتنامي للمؤسسة كان واضحاً وجلياً. وعوضاً عن سعيها إلى بناء الثقة في مستقبل هذه المؤسسة، كانت تعمل، بصورة غير مقصودة، على إثارة القلق وانعدام الثقة وتدني الروح المعنوية لدى الموظفين. وعندما تعمّقت أكثر بالتفكير في حالتها تلك توصلت إلى أنها كانت تحاول أن تنأى بنفسها عاطفياً بعيداً عن تلك الفوضى، بسبب مخاوفها الكامنة من احتمال فشلها في السيطرة على الأمور وإعادتها إلى مسارها الطبيعي. فمن أجل أن تفوز بثقة أولئك الذين يتحتّم عليهم أن يتعايشوا مع التغييرات التي تُحدثها أنت، يتعين عليك الانخراط معهم وتغدو جزءاً منهم لا أن تنعزل عنهم. وكلما أسرعت في الخروج من بوتقة الغريب عن بيئة العمل الجديدة وأدخلت إلى حديثك بعض المفردات الاحتوائية مثل “ نحن” و” لنا“، ازداد تقبّل الموظفين وانفتاحهم على التغييرات التي تنوي إحداثها.

2- لا تلق باللوم على سلفك

من الطبيعي الانزلاق إلى لوم القيادة السابقة عندما نتسلم قيادة مؤسسة تُعاني من التخبط والفوضى. إذ أنه في أحد لقاءاتي مع عميلتي، كانت آنذاك تختبر شعوراً من الخيبة والإحباط كاد أن ينال منها ويُثبّط من عزيمتها، وبينما كانت تطلع على ميزانية الربع الماضي، انفجرت قائلة: “ما الذي كان يفكر به ذلك المدير؟”، حسناً، طالما أنّ المدير السابق لم يعد موجوداً هنا الآن، بات الجميع في المؤسسة متورطين بالوكالة. فلا أحد يعرف عن تلك الفوضى أكثر من أولئك الذين اختبروها، وهم الأعلم بكيفية حدوثها. ومن الأفضل لك ببساطة ألّا تُشير إلى القرارات التي اتّخذت أو السلوكيات التي انتُهجت قبل دخولك إلى المؤسسة. ويُعتبر التصرف الأمثل عندما توشك على الوقوع في فخ ملامة سلفك بسبب الإدارة هو ببساطة القول: “لا يمكننا تغيير ما جرى في الماضي، غير أنّ بمقدورنا تغيير ما نقوم به من الآن فصاعداً”. فالناس عموماً يقدّرون الترفع عن ملامة الآخرين والتركيز على المستقبل.

3- قلّل من الإشارة إلى نجاحاتك السابقة

نظراً لكونك غريباً عن المؤسسة ولا تمتلك أية خبرة فيها، فمن المرجح أن تتوجه للإشارة إلى سجل إنجازاتك ونجاحاتك السابقة. صحيح أنه تم اختيارك لتولي المنصب الجديد نظراً لتلك الإنجازات والنجاحات، غير أنّ حديثك عنها لن يُساعدك في استنباط العبرة منها. فقد قُدّر لعميلتي أن تأتي من إحدى الشركات المدرجة على لائحة فورتشن 100 العالمية، حيث حققت نجاحاً كبيراً وبصمة متميزة جعلتها تتصدر عناوين الصحف. إلّا أنها في كل مرة كانت تُشير فيها إلى عملها ذاك، وغالباً مستهلة حديثها بـ: “حسناً، عندما كنت أعمل في الشركة الفلانية…”، كان الموظفون يتوقفون ببساطة عن الإنصات إليها. لذلك، أخبرتها أنّ مساعيها تلك لتعزيز مصداقيتها كانت في الواقع تنعكس سلباً عليها، ويتوجب عليها ترك مزايا تفكيرها تتجلّى من تلقاء ذاتها دون الإشارة إلى منبع تلك الأفكار. وبمجرد شروعها العمل بنصيحتي هذه، بات الموظفون يصغون إليها باهتمام وفضول بدلاً من تجاهلها.

4- اعرف الحدّ الفاصل بين الترويج للذات والمساعدة الحقيقية

ربما يلجأ الناس في المؤسسات المتضررة، انطلاقاً من خوفهم على مستقبلهم، إلى الترويج لأنفسهم على نحو مستفيض، وذلك ليثبتوا أهميتهم الكبيرة بالنسبة لمؤسساتهم. فقد خبرت عميلتي كيف أنّ موظفين عدّة شقّوا طريقهم إليها حاملين لها أفكاراً لم تلق آذاناً صاغية في الماضي. لقد كانوا توّاقين لتقديم الدعم لأن يكونوا جزءاً لا يتجزأ ولاعبين أساسيين في المستقبل الذي كانت ترسمه للشركة.

أسرّت لي عميلتي في إحدى الجلسات: “لقد كانت بعض عناصر أفكارهم جيدة وبنّاءة فعلاً، غير أنهم كانوا مشغولين في إقناعي بمدى أهميتهم وبأنّ لا غنى عنهم إلى درجة أنهم فقدوا موضوعيتهم حول ما يمكن وما يستحيل تحقيقه على أرض الواقع”. كانت عميلتي تشعر بأنها مرغمة على سماع أفكارهم، لكنها نأت بنفسها عن انتقاد تلك الأفكار خوفاً من أن تبدو غير منفتحة على أفكار الآخرين ومتعصبة لأفكارها. وكانت تُدرك أنها لا تستطيع قبول الأفكار الجديدة وتبنّيها فقط لكي تترك الانطباع بأنها تُصغي إلى الآخرين، لكنها كانت تعي أيضاً أنها ليست صاحبة الحق الحصري في طرح الأفكار الجيدة. لذلك، أنشأت آلية شفافة تماماً سمحت بالحكم على الأفكار من حيث المزايا التي سيحققها أثرها المحتمل لا من حيث الشخص الذي يطرحها. فقام الفريق بوضع مجموعة معايير يتعيّن على الحلول المستقبلية استيفاؤها، وطُرحت جميع الأفكار على كامل الفريق لا على المديرة فحسب. كما ركّزت عميلتي على ضمان أن يشعر الجميع بالأمان ويتحدثوا بصراحة عن أسبابهم الخاصة في طرح أفكارهم والدفع باتجاه تبنيها، إلى جانب التحدث عن مخاوفهم الخاصة أيضاً من عدم تبنّي أفكارهم، وطلبت منهم أن يقيّموا تلك الأفكار بصدق وأمانة كما لو أنهم لا يخشون خسارة وظائفهم. ولم يؤد ذلك إلى تعزيز الثقة فيما بين أفراد الفريق فحسب، بل سمح أيضاً بتبنّي الأفكار والطروحات الأفضل لصالح الشركة.

5- اختبر مدى موثوقية البيانات الخاصة بك

معلوم أنه من الصعب الحصول على بيانات صريحة وحقيقية عندما تواجه الشركة رياحاً عاتية، غير أنّ الأمر يغدو أكثر صعوبة عندما يرغب الجميع في الظهور بمظهر البريء والشخصية المهمة. وهكذا فقد وجدت عميلتي أنّ جميع التقارير التي طلبتها، سواء أكانت حول توجهات البيع أم تحليلات رضا الزبائن أم معدلات التشغيل للميزانية الراهنة أم مخاطر الاحتفاظ بالموظفين، كان لها مصادر معلومات أخرى تدحضها وتفنّدها. ومع أنّ توفر قواعد بيانات وحقائق مزدوجة ليس بالأمر النادر في المؤسسات، لكنه يتعزّز ويقوى عندما يخاف الموظفون من تحميلهم المسؤولية عن الحقائق التي يقدّمونها. وعندما كانت عميلتي تُناقش أو تطرح أسئلة حول البيانات المقدمة لها، سرعان ما كان الشخص المعني يتّخذ موقفاً دفاعياً، حتى أنّ أحد الموظفين توجّه إليها مدافعاً عن نفسه بالقول: “هل تتّهمينني بالكذب؟”، في حين رمى آخرون بالملامة على عدم قدرة تكنولوجياتهم المتقادمة على إنتاج تقارير موثوقة. وبدلاً من إجبارها على أن تكون الحكم الوحيد للوقائع، المقدمة إليها، قامت باستدعاء جميع أفراد فريقها وأشارت أمامهم إلى أمثلة حول التناقضات التي وجدتها في القصة ككل وقالت لهم: “إنّ أي أمل في تغيير مسار شركتنا نحو الهدف الذي ننشده جميعاً، إنما يتوقف على الحكم الصادق والأمين على وضعنا الراهن، مهما كان الأمر مؤلماً. ولا شك في أنّ الأخبار السيئة لن تغدو جيدة مع مرور الوقت. لذلك أطلب منكم جميعاً أن تعملوا معاً وتقدموا لي صورة صريحة وصادقة حول وضعنا الراهن”. فضلاً عن ذلك قامت عميلتي بتوظيف مجموعة من المحللين الخارجيين لتقديم تقييم مستقل. وسمحت البيانات المتوافقة من كلا التحليلين  بوضع لائحة أولويات أكثر دقة وموثوقية.

6- كن واضحاً وشفافاً حول أسلوبك في التغيير

هنالك الكثير من القواعد حول السرعة المناسبة التي يتعيّن على القائد الجديد التقيّد بها أثناء قيامه بالتغيير. البعض يقترح الانتظار لمدة 90 يوماً، أو حتى لسنة كاملة، من أجل التعرف أكثر على المؤسسة قبل تغيير أي شيء فيها، فيما يقترح البعض الآخر فرض التغييرات منذ اليوم الأول. لكن سرعة التغيير ستتعلق إلى حد كبير بحالتك الخاصة وشروطها وقدرة شركتك على التحمل. ولا تتردد في فرض التغيير الفوري إذا كان ضرورياً. لكن إذا لم تكن متأكداً من وجوب التغيير الفوري، قم بما يلزم من تحريات وإجراءات تشخيص قبل اتخاذ أية خطوات عملية على أرض الواقع. فقد كان النهج الحذر الذي اتبعته عميلتي مفيداً جداً في هذا المجال. إذ كانت واضحة وشفافة منذ البداية حول طريقة تقييمها للمؤسسة وطريقة قيامها بالتغيير وضمن أي أطر زمنية. ولقد سمح نهجها الصريح في القيادة للآخرين بأن يكونوا على بيّنة من أمرهم وألّا ينتظروا خائفين وألّا يستمروا في حالة الإنكار. اعتمدت عميلتي نهج البدء بالتركيز أولاً على تغييرات إيجابية صغيرة بالنسبة لموظفي مؤسستها، ما وفّر زخماً مكّن المؤسسة من امتصاص صدمة وتبعات التغييرات السلبية اللاحقة.

أخيراً، يمكننا القول أنّ وراثة فوضى القيادة، وبخاصة تلك التي لا تكتشفها إلا بعد أن تتورّط فيها، ربما تكون مؤلمة حقاً. فلا تزيد الطين بلّة من خلال اتخاذ خيارات غير موفقة تصعّب التحديات التي تواجهها. ربما سفينتك تخوض بحذر غمار هذه الفوضى من خلال بناء التحالفات والعمل بشفافية تامة على طول الطريق. ولا بدّ لغموض هذه الفوضى أن ينجلي في نهاية المطاف. لكن كن حذراً أن تستبدل بهذه الفوضى فوضى أخرى من صنعك أنت.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz