تابعنا على لينكد إن

في يوم من الأيام دخل إلى المقهى عالم جينات، وشخص بارع بالحسابات، وأستاذ في كلية إدارة الأعمال. قد تبدو لك هذه المقدمة أشبه بمقدمةٍ لطرفة من تلك التي يتداولها الناس عن الأشخاص العباقرة. ولكنها في الواقع تمثل مشهداً قد يحدث في أي مساء في معهد “سانتا فيه” (Santa Fe Institute) في نيومكسيكو. وهذا ما حصل معي مرة حين كنت في زيارة لرئيس المعهد، وهو المختص في علم الجينات التطوري، ديفيد كراكاور.

هل رغبت يوماً في تغيير النظام البيروقراطي برمّته في مؤسستك؟ هذا تحديداً ما فعله مؤسسو معهد “سانتا فيه”. فقد قامت مجموعة من العلماء، من بينهم أربعة حاصلون على جوائز نوبل، بتأسيس هذا المعهد عام 1984 ليكون واحداً من بين أهم المعاهد البحثية في العالم. ولكنه يختلف عن أي جامعة أخرى. فقد جاء تأسيس هذا المعهد بعد حالة الإحباط التي سببتها الأنظمة البيروقراطية في الجامعات التقليدية، ولذلك قرر القائمون على المعهد عدم إنشاء أي أقسام ولا أي شكل للإدارة التراتبية، كما لم يضعوا نظاماً لتثبيت الأساتذة العاملين فيه.
وقد أصبح معهد “سانتا فيه” بؤرة بارزة للأبحاث العالمية، حيث يجتمع فيه أكثر من 250 من كبار العلماء من كافة أرجاء العالم من تخصصات مختلفة. فبعضهم يأتي لبضعة أيام، بينما يقضي آخرون سنوات مقيمين فيه. والمشترك بين هؤلاء العلماء هو إيمانهم بثقافة الاستكشاف والتقصي والفضول والدقة الصارمة في البحث. وقد نجح المعهد في تقديم نتائج مؤثرة في حقول الاقتصاد وعلم الحاسوب وصولاً إلى علم الجينات وأبحاث الحياة الاصطناعية.

وقد كان كراكاور هو الشخصية الرائدة الذي طور عبر عمله هذه الطبيعة متعددة التخصصات في المعهد. فهو يمثل التنوع الإدراكي في هذا المعهد، ولاسيما أنه قد قدم إسهامات مؤثرة في حقول عديدة، كعلم الجينيات، وعلم الأحياء الدقيقة، والتاريخ البشري، وعلوم المجتمع. وقد ظهر اسم كراكاور في مجلة وايرد عام 2012 في قائمة ضمت خمسين شخصية ستغير العالم. (يمكن الاطلاع على تسجيل فيديو لحواري معه هنا).

لقد أردت أن أعرف كيف تمكن كراكاور من قيادة مؤسسة تتمتع بهذا القدر المذهل من الإبداع والفعالية. وقد أخبرني بستة أمور أعتقد أنه من الممكن للقادة في المؤسسات الأخرى تعلمها والاستفادة منها:

انظر إلى نفسك كعقيد في كتيبة من الضباط. التواضع سمة لا غنى عنها للقائد الذي يعمل في وسط تجمع من المهارات والكفاءات العالية. ويشجع كراكاور القادة ويقول: “كن مثالاً يُحتذى به، وحدد نبرة التواصل بين الآخرين. فيجب أن تنظر هذه الكفاءات إلى التواجد في مؤسستك باعتباره منحة كبيرة. وما يقصده كراكاور هو إن كنت تسعى للاستفادة من أفضل المساهمات من تلك الكفاءات المرموقة عالمياً، فعليك أن توفر لهم ما يلهمهم ليكونوا جزءاً من مؤسستك، لا أن تصعب الأمر عليهم وتبالغ في إدارتهم.

لا تحتفل بالفشل. يقول لنا كراكاور: “الجميع يقولون أن الفشل أمر عظيم، ولكني أخالفهم في ذلك”. قد تكون هذه العبارة مناسبة كشعار للتشجيع والحث على العمل، ولكن قلة من الأشخاص الأذكياء يجدون حافزاً في الفشل. وينتقد كراكاور التوجه السائد للاحتفاء بالفشل، وهي فكرة أسمعها كثيراً أثناء عملي مع مدراء تنفيذيين مهتمين بتعزيز إمكانات الابتكار في شركاتهم. فبدلاً من الاحتفاء بالفشل علينا أن نعيد وضع التحدي في إطاره الصحيح. يخبرنا كراكاور قائلاً: “نحن هنا نقدر النجاح ونحتفي به، كما أننا نحتفي بالتجارب الجديدة”.

شجّع الاندفاع الذكي. كل واحد منّا ترده فكرة جامحة من وقت لآخر، وربما يجب علينا مشاركتها ومناقشتها مع الآخرين بشكل أكبر. يقوم الناس أحياناً بالمبالغة بتحضير أنفسهم لتجنب الإحراجات، ومعظم المؤسسات تميل لتجنب المفاهيم والأفكار الجديدة. ولكن من الممكن أن تكون هذه الأفكار الناشئة بذرة لتحقيق الإنجازات العظيمة. ولذا ينصح كراكاور القادة لخلق الفرص التي يتوقع فيها من الآخرين مشاركة هذه الأفكار “المندفعة”. وفي هذه البيئة تكون الفرصة أكبر لظهور المزيد من الأفكار الجديدة. ولكن توفير هذه البيئة يختلف عن تقدير الفشل. ويقول كراكاور مقتبساً كلام موري جيل-مان الفيزيائي الأمريكي الحاصل على جائزة نوبل: “الأفكار الخاطئة قد تكون مثيرة للاهتمام، أما الأفكار الصحيحة فهي عظيمة”.

على المؤسسة أن تكون بوتقة للاختبار. إن تشجيع النقاش البناء القائم على الحقائق والمعطيات الدقيقة أمر لا غنى عنه لسبر التحديات المتعلقة بارتفاع حالة عدم التيقن، سواء تعلق الأمر بالبحث عن حدود جديدة للمعرفة أو تقييم مؤسسة أعمال. يرى كراكاور أن المسألة تتعلق بكيفية “وصولنا لفهم الأمور”. فكراكاور شخص صارم وناقد لا يتوانى عن النظر إلى دور معهد “سانتا فيه” كبوتقة يجري فيها اختبار الأفكار ووضعها على المحك، فيقول: “إنني أؤمن بالحرية كما أؤمن بالمجتمع، ولكني كذلك أؤمن بالصرامة و… مواجهة الهراء”. في المقابل نجد العديد من الشركات تضع عوائق ثقافة وإجرائية في وجه النقاش المنتِج، وتفضل انسجام التقليد على زعزعة الابتكار. والتحدي يكمن في التوصل إلى حالة من التوازن: بين تعزيز البيئة التي يشعر بها الأشخاص بالأريحية عند مشاركة ومناقشة الأفكار المختلفة.

ابحث عن الممارسات “الغبية” كما تبحث عن أفضل الممارسات. يتساءل كراكاور: “لدينا مئات من المؤسسات التي تبحث في جانب الذكاء، لكن لماذا لا توجد سوى القليل من المؤسسات التي تبحث في جانب الغباء؟ أليس الغباء هو السبب الجوهري الذي يفسر لنا كيف ولماذا تستمر الأخطاء والمشاكل؟”. والحقيقة هي أن أي شخص يعمل في مؤسسة كبيرة يدرك سلامة منطق كراكاور في هذه النقطة. إن التخلص من الغباء الجمعي بشكل مستمر هو دور القيادة في أي مؤسسة. ويمكن للهيكلية المناسبة أن تفيد في هذا الصدد، والترتيب العضوي غير الهرمي في معهد “سانتا فيه” مفيد أيضاً، ولكن وضع الهيكلية لا يكفي. فالقادة الذين يبلون بلاءً حسناً في المؤسسات الكبيرة يحرصون على إنجاز الأمور الصحيحة، أحياناً عبر الاعتماد على البيروقراطية، وأحياناً رغماً عنها.

لا تتوقف عن المثابرة. سألت كراكاور في نهاية حديثنا عن خبراته كعالم يدرس نظرية التعقيد. إنه حقل جديد نسبياً، وكان كراكاور في بداية مسيرته يمتلك تحفظات كبيرة حول المدى الذي يمكن لهذا الحقل أن يصل إليه. ولكنه ثابر رغم الشكوك التي راودته. وأخبرني كراكاور بأنه واصل عمله بسبب “الفضول والرغبة في فهم الكون، وسبر حدود جديدة لما يمكن لنا فهمه على مستوى تأسيسي. وقد كان هذا الطموح لدي أكبر من تخوفاتي من عدم تحقيق الكثير من التقدم”. وهذه نصيحة ثمينة للقادة أيضاً. فحين تمر عليك أيام عسيرة تجد فيها أن أساسيات الإدارة المعروفة لم تعد تجدي نفعاً، فعليك أن لا تتوقف عن المثابرة. فإن كانت الرؤية والهدف سليمين، فقد تحقق من النجاح أكثر مما كان يسعك تخيله.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "قيادة الأذكياء الذين تصعب قيادتهم"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Ahmed.Mohsen
Member
Ahmed.Mohsen
1 سنة 1 شهر منذ

افكار جديرة بالاهتمام و لكن هل يمكن تطبيق هذه الافكار بكفأة فى المؤسسات كبيرة الحجم

wpDiscuz