كان العمل في تجارة التجزئة رائعاً على مدى الـ15 عاماً الماضية. فكان هناك منازل أسعارها متضخمة، وائتمان متوفر بالمجان، ومعدلات فائدة منخفضة تدفعها مستويات غير مسبوقة من إنفاق المستهلكين. حيث تفاعل تجار التجزئة مع ذلك بنشاط عن طريق إضافة متاجر جديدة وإطلاق أفكار جديدة وتأسيس وجود إلكتروني لهم والتوسع عالمياً. وفي حين نما الاقتصاد الأميركي بمعدل 5% بين أعوام 1996 حتى 2006، نما قطاع التجزئة بالقيمة الاسمية أكثر من ضعف ذلك المعدل، إذ بلغ 12% وارتفعت العوائد بشكل حاد وتضخمت الأرباح واستعرت أسعار الأسهم.

لكن ذلك كله اختفى الآن. وحتى قبل بدء الأزمة المالية والتراجع الاقتصادي، كانت شركات التجزئة تندب حظها. إذ هبطت عوائد المتاجر التي مضى على افتتاحها سنة أكثر من 10% في العديد من سلاسل المتاجر، وتسارع إغلاقها، وتباطأ افتتاح متاجر جديدة، وحصل تدمير هائل على قيمة الأسهم. وتُعتبر ستاربكس (أيقونة الأيام الجميلة) شاهد على ذلك. حيث قررت الشركة الخريف الماضي إغلاق 600 محل وإيقاف إطلاق المتاجر الجديدة بعد أن عانت أول هبوط يستمر عاماً بعد عام في المبيعات والزيارات إلى متاجرها. والنتيجة: هوى سعر السهم أكثر من 60% من خريف 2007 إلى صيف 2008، واستمر بالانحدار عندما ساء الاقتصاد أكثر في الخريف.

ومع ذلك، تشكل الأيام الصعبة حتى فترات الركود المستفحل فرصة للفوز بولاء المزيد من العملاء وزيادة الإنتاجية وتقوية الموقع في السوق. إذ سوف نعتمد في هذا المقال على دراسة أكثر من 50 شركة تجزئة من أهم الشركات في الولايات المتحدة، وعلى أكثر من 20 عاماً من الخبرة الاستشارية العالمية والبحوث لإظهار كيف بإمكان التنفيذيين في شركات التجزئة التجاوب مع فترة تراجع أعمالهم والخروج منه حتى أقوى من قبل. وذلك، باتباع التوصيات الواردة في هذا المقال، وستكتشف شركات مثل ستاربكس أنّ هناك عالماً من فرص النمو والإنتاجية أمامهم أكبر مما يعتقدون. والأفضل من ذلك أنهم ليسوا بحاجة لتجديد كامل نموذج عملهم للاستفادة من هذه الفرص، هم فقط بحاجة لتغيير قواعدهم التشغيلية.

القاعدة الأولى: اذهب حيث تجد فسحة

يسارع المدراء في الأيام الصعبة إلى إطلاق العنان لمجموعة من البرامج والمبادرات، فيمدّدون ساعات عمل المتاجر (أو يخفضونها)، ويطبقون نظاماً جديداً لإدارة الموظفين، ويُعيدون تشكيل مساحة المتاجر، ويستحدثون أو يوسعون برامج ولاءهم، ويقدمون “أياماً بثلاثة أضعاف نقاط المكافآت”، وعروضاً ترويجية لأكبر المنفقين، ويُعيدون تنظيم عمليات متاجرهم أو أقسام المشتريات والتسويق، ويعبثون حتى بمواقف السيارات. لكن في غياب فهم واضح لمواضع وجود الفرص الأكثر مدعاة للتفاؤل التي تمكنّهم من المحافظة على حصتهم السوقية بصورة مربحة، عدا عن إمكانية كسب حصة جديدة. يدخل المدراء في مبادرات عديدة لا تُحقق إلا أثراً قليلاً. وهو ما يكون مكلفاً، وحتى قاتلاً، في أيام تكون الموارد فيها فجأة شحيحة أكثر ويكون تحقيق أعلى عائد ممكن منها أمراً فائق الأهمية.

ولتجنب هذه المصيدة، أنت بحاجة لأن تفهم أين هي هذه الفسحة واستخدام ذلك لتوجيه ردك المحسوب والموجه. إذ نعرّف “الفسحة” بأنها الحصة السوقية التي لا تملكها منقوصاً منها الحصة السوقية التي تملكها. حيث يمثل العملاء الذين لديهم ولاء لمنافسيك حصة سوقية لا تملكها ولن تملكها على الأرجح، أما العملاء الأوفياء لك فهم حصة سوقية تمتلكها. وتبدو حماية عملائك الأكثر ولاء لها الأولوية الأوضح في أيام التراجع، لكنهم إذا أصبحوا فجأة ينفقون أقل من 25% في متجرك سيكون لذلك تأثير مباشر على المتجر. لهذا فإنّ الفسحة تكمن مع العملاء الذين ليس لديهم ولاء لك أو لمنافسيك. حيث تكمن الفسحة مع من نسميهم “المتنقّلون” لعلك تحصل حالياً على 20% فقط مما ينفقونه اليوم، وإذا رفعت ذلك إلى 30% فإنه يمثل عائداً صافياً حتى عندما ينخفض إجمالي إنفاقهم بمقدار 25%.

فلننظر كيف ينطبق ذلك على ستاربكس. في فترة سابقة من تاريخها، إذ كان قسم كبير من زبائن ستاربكس أوفياء لها لسبب بسيط: وهو أنه لم يوفر لهم أحد نفس التجربة التي أرادوها (القهوة العالية الجودة والخدمة الشخصية وجو المقهى المريح). لكن الشركة أضافت أشياء مثل الأطعمة السريعة وخدمة الطلب من السيارة وقطع البسكويت وهو ما جعل تجربة ستاربكس أشبه ما تكون بسلاسل مطاعم الوجبات السريعة أكثر ما كان مقصوداً. وحدث ذلك في وقت أصبحت فيه سلاسل المطاعم منافساً مباشراً بفضل استثمارات شركات قوية مالياً مثل دنكن دوناتس ومكدونالدز والتي سمحت للحاصلين على امتيازاتها بتركيب ماكينات قهوة عالية الجودة في مطاعمهم. بالنتيجة، وحسب دراسة للمستهلكين أجريناها مؤخراً، فإنّ حوالي نصف زبائن ستاربكس لا يُنفقون اليوم إلا 40% وسطياً من نقودهم المخصصة للقهوة في ستاربكس ويأخذون باقي المال إلى المنافسين. أما هؤلاء “المتنقلون” فليس لهم ولاء لستاربكس ولا إلى منافسيها. ومع أنّ العملاء الأوفياء يظلون أفضل زبائن ستاربكس ومستعدون لإفادتها من مبدأ “الشك يفسر لمصحلة المتهم”،  لكنهم لا يمثلون الفسحة التي تحتاجها ستاربكس.

هناك الكثير من الطرق لقياس الفسحة، كتحديد المتنقلين بحسب الفئة أو السوق المحلية أو أين وكيف يتسوقون أو حتى بحسب المنافسين. حيث وجدت إحدى شركات التجزئة المتخصصة بالإلكترونيات فسحتها في تفحص علاقة المنافسين بالتقنية، وبالتالي في البحث عن المتنقلين ضمن أوائل المتبنّين والمستخدمين النهائيين والمتبنّين المتأخرين. وهناك شركة لبيع الكاميرات نظمت بحثها عبر تجزئة الزبائن بحسب مستوى ثقافتهم بالمنتج ومقدار الخدمة التي يطلبونها.

كما وجدنا أنه أياً كانت التحاليل والمؤشرات المستخدمة، فإنّ أكثر من ثلثي فرصة أي شركة تجزئة في حصة سوقية جديدة تتركز في ثلث أعمالها فقط. ومع ذلك وجدنا أيضاً أنّ الكثير، إذا لم يكن معظم مبادراتها توجّه إلى تلك الأجزاء من الأعمال ذات الفسحة الأقل. ما يفسر سبب تكاثر هذه المبادرات والبرامج. وعليه، هي تفشل لأنها لا تستهدف الفرص الحقيقية، ويكون رد المدراء على فشلها إطلاق المزيد من المشاريع.

عندما تذهب الشركات إلى حيث وجود الفسحة، فإنها تتجنب تلك الدائرة المفرغة. ويكون للمبادرات فرصاً أكبر في النجاح، أو بكل الأحوال، يصبح كيفية جعلها تنجح أوضح. وفي كلتا الحالتين يعني ذلك مشاريع ناجحة تحصل على تمويل وانتباه أكثر، ولا يعود الناس يتعلقون بقشة.

كان هذا درساً استفادت منه شركة تجزئة عملنا معها. حيث كانت هذه الشركة لوقت طويل وجهة لا بد منها للنساء الشابات الباحثات عن الموضة بسعر معقول. لكن المنافسة المتزايدة ضربت مبيعاتها في مقتل، وهو ما كان له تأثير محبط على أدائها. حيث لم يستطع مجلس الإدارة الاتفاق على شكل الاستجابة لما يحدث: “هل نعيد تشكيل متاجرنا الحالية؟، أو نستثمر في علامتنا المميزة؟، أو نفتتح متاجر أكثر بسرعة أكبر؟، أو نطور صيغاً جديدة؟، أو نجرب شيئاً آخر؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، حلل المدراء جميع العملاء في كل فئة منتج وسوق جغرافية (باستخدام بحث قائم على عينة كبيرة وعلى حلقة نقاش تمت في معظمها عبر الإنترنت)، وذلك لتحديد من هم المتنقلون وأين يقومون بالتسوق وماذا يشترون ولماذا. فتوصلوا إلى أنّ عملاءهم الأوفياء كانوا في معظمهم من “المتسوقين المرحين الساعين وراء القيمة”، لكن فرصتهم كانت لدى “المتسوقين العصريين العمليين”. وكان هؤلاء العملاء يأتون إلى متاجرهم ولا يجدون ما يبحثون عنه، لهذا لم يكن إنفاقهم يقترب من إنفاقهم في المتاجر الأُخرى، بمن فيهم أقرب المنافسين. حيث أدرك المدراء أنّهم إذا استطاعوا الحصول على حصة أكبر مما ينفقه هؤلاء الزبائن فقد تصل فرص المبيعات والربح في المتاجر الحالية إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السابق. وبتغيير عناصر محددة في مجمل معروضهم بما في ذلك تشكيلة المنتج وبيئة المتجر وتصميم المساحة، سيكون بإمكانهم النجاح أكثر في جذب هؤلاء العملاء على وجه التحديد. بالنتيجة، تمكنت الشركة من المحافظة على مبيعات ثابتة في حين يعاني منافسوها التراجع بأكثر من 10%، وبهذا زادت من قوة موقعها في السوق وقللت من تأثيرات سوق آخذة بالانكماش سريعاً في مجملها.

القاعدة الثانية: املأ فجوة (الحاجة-العرض)

توصلنا عن طريق خبرتنا إلى أنّ الكثير من شركات التجزئة لديها الكثير من الزبائن الذين باستطاعتهم الإنفاق لديها أكثر بكثير مما يفعلون حالياً. لكن استمالتهم لفعل ذلك يمثل تحدياً أسهل وأصعب مما يبدو. إذ يُعتبر سهلاً لأن كل ما تحتاج فعله هو منحهم ما يحتاجونه. لكنه يُعتبر صعباً لأن ما يريدونه ليس مما يتوفر لديك حالياً. ولكي تملأ الفجوة بين ما يتطلعون له وما تقدمه، عليك هجر الطريقة التصاعدية القائمة على “السنة الماضية، زائد أو ناقص” لتحديد الأوليات والتي ربما خدمتك في أيام اندفاعك.

وتأتي “فجوة الحاجة-العرض” في أشكال عديدة. فقد تتجلّى ليس فقط في تركيبة مزيج منتجك لكن أيضاً في مستويات الخدمة لديك أو في بيئة متاجرك أو في تموضع العلامة المميزة. أما بالنسبة لستاربكس، خُلق تكاثر المتاجر مع ظهور المنافسة الجديدة فجوات هائلة بين التجربة التي يريدها الزبون من الشركة وتلك التي يحصل عليها. وهناك من يرون أنّ شراء فنجان قهوة من ستاربكس يتطلب وقتاً أكثر مما ينبغي. أما آخرون، وخاصة أهل الضواحي، يرون أنّ وصفة الفانيلا السادة في ستاربكس لا تستحق السعر العالي الذي يدفعونه هناك مقارنة بمقاهي أُخرى مستقلة أو سلاسل المقاهي المحلية أو حتى مكدونالدز أو دنكن دوناتس. كما أنّ هناك العديد من شاربي القهوة الذين يريدون تجربة تقوم على الخدمة الذاتية كتلك التي تقدمها محلات مثل بريت إي مانجر (Pret A Manger). أما خبراء القهوة فيريدون إسبريسو وكابتشينو وتجربة أشبه بما تقدمه أفضل مقاهي إيطاليا. يضاف لهؤلاء كثيرون يريدون عودة ستاربكس القديم (ذلك “المكان الثالث” الواقع بين المنزل والمكتب والذي يتمتع بالمسؤولية الاجتماعية). ولا تشرح مثل هذه الفجوات بين (الحاجة-العرض) فقط لماذا ينفق الآن أكثر من نصف زبائن ستاربكس نصف مخصصاتهم النقدية للقهوة لدى المنافسين أكثر مما ينفقونه عند ستاربكس، بل تشرح أيضاً كيف يمكن للشركة تغيير ذلك.

ولكي تنجو شركات التجزئة من حالات التراجع الاقتصادي، يجب أن تعمل باستمرار على غلق فجوات (الحاجة-العرض)، من أجل الفوز بقدر ما يمكن من الفسحة المتوفرة لديهم، فهي الطريقة التي تمكنهم من كسب حصة في السوق وتعويض مبيعات لا بد سوف يخسرونها عندما يقلل عملاؤهم الأكثر ولاء من إنفاقهم. لكننا وجدنا من خبرتنا أنّ قلة فقط من شركات التجزئة تفعل ذلك. وللمفارقة وجدنا سبب ذلك يعود للعواقب غير المقصودة الناتجة عن الانتشار الهائل لتقنية المعلومات. حيث بإمكان معظم تجار التجزئة تعقب ما يبيعونه من سلع يومياً وبحسب كل متجر، حتى أنهم يعرفون من اشتراها وفي أي يوم. وصحيح أنه أدت هذه المعلومات إلى تحقيق كفاءة في إدارة المخزون والمشتريات أكبر بكثير مما سبق، إلا أنها تشترط على التجار ومدراء المتاجر أن يُخزّنوا السلع التي عليها طلب كبير والتخلص من غيرها، ما ينجم عنه فجوات كبيرة بين معروض شركة التجزئة وما يريده الزبائن على وجه التحديد حينما تكون الفسحة في أقصى اتساعها، على اعتبار أنّ هذه المعلومات لا تقول شيئاً عن ما يشتريه الزبائن من مكان آخر.

لقد كان هذا فخاً تمكّن من تجنبه بصورة مربحة متجر كبير قمنا بدراسته. حيث كانت مبيعات الملابس فيه تتجه نحو الانخفاض، كذلك انخفضت إنتاجية المساحة (المبيعات والأرباح بالقدم المربع) لتُصبح الأقل بين باقي مساحات المتجر. ولو سارت الشركة على عقلية تحسين الأداء الاعتيادية (الاقتصاد بالمساحة بحسب ما يبيع أكثر) لكانت أعادت توزيع المناطق المخصصة للألبسة في أرض المتجر وفي غرفة التخزين لصالح أقسام أكثر مبيعاً مثل الحقائب اليدوية والاكسسوارات. لكن الفسحة المتوفرة لهذه الشركة في قسم الألبسة لم تكن تتناسب مع ما تحققه من مبيعات، فحتى المتسوقون الأكثر ولاء كانوا يذهبون إلى مكان آخر لشراء ملابسهم. لهذا بدل اللجوء لتخفيض المساحة المخصصة للألبسة لجعلها أكثر إنتاجية، وهو الأمر الذي ربما كان سينتج عنه إفراط في خدمة العملاء الأكثر ولاء، قامت شركة التجزئة بمقارنة تشكيلة ألبستها مع المزايا التي يُريدها زبائنها والتي لم يكونوا يحصلون عليها إلّا في مكان آخر، وعلى وجه التحديد: ملابس المناسبات بالطراز المناسب والسعر المناسب والمقاس المناسب. إذ كانت شركة التجزئة قادرة على ملء هذه الفجوات ببعض مبادرات الشراء المحددة الهدف، كتوفير ملابس مناسبة للعمل بسعر أفضل، وتقديم علامات مميزة جديدة خاصة بالشركة وأُخرى خارجية بتصاميم معبرّة وعصرية، وتوسيع تشكيلة الملابس الأساسية التي يمكن ملاءمتها مع بعضها على حساب تشكيلة المصممين وصيحات الموضة.

“لا أفهم. نحن نخرج مسبقاً من خططنا ما لا يبيع جيداً ونخزن ما يبيع. كيف أصبحنا مخطئين لهذه الدرجة؟”

في تسعة أشهر، تحولت مبيعات الألبسة في المتجر من سلبية إلى إيجابية، وتحسنت هوامش دورة المخزون، وأنتجت أرباحاً تشغيلية قياسية. وتطلب تحقيق مستويات أعلى من الإنتاجية في بعض المتاجر تحولاً هائلاً في مزيج الشراء لملء فجوات (العرض-الحاجة). ولدى عرض هذه الفجوات على أحد التنفيذيين أجاب قائلاً: “أنا لا أفهم. نحن نخرج مسبقاً من خططنا ما لا يبيع جيداً ونخزن ما يبيع. كيف أصبحنا مخطئين لهذه الدرجة؟”. وتتمثل المشكلة في تلك الطريقة، أنّ بيانات المبيعات الحالية والحديثة لا تُخبرك إلا بما تبيعه، وليس بما يمكنك بيعه. وذلك بقيامها بما يلزم لفهم فجوات (الحاجة-العرض)، إذ تمكنت شركة التجزئة هذه من قلب العمل بطريقة لم يكن ممكناً تحقيقها عبر تحليل البيانات التاريخية للمبيعات وحدها.

القاعدة الثالثة: طارد التكاليف السيئة

عندما تتعثر المبيعات، تواجه شركات التجزئة خياراً قاسياً يتمثل بخفض التكاليف أو مواجهة هوامش ربح متدنية. إذ أنّ معظم الشركات تختار خفض التكاليف للمحافظة على أكبر قدر ممكن من هامش الربح. ومن يلومهم في ذلك؟، لكن في كثير من الأحيان يذهب الجيد بجريرة السيء.

إذا فكرت بالأمر، ستجد أنّ التكاليف الجيدة واضحة وهي التكاليف الضرورية لإنتاج ما يقدّره زبائنك وما هم مستعدون للدفع من أجله. وربما تكون هذه تكاليف مرتبطة بتقديم الراحة أو تجربة تسوق معينة أو خدمة محددة أو نطاق جديد من السلع أفضل مما يقدمه المنافسون. ويؤدي استئصال التكاليف الجيدة إلى تحسين هوامش الربح في البداية، لكن العوائد ستبدأ تعاني آجلاً أم عاجلاً وستقع هوامش الربح تحت مزيد من الضغط، وبهذا تُبطل نفس الغاية التي كان من المستهدف تحقيقها والمتمثلة باستئصال التكاليف في المقام الأول.

أما التكاليف السيئة فعلى العكس من ذلك. هي تلك التكاليف التي لا تُضفي شيئاً لمّا يكون المستهلكون مستعدين للدفع له في النهاية. وحتى أفضل الشركات إدارة تتكبد الكثير من التكاليف السيئة: حيث تنتج من احتياجات المستهلك التي لا تكف تتزايد أو من ابتكارات المنافسين التي تغيّر ما يكون المستهلكون مستعدين للدفع له. كما أنّ التطورات التقنية وابتكارات العمليات أيضاً تحول تكاليف كانت يوماً ضرورية إلى مصاريف غير ضرورية. وتُعتبر التكاليف قادرة على التسلل عبر التعقيدات التشغيلية الناتجة عن النمو بالحجم والحيز. وفي ستاربكس، تتضمن التكاليف السيئة وجود الكثير من مساحة الجلوس في متاجرها مع أنّ معظم الطلبات هي طلبات خارجية، أو ربما ساعات العمل المطولة في أسواق محلية معينة، أو الكثير من المخزون والمساحة المخصصة للملحقات (حافظات القهوة، الأفلام، وغيرها) والتي قليلاً ما يشتريها الزبائن. أو تكون أيضاً تلك التكاليف النظامية التي يأتي بها التعقيد الناشئ عن كثرة الخلطات والنكهات والتي ليس لها إلا تأثير تصاعدي على مزايا تجربة ستاربكس بالنسبة لمعظم الزبائن.

وبالطبع سيكون لشركات التجزئة التي تفعل ما بوسعها للتخلص من تكاليفها السيئة مع المحافظة على تكاليفها الجيدة الفرصة الأكبر في حماية مبيعاتها وهوامش ربحها معاً في فترات الانكماش وستتمكن من البناء للمستقبل أيضاً. لكن تجربتنا تُخبرنا أنّ معظم شركات التجزئة تفتقر للأدوات من أجل القيام بهذا بفعالية. شأنها شأن معظم الشركات، إذ تميل شركات التجزئة لإدارة تكاليفها إما بناء على بنود الميزانية أو بناء على النشاط، وهي الممارسة التي تُعرف على نطاق واسع باسم “التكلفة القائمة على النشاط”. لكن تعقب هذه التكاليف لا يمكّن من تحديد رابطين جوهريين: الرابط بين التكلفة وكل ميزة من مزايا العرض كنطاق المنتج، وبيئة المتجر، ومستويات الخدمة، وهكذا، والرابط بين كل ميزة من مزايا العرض والقيمة التي توفرها للزبون (وهي ما يكون العملاء مستعدون للدفع له في نهاية المطاف). فالنظر للنفقات بهذا الشكل هو ما نسميه “التكلفة القائمة على الفائدة للعميل”. ومن دون هذه الأداة ستعاني شركات التجزئة في اكتشاف أي أو كم من التغييرات في تكلفة معينة سيكون لها تأثير على العوائد، ما يمنعهم من معرفة كيفية حماية الهوامش بطرق لا تتسبب في إضعاف إجمالي العوائد.

كذلك تتحكم شركات التجزئة عادة بتكاليفها من خلال إجراءات وضع الميزانيات السنوية ما يجعلها عالقة بالطريقة المعتادة للقيام بالأمور. والأسوأ من ذلك أن يُنظر للتكاليف كما لو كانت جميعها سواسية (فإما أن تُعتبر جميعها ضرورية أو سيئة) فترفع أو تخفض معاً تدريجياً بدل اتباع أسلوب استهدافي. وهناك متجر خدمة سريعة يوضح لنا هذه النقطة. إذ كان الزبائن على دراية بهذا المتجر كما كانوا على دراية بغيره من المتاجر الأُخرى، وكانوا يتسوقون منه قدر ما يتسوقون من المتاجر الأُخرى، ويشترون منه قدر ما يشترون من المتاجر المنافسة. لكن تكرار زياراتهم لهذا المتجر كانت أقل من المتاجر الأٌخرى ما جعل تكلفة زيارة كل عميل عالية جداً، وجعل حصته من إجمالي الربح قليلة جداً. لماذا؟، السبب هو المبالغة في الاستثمار ضمن نواح، وقصور الاستثمار في نواح أُخرى.

يرى بحث تقليدي عن السلوك أنّ المرافق النظيفة مهمة كثيراً للعملاء، وهو ما يفسر سبب استثمار جميع المنافسين في إرضاء الزبائن في هذه الناحية. لكن امتلاك متاجر برّاقة وجذابة لم يكن إلا الحد الأدنى المطلوب، وهو ما حوّل بالنتيجة الاستثمار التراكمي في أحد أهم الميزات المهمة إلى تكلفة لأن الإنفاق عليها أكثر من المنافسين لن يعود بمكاسب إضافية على الأعمال. ومن ناحية أُخرى أظهر تحليل عميق للسلوك الحقيقي للعملاء عند تحولّهم إلى أحد المنافسين أنّ الحافز الأهم لولائهم كان مدى لطافة العاملين. وبالنسبة لشركة التجزئة هذه، خلق غياب الاستثمار الكافي في الموظفين الودودين (تكلفة جيدة) وتكاليف المرافقة النظيفة التي تتجاوز توقعات العملاء (تكاليف سيئة) مزيجاً قاتلاً من الهوامش الأقل والحصة السوقية الأقل.

كما وجد المدراء أنّ بإمكانهم تخفيض ميزانية نظافة المرافق بمقدار 20% دون التأثير على المبيعات وعلى الحصة السوقية، ثم أعادوا استثمار نصف مدخرات الميزانية لتأسيس برامج جديدة لتدريب العاملين، ونظام جديد لتخصيص الوقت، ومعايير جديدة في المتجر لتحسين خدمة العملاء تحسيناً كبيراً، ومن ثم الاحتفاظ بالباقي كهامش تحسين. وكانت النتيجة النهائية انتصاراً ثلاثياً: تكاليف إجمالية أدنى، حصة أعلى من الزيارات (من 25% إلى 30%)، وزيادة 20% في العائد على رأس المال.

في الأوقات الصعبة لا يمكن تجنب خفض التكاليف. ومع توافر الكم المناسب من الرؤى، يمكن لشركات التجزئة ربط تكاليفها بالمزايا التي يكون العملاء مستعدين للدفع لها عند التسوق في متاجرهم. ما سيمنحهم هذا أداة مهمة لإدارة مصاريفهم بدقة أكثر.

القاعدة الرابعة: جمّع المتاجر في كتل

سيخبرك معظم تجار التجزئة أنّ لا موقع يشبه تماماً الموقع الآخر. لكن هذا لا يهم كثيراً عندما تكون هناك فرص وفيرة لتطبيق وصفة ناجحة في المواقع الجديدة: فكل ما عليك فعله هو افتتاح أكبر قدر ممكن من المتاجر باستخدام نفس الوصفة الناجحة. لكن الاختلافات بين المواقع مهمة بشكل خاص عند العمل تحت وطأة انكماش اقتصادي.

حيث دأب تجار التجزئة منذ سنوات على تخصيص المتاجر بحسب السوق المحلية من خلال تعديل تشكيلة معروضاتهم والمخطط وتجربة التسوق ككل من أجل أن تعكس الخصائص المحلية. لكن هذا التخصيص ربما يؤدي إلى تعقيدات تشغيلية هائلة تطغى على أي منفعة تتحقق منه. لهذا تتقن شركات التجزئة الناجحة صياغة معادلة (المنفعة-التكلفة) عبر تكتيل متاجرها. و”الكتلة” هي عبارة عن مجموعة متاجر تمثل مجموعة من المجتمعات المتشابهة إلى حد كبير من حيث موقفها التنافسي واحتياجات والزبائن وسلوكهم لكنها تختلف كثيراً عن مجتمعات (ومتاجر) الكتل الأُخرى. وفي أغلب الأحيان، توجد متاجر كتلة معينة في أسواق محلية متجاورة جغرافياً.

وتعتقد كثير من شركات التجزئة أنّ تجميع المتاجر في كتل هو نفسه تشريح العملاء. لكن ذلك ليس هو الحال في معظم الأوقات. فإذا أردت استخدام تشريح العملاء لإنشاء كتل من المتاجر، فيجب أن تلبي خطتك للتشريح ثلاثة متطلبات.

أولاً، أنت بحاجة لأن تُشرّح العملاء بطريقة يمكنك من خلالها تحديد النسبة من كل شريحة تتسوق في كل متجر من متاجرك وإلا فلن تتمكن من الكشف عن الفرص التي تحتاجها لتخصيص مزيج السوق وتوزيع المساحة والعمال وغيرها من الأمور في متاجرك بحسب الاحتياجات المختلفة لكل شريحة.

ثانياً، يجب أن تتكون كل كتلة من نسب مختلفة إلى حد كبير من كل شريحة زبائن، وذلك من أجل أن تستخدم التشريح لبناء كتل من المتاجر تمكّنك من استغلال مختلف الفرص للسعي وراء الفسحة وردم فجوة الحاجة-العرض وإخراج التكاليف السيئة. وكانت تلك مشكلة عملنا على حلها لأحد شركات التجزئة: حالما حددنا أين كانت تتسوق الشرائح المختلفة من الزبائن، تبيّن لنا أنه كان لدى جميع متاجر الشركة المزيج نفسه 50%، 35%، 25% من هذه الشرائح. أي أنّ استخدام شركة التجزئة لمخطط التشريح ذلك منعها من تحديد الكتل المختلفة من المتاجر التي بالإمكان التعامل معها بشكل مختلف ومربح.

ثالثاً، يجب أن يغطي تشريحك 100% من قاعدة زبائنك. ولمعرفة السبب، خذ شركة بست باي (Best Buy) كمثال. إذ تقوم الشركة ضمن استراتيجيتها “التركيز على العميل” بوسم جميع متاجرها التي تزيد على 900 متجر في الولايات المتحدة ضمن شريحة أو أكثر من شرائح العملاء: الذكور الشباب المحترفين الأغنياء (“باري”)، والمتحمسين الشباب الساعين وراء الترفيه (“باز”)، والأمهات الميسورات الحال في الضواحي (“جيل”)، والرجال المتزوجون من الطبقة المتوسطة الذين يسيرون وفقاً لميزانية (“راي”)، ومالكو الشركات الصغيرة. حيث تُعرّف بست باي مزيج المنتجات والخدمات في كل متجر من متاجرها بحسب شريحة سوقية محددة. وتُعتبر المشكلة أن هذه الشرائح لا تقترب أبداً تمثيل 100% من قاعدة بست باي في أي من متاجرها (ولا حتى في مجمل متاجرها أيضاً). ما فرض هذا على بست باي أن تحتفظ وتكسب في كل متجر حصة سوقية عالية بشكل غير معقول من شرائحها السوقية المستهدفة لحماية إجمالي مبيعات ذلك المتجر من الانكماش. كما يُمّكن التكتل في بست باي من تخصيص متاجرها بحسب الاختلافات في مجمل جمهورها ضمن السوق، وليس فقط بحسب الأقلية المهمة.

أما ستاربكس بإمكانها أيضاً الاستفادة من تكتل متاجرها. إذ أنّ هناك فوارق محلية في الأسباب السائدة وراء رغبة العملاء فيما يخص شرب القهوة لدى متاجر ستاربكس التي يتجاوز عددها 10,000 متجر في الولايات المتحدة، بدءاً من ذلك الكأس الأول من القهوة في الصباح، إلى الاجتماع بالآخرين، إلى اجتماعات الأعمال، إلى وقت الاستراحة. وإذا أضفنا إليها الاختلافات في حدة المنافسة والعوامل الأُخرى سنتوصل إلى أنّ هناك على الأرجح، وبتقديرنا، تباين ما بين 20% إلى 30% في مستوى وطبيعة الفسحة المتوفرة لستاربكس عبر مختلف متاجرها. ولن يُحقق الحل القائم على أساس مقاس واحد يناسب الجميع المطلوب في أي مقهى بما أنّ هناك حاجة لإجراء تعديلات معينة على العرض من أجل تحديد ذلك التباين. كما أنّ التعامل مع كل متجر على أنه فريد كلياً يُعتبر أمراً صعباً إدارياً وسيُربك العملاء وسيتطلب وقتاً طويلاً حتى يحقق تحويلاً فعالاً في الأعمال. من هنا فإنّ التكتل يمكّن ستاربكس من تنويع متاجرها، من حيث المعروض المحلي فيها وهيكلة التكاليف، وذلك بحسب الاختلافات المحلية لدى المتنقلين ذوي الإمكانات الأعلى ضمن قاعدة عملائها.

لا توجد طريقة يمكن القول بأنها الأفضل لتكتل المتاجر لأن العوامل التي تشرح الفوارق بين سلوك المستهلك تختلف من شركة لأٌخرى. إذ قامت شركة التجزئة المتخصصة التي استشهدنا بها قبل قليل بالتكتل بحسب مزيج من ثلاثة عوامل: طبيعة المنافسة المحلية، وموقع المركز التجاري، وكثافة الجمهور المحلي. حيث تجد شركات التجزئة الأكبر التي تبيع أصنافاً متعددة أنّ من الأفضل لها تكتل متاجرها بطرق مختلفة بحسب الأقسام والفئات الفردية، وستتمكن عندها بسهولة من رؤية القوى المحركة للطلب في المتاجر المختلفة. ويكون مستوى الدخل مثلاً المحدد لكيفية تكتل المتاجر في فئة معينة، بينما يكون أكثر أهمية في فئات التخصيص فيها على أساس الفئة العرقية.

إلى جانب ذلك، تقوم إحدى شركات التجزئة الكبيرة العامة بتكتل متاجرها ضمن دزينة من التكتلات تتراوح ما بين 50 وحتى مئات المتاجر في كل كتلة. إذ اكتشفت شركة التجزئة هذه أنّ هناك خمسة عوامل فارقة قابلة للقياس تشرح معظم الفروقات في احتياجات السوق المحلية ضمن متاجرها (وبالتالي العوامل التي حفزت المتنقّلين): الانتماء العرقي، الموقع (المدن أو الريف أو الضواحي)، تكوين العائلة (عامل شاب أعزب، زوجين مع أطفال، زوجين بدون أولاد، متقاعدون، وهكذا)، الدخل، ومدى حدة المنافسة. حيث تمثّل كل كتلة من المتاجر مزيجاً فريداً من هذه العوامل الخمسة. وفي الواقع، فقد اختبرت شركة التجزئة عدداً من العوامل المحتملة وصلت حتى 50 عاملاً قبل إقرار أنّ هذه العوامل الخمسة تشرح بأفضل شكل الجمهور المميز للمتسوقين المحليين من حيث احتياجات المستهلك والسلوكيات في كل متجر.

بالعمل على فئة بعد أُخرى، اكتشفت شركة التجزئة هذه اختلافات أساسية في طبيعة فسحتها وفي فجوة (الحاجة-العرض)، وبالتالي في فرص النمو عبر مختلف أنحاء الشركة. مثلاً، في فئة الحواسيب، وجدت الشركة أنّ المتاجر في المناطق الأعلى دخلاً يفيدها الحصول على مزيج أغنى من الحواسيب المحمولة أكثر مما كانت توفره، في حين أنّ متاجرها في الأرياف كانت بحاجة إلى المزيد من الحواسيب المكتبية. أما متاجرها في الضواحي فقد تطلبت مجموعة مختلفة من العلامات المميزة (ديل، إتش بي، كومباك، جتواي) أكثر من الكتل المرتفعة الدخل (توشيبا، سوني، آي بي إم، آبل) والكتل الريفية (إي ماشين، جيتواي، كومباك إتش بي، ديل). كذلك اختلفت احتياجات المستهلكين للخدمة بشكل كبير من كتلة إلى أُخرى: وأرادت الكتلة العالية الدخل خيارات للتركيب والتصليح والضمان في حين فضلت المتاجر في الضواحي باقات خدمات الإنترنت والمعلومات المفصلة في المتجر، وتطلبت المتاجر الريفية توفير مساعدة تقنية. حيث يُظهر هذا المثال بشكل صارخ مدى حاجة شركات التجزئة لتخصيص القيمة المقترحة من كتلة إلى أُخرى في كل من فئاتها الأساسية وكم سيء اتباع أسلوب المقاس الواحد المناسب للجميع لتلبية احتياجات مستهلكين لديهم قدرة عالية على تحقيق الربح للشركة.

القاعدة الخامسة: قم بإعادة تجهيز الإجراءات الأساسية

كي تجد شركة التجزئة فسحتها، وتكشف عن فجوات (الحاجة-العرض)، وتخفّض التكاليف السيئة، وتكتّل المتاجر بشكل صحيح هناك حاجة لتغييرات على جميع الإجراءات الأربعة الأساسية لأعمال شركة تجزئة: بحوث العملاء، وتخطيط المشتريات، وإدارة الأداء، والتخطيط الاستراتيجي.

عندما تتباطأ المبيعات وينحسر هامش الربح، تميل قرارات شركات التجزئة لأن تُصبح أكثر داخلية في توجهها. حيث يجب أن تساعد بحوث العملاء في منع حدوث ذلك. وتسأل مثل هذه البحوث عدة أسئلة مثل: من يتسوق في متاجرنا؟ وماذا يشترون منا؟ وكم راضون هم عنا؟ ومن هم أكثر عملائنا ربحية؟ هذه أسئلة لا بأس بها، لكن من الأفضل بكثير أن تكون الأسئلة: لماذا يتسوق الزبائن في متاجرنا؟ وماذا يشترون من متاجر شركات التجزئة الأُخرى؟ وما هي احتياجاتهم بما يتصل بما نفعله؟ ومن هم العملاء الأكثر ربحية الذين لا يوجد لدينا منهم الآن لكن بإمكاننا الحصول عليهم؟ إذ ستمنح الإجابة عن مثل هذه الأسئلة شركات التجزئة المعلومات التي يحتاجونها للعثور على فسحتهم واستغلالها وتحديد التكاليف التي يمكنهم إيقافها لحماية هوامش ربحهم دون تقويض مبيعاتهم.

الخبر الجيد هو أنّ معظم شركات التجزئة ليست بحاجة لإصلاح عمليات بحوثها للحصول على المعلومات الصحيحة عن العملاء. مثلاً، يوجه أحد متاجر السوبر ماركت التي نعرفها هذه الأسئلة لزبائنه بشكل دوري عند نقطة الخروج “هل وجدت ما تريده؟ عندما تكون الإجابة “لا”، يكون السؤال التالي الذي يطرحه الموظف “هل طلبت المساعدة لإيجادها؟”، بعبارة أُخرى: كان تركيز الموظف على تحديد ما إذا كان المعروض الحالي موجوداً في المخزون. لكن عندما يقول المتسوق “لا”، يجيب الموظف بسؤال “هل هناك مكان آخر تتوقع أن تجد فيه ذلك الشيء؟”، ولو أنهم يسألون أيضاً “هل هناك شيء تريده لا يوجد لدينا؟”، حيث سيكون لدى الشركة كنز دفين ضخم من بحوث العملاء العظيمة الفائدة. وكجائزة إضافية، سوف يرى العملاء أنّ الشركة فعلاً تهتم بتلبية احتياجاتهم.

بالإضافة إلى سؤال هل وجدت ما تريده؟، يسأل الموظفون أيضاً “هل هناك شيء تريده ولا يوجد لدينا؟”

وكما أشرنا في البداية، بالنسبة للكثير من شركات التجزئة ليس تخطيط المشتريات إلا عملية تخزين ما عليه طلب وتخفيض مخزون ما يكون الطلب عليه منخفضاً. لكن في حالة التراجع الاقتصادي، يجب أن تكون هذه العملية موجهة بحسب الإجابات عن الأسئلة الأربعة التالية: ما هي خطوط المشتريات التي يجب توسيعها لأنّ الفسحة والإنتاجية كلاهما مرتفعين (المبيعات والربح بكل قدم من المساحة)؟ ما الذي يجب تقليصه لأن فسحته وإنتاجيته ضعيفة؟ وما الذي يجب إصلاحه (بدل تقليصه) لأن إنتاجيته منخفضة لكن فسحته مرتفعة؟ وما الذي يجب أن يبقى على حاله لأن إنتاجيته مرتفعة لكن فسحته منخفضة؟ ويجب أن يكون موظفو المشتريات في شركة التجزئة قادرين على إنتاج خريطة لتخطيط المبيعات تستطيع تحضير الأجوبة عن هذه الأسئلة الأربعة بحسب كل فئة لديهم. كما يجب أن تحدد الخريطة أيضاً فجوات (العرض-الحاجة) التي يجب ردمها كي تنّمي أو تقلص أو تصلح خطوط مشتريات كل فئة. (وسيكون من الأفضل وجود مثل هذه الخريطة لكل كتلة متاجر). إذ سيمنح هذا موظفي المشتريات طريقة عملية لتجنب القرارات التدريجية التي يقوم عليها التخطيط التقليدي للمشتريات.

وتعني إدارة الأداء عادة مراقبة التطور في مقابل الميزانية بالإضافة إلى مقارنة المتاجر والفئات باستخدام مقاييس مثل القيم القابلة للمقارنة والهوامش الإجمالية والمبيعات والأرباح لكل قدم من المساحة. لكن في حالات التراجع الاقتصادي، يجب أن يدل مؤشر سجل الأداء الشركات على مدى نجاحها في اقتناص الفسحة وردم فجوة (الحاجة-العرض) واستبعاد التكاليف السيئة. كما يجب أن يمكنّها من تعقب أدائها في كل كتلة متاجر من أجل تجنب المقارنات غير المنطقية المحتومة الحدوث عند مراقبة المتاجر من حيث المنطقة والمقاطعة والأقاليم الجغرافية الأُخرى المحددة جغرافياً. هذا بالضبط ما تفعله إحدى شركات التجزئة والتي تمكنّت بفضل ذلك من تحسين أدائها منذ بدأ يشتد تراجع أداء شركات التجزئة في الصيف الماضي، ويعود ذلك في جزء منه إلى امتلاكها الكم الصحيح من المعلومات الصحيحة لإدارة أدائها.

أخيراً، هناك التخطيط الاستراتيجي ولمعرفة دوره يمكننا القول: “التخطيط  بأنّ “السماء زرقاء” ليس منطقياً عندما يبدو أنّ السماء على وشك أن تهطل بالمطر”. لكن ذلك ليس الدور الوحيد للتخطيط الاستراتيجي. فلا زال هناك حاجة للقيام بالتخطيط الاستراتيجي بغرض توزيع المساحة والاستثمار في السلسلة وتحديد هيكلة التكاليف والعاملين. وعند مواجهة تراجع اقتصادي، يجب أن يكون التوجه إلزامياً حيث تكون هناك الفسحة، ويكون ممكناً ردم فجوة (الحاجة-العرض)، ومطاردة التكاليف السيئة، واستغلال الفوارق بين كتل المتاجر. فلنكن واضحين: يجب أن تكون عملية التطوير الاستراتيجي متركزة بشكل كلي على تلبية هذه الإلزاميات. وإلا فلا تكون إلا إلهاءات عما يجب القيام به على المدى القصير لحماية وتقوية الأعمال على المدى البعيد.

على الأرجح، لن يرى الجيل الحالي من المدراء التنفيذيين شيئاً يشابه ذاك المناخ الصديق للأعمال الذي امتد على مدى الـ15 سنة الماضية. إذ بدأ عصر من التقشف عند المستهلك، وهو ما يحوّل ذلك المناخ إلى جو عاصف. حيث ستنجح بعض شركات التجزئة في تحويل هذا إلى فرصة تقوي بها أعمالها وتكسب حصة في السوق على حساب المنافسة الضعيفة. لذلك، اتبع القواعد الواردة في هذه المقالة وربما تكون أحدهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!