في عصرنا الحالي، تجمع الشركات كمية من البيانات أكبر من أي وقت مضى، وهي تتخذ قراراتها الهامة بناء على هذه البيانات. ومن ضمن العوامل الأربعة التي تبدأ جميعها بحرف (V) باللغة الإنجليزية، (الحجم، السرعة، التنوع والدقة)، لدينا أدلة كثيرة على أثر وأهمية العوامل الثلاثة الأولى منها. إذ تؤدي زيادة "حجم" البيانات إلى رفع كفاءة عملية اتخاذ القرارات في العديد من الحالات، كما هو الحال في قطاع البرمجة والتسويق والأعمال المصرفية.

وقد بيّنت البحوث أنّ استخدام التدفق عالي السرعة "للبيانات" (مثل البيانات المستمدة من الأجهزة المحمولة) يتيح للشركات معارف وخبرات تساعدها على فهم العملاء بصورة أفضل. من ناحية أخرى، كشفت الدراسات العلمية أنّ الإمكانات الكبيرة لـ"تنوع" البيانات (تلك البيانات غير المنظمة والتي نجدها على شكل نصوص وصور ومقاطع فيديو وما إلى ذلك) تساهم بشكل فعّال في جعل التوقعات التجارية أفضل. لكن ماذا عن القضايا المتعلقة بدقة وموثوقية وشفافية البيانات نفسها، الأمر الذي يؤدي بنا إلى الحديث عن العامل الرابع الذي يبدأ بحرف (V): الدقة (Veracity)؟ في قطاع التسويق القائم على البيانات، يكمن الجواب في معالجة هذه القضية باستخدام تقنية البلوك تشين.

طيلة السنوات الأخيرة، تتمثل أحد أصعب النقاط التي تواجه الشركات والمعلنين في نقص شفافية وموثوقية الجهات التي تمنحها هذه الشركات ميزانياتها للإعلان لديها. ولا عجب من ذلك، لأن الإعلان الرقمي عملية معقدة، وذلك لأنّ عملية التحقق من أنّ المساحات الإعلانية التي تم شراؤها تُعرض كما ينبغي وحسب ما هو متفق عليه ليست بالعملية البسيطة على الإطلاق. في الفضاء الرقمي، نجد أنّ وكالات الإعلان الاحتيالية منتشرة، وهي تكبّد المسوّقين والناشرين أموالاً طائلة. وتشير تقارير فورستر للأبحاث (Forrester) أنّ نسبة كبيرة قدرها 56% من إجمالي المبالغ المصروفة على الإعلانات الرقمية تذهب لوكالات الإعلانات الاحتيالية. وفي هذا الجانب، من المتوقع أن ترتفع خسائر الاحتيال الإعلاني على مستوى العالم لتصل إلى 50 مليار دولار على مدى العقد القادم. وقد كشفت دراسة أجريت مؤخراً عن وضعية الإعلانات المبرمجة أنّ 79% من المعلنين الذين شملهم الاستطلاع أعربوا عن مخاوفهم بشأن شفافية الجهات التي أعلنوا لديها، حيث تركزت مخاوف أكثر من ثلثهم على مجهولية الأطراف الثالثة المنخرطة في عملية الإعلان. وهذا ما يفسّر لنا لماذا نشهد بشكل متزايد، الشركات الكبرى مثل بروكتر وغامبل تخفّض ميزانياتها الإعلانية، بسبب فشل الوكالات الإعلامية في منحها الشفافية التي تريدها.

مع ذلك، بإمكان تقنية البلوك تشين أن تجعل التسويق القائم على البيانات أكثر شفافية، من خلال التحقق من -وتحليل- كل رحلة شراء يقوم بها العميل، وذلك بعرض إعلانات موثوقة متحقق منها، تؤكد أنّ الشخص الحقيقي شاهد بالفعل الإعلان كما ينص عليه العقد بين الوكالة الإعلانية والشركة المعلنة. وبفضل استخدام تقنية البلوك تشين، سيتمكن المسوقون من التحكم بكيفية عرض إعلاناتهم من خلال مراقبة أين توجد هذه الإعلانات بالضبط، ما يقلّص من العمليات الاحتيالية التي تقوم بها الوكالات المخادعة باستخدام البوتات (البرمجيات الذكية المؤتمتة)، وهكذا يطمئن المسوقون إلى أنّ المتابعين والعملاء الحقيقيين هم من ينخرطون ويتفاعلون مع إعلاناتهم لا مجرد برمجيات ذكية، كما تتيح لهم التقنية أدوات تتبع تقيس بدقة حجم التفاعل المطلوب والمتفق عليه.

من ناحية أخرى، هناك تحديّ آخر يواجه العملاء والمستهلكون الذين يستخدمون الأجهزة المحمولة. تقوم الشركات حالياً بإغراق المستخدمين بعدد كبير جداً من الإعلانات والرسائل الإلكترونية ورموز الخصومات والرسائل النصية. ويكمن السبب الذي يدفع هذه الشركات إلى إرسال الكثير من الرسائل المختلفة في أنها لا تعرف إلا القليل عن تفضيلات المستهلكين، مع أنّ ذلك قد يبدو مدهشاً في عصرنا هذا من "الاستخدام المكثف للبيانات". ولذلك نجد أنّ الطريقة الشائعة حالياً في التسويق الرقمي على الأجهزة المحمولة، هي رمي مئات الأسهم في الهواء على أمل أن يصيب أحدها الهدف. وفي هذا السياق، كشف أحد الاستطلاعات الذي أجري على المسوقين في الشركات والوكالات الإعلانية أنّ 94% منهم لا يعرفون أي منهجية عن جعل عملية استهدافهم للعملاء ممنهجة واستراتيجيّة في كافة المنصات التي يمكن أن يكون فيها زبائنهم حاضرين. وهذا ما يسبب وجود فجوة فاصلة بين العملاء والمسوّقين، ما يمنع العاملون في قطاع التسويق من معرفة ما الذي يريده الناس، ومتى وأين وكيف يريدونه. ومن المرجح أنك لمست هذه المشكلة بنفسك، عندما ترى نفس الإعلان المعروض عن أحد الفنادق في موقع إلكتروني، لتجده يلاحقك حتى عندما تزور موقعاً آخر، بل وحتى وإن قمت بحجز غرفة في ذلك الفندق قبل يومين من ذلك.

تستطيع تقنية البلوك تشين أن تمنع ظهور نفس الإعلانات لشخص واحد بشكل مزعج، كما أنها تستطيع أيضاً أن تحدد الوتيرة الدقيقة للإعلان لكل مستخدم على حدة بما يناسبه ويتوافق معه. وبهذا الصدد، بينت الدراسات المتعلقة بوتيرة ظهور الإعلانات للمستخدمين الذين لديهم نية للشراء، أنّ الوتيرة المثالية لظهور الإعلانات تتراوح من أربعة إلى ستة إعلانات. ومع ذلك، من شبه المستحيل تحقيق هذه الوتيرة من عرض الإعلانات بسبب المشاكل التي تكتنف جودة البيانات (التي تمثل العامل الرابع: الدقة). إلا أنّ عقداً ذكياً بين الوكالة الإعلانية والشركة المعلنة، إذا استخدمت الأولى تقنية البلوك تشين، بإمكانها تحقيق ذلك من خلال توفير أدوات تتبع وشفافية لا تمتلكها الشركات المعلنة في الوقت الحالي.

وفي حال قام العملاء بمشاركة المزيد من تفضيلاتهم مع الشركة، فإنّ هذه الأخيرة ستعرف أكثر عنهم، ما يزيد بدوره من دقة الرسائل الإعلانية الموجهة لهم، ويخفّض من وتيرة عرض نفس الإعلانات عليهم. لكن بعض العملاء يمتنعون عن مشاركة معلوماتهم وتفضيلاتهم مع الشركات، غالباً بسبب نقص الثقة فيها، وفي طريقة استخدامها للبيانات الشخصية الخاصة بهم.

إنّ تقنية بلوك تشين القائمة على مبدأ الشفافية يمكنها أن تساعد الشركات على بناء جسور الثقة بينها وبين عملائها. وقد نجحت بعض الشركات بالفعل في القيام بذلك، فقد كشفت الكثير من دراسات الحالة أنّ المستخدمين مستعدون لمشاركة بياناتهم مقابل حصولهم على عروض أفضل من الشركات التي يتعاملون معها بانتظام. وقد بينت تلك الدراسات كذلك أنهم مستعدون بالفعل لمشاركة بياناتهم في حال كان العائد ملموساً. وهذا يعني أنّ تلك الشركات التجارية التي اكتسبت ثقة المستهلكين والتي تعرض عليهم منتجات قيمة أو عروضاً معقولة مقابل مشاركة بياناتهم، تحصل على المزيد من معلوماتهم الشخصية.

تمثل تقنية البلوك تشين أداة ممتازة للتخفيف من مخاوف وهواجس المستخدمين في ما يخص استخدام بياناتهم الشخصية، وذلك بتوفير نافذة شفافة تتيح لهم الاطلاع بأنفسهم عن الكيفية التي تستخدم بها بياناتهم من قبل المسوقين والمعلنين. وهذا ما سيساهم على الأرجح في ازدهار أسواق بيانات العملاء، بحيث لا تقتصر هذه الأسواق على توفير نظرة شفافة للمستهلكين عن كيفية استخدام المعلنين لبياناتهم الشخصية وحسب، بل وستتيح لهم نطاق تحكم أكبر في ما يخص الطريقة التي ينبغي أن تستخدم بها بياناتهم. كما أنّ استخدام تقنية البلوك تشين سيتيح للشركات الإعلانية الجديدة، مثل شركات الاتصالات كشركة فيرايزون (Verizon) وشركة إيه تي آند تي، فرصة كبيرة للمنافسة مع الشركات التقنية الكبرى مثل فيسبوك وأمازون.

وبطبيعة الحال، من المبكر أن نتوقع نتائج تطبيق تقنية البلوك تشين في قطاع التسويق، لأن تطبيقها لا يزال محدوداً جداً بين الشركات التقنية المتخصصة في قطاع الإعلانات. والعائق الرئيسي الذي يمنع الشركات من التوسع في استخدام تقنية البلوك تشين- والذي يجب إصلاحه- هو "سرعة إجراء المعاملات". لأن تقنية البلوك تشين، ونظراً لطبيعتها اللامركزية، حيث يتم التحقق من المعاملات من قبل "المُعدنيّن" من مختلف أنحاء العالم، تستغرق عموماً فترة تتراوح ما بين 10–30 ثانية لتأكيد المعاملة.

وهذا يعني أنّ تقنية البلوك تشين، لا تستطيع حتى الآن التحقق من المعاملات التي تجريها الشركات الإعلانية التقنية بسرعة كافية، لأن هذه الأخيرة تجريها الآن بسرعة المللي ثانية. لذلك، ستضطر الشركات الإعلانية التي تستخدم تقنية البلوك تشين إلى جمع معاملاتها الإعلانية جميعاً في كتلة (block) واحدة، من أجل معالجتها كمعاملة واحدة وربح الوقت، لكن هذا سيخفض من مستوى الشفافية. مع ذلك من المرجح أنّ الشركات التجارية، في المستقبل القريب، ستشرع في استخدام تقنية البلوك تشين كمرحلة تتم بعد انتهاء الحملة التسويقية، حيث يكون غرضها التحقق من صحة المعاملات التسويقية والمصادقة عليها، ليس في الوقت الحقيقي، لكن بعد انتهاء المعاملات. ومع أنّ ذلك ليس كافياً، إلا أنه أفضل بكثير من ممارسات التحقق التي تجرى حالياً.

أخيراً، وعلى الرغم من محدوديتها من ناحية سرعة إنجاز المعاملات، نتوقع أنّ تقنية البلوك تشين ستغير قطاع التسويق القائم على البيانات بشكل جذريّ.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!