إذا تنبهت إلى التقارير الإخبارية المتدفقة حالياً حول الوظائف في أميركا، فقد تعتقد أن العاملين هناك بأفضل حال هذه الفترة. ففي النهاية، معدل البطالة الرسمي بالفعل في أدنى مستوى له منذ 50 عاماً. ومع ذلك، فإن العاملين يواجهون وضعاً قاتماً من نواحٍ عديدة.

احصل على الدليل الشامل لتنظيم الوقت وادارته بفعالية من هارفارد بزنس ريفيو

فنجد أن الفارق بين أولئك الذين لديهم عمل، وأولئك الذين يكسبون ما يكفي من المال للعيش فقط، ضئيل جداً. في عام 2017، كان نحو 80% من العاملين بدوام كامل يعيشون بالكاد على رواتبهم. كما أن ما يقرب من نصف العاملين الأميركيين لديهم عمل إضافي، وذلك غالباً بسبب حاجتهم للمزيد من المال. ولم يخطط أكثر من ربع الأميركيين لعطلة الصيف هذا العام (وتبين من الاستطلاع أن 22% آخرين لم يقرروا بشأن العطلة بعد)، ويقول معظمهم إنهم ببساطة لا يستطيعون تحمل تكاليف العطلة.

وتظهر الأرقام الشهرية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن ما يقرب من خمسة ملايين أميركي لا يمكنهم الحصول على وظيفة بدوام كامل لأسباب اقتصادية تتضمن حالة ركود العمل (أي تخفيض ساعات العمل بسبب ظروف العمل غير المواتية)، وعدم توفر مناصب وظيفية بدوام كامل، أو بسبب انخفاض الطلب خلال موسم ما. وحتى من يعملون بدوام كامل، والذي حددته حكومة الولايات المتحدة بـ 35 ساعةً أسبوعياً، لا يحصلون على المزايا القياسية المرافقة للوظيفة التقليدية. يمكن القول إن هذا نتيجة لتنامي اقتصاد الأعمال المستقلة. اعتباراً من عام 2018، كان هناك واحدة من بين كل خمس وظائف في الولايات المتحدة يشغلها متعاقد لفترة محددة، وبحسب إذاعة "إن بي أر" (NPR) يمكن أن تكون نصف القوة العاملة في البلاد من أصحاب العمل الحر أو المتعاقدين لفترات محددة خلال عقد من الزمن.

إن المتعاقدين المؤقتين وأصحاب العمل الحر وغيرهم ممن لديهم ترتيبات عمل بديلة، وغالباً ما يشار إليهم بالعاملين المستقلين، ليسوا مخولين للحصول على الضمان الصحي الذي تمنحه جهات التوظيف. ولا يسمح لمعظمهم كذلك بتحصيل إعانات البطالة، ما يجعلهم عرضة لمخاطر مالية حقيقية في حال انقطع عملهم فجأة.

وبصفتي مؤسس شركة ناشئة تساعد الأشخاص على تحقيق دخل ثابت، فقد وضعت نصب عيني تعيين موظفين فقط بدوام كامل مع الحصول على مزايا (باستثناء المتدربين وأولئك الذين يرغبون بالعمل بدوام جزئي). وعلى الرغم من أن ذلك يحمل تكلفة أكبر على المدى القصير، إلا أنني أعتقد أن خلق فرص عمل بدوام كامل بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون بذلك هو الإجراء الصحيح الذي يمكن تقديمه للموظفين، وكذلك هو الخطوة الصحيحة للمؤسسات التي تتطلع لتحقيق النجاح. وهناك حوافز مالية قوية تحث الشركات على اتباع ذلك النهج، وذلك لسببين رئيسين:

أولاً، يتسبب العمل بدوام كامل في تقليل توتر الموظفين. والأميركيون هم من بين أكثر الشعوب توتراً في العالم. كما تُظهر الدراسات الحديثة أن مستويات التوتر بين العاملين المستقلين تعادل تقريباً ضعف مستواها لدى نظرائهم الذين يحصلون على دخل أساسي من ترتيبات عمل تقليدي.

ولا يعد هذا النوع من التوتر مجرد مشكلة شخصية، وإنما يحمل تأثيراً سلبياً على الشركات أيضاً. فالموظفون الذين يعانون من ضغوطات مالية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، والتأخر عن العمل، والتشتت، كما يكونون أقل إنتاجية بشكل عام.

وهنا، تمتلك المؤسسات الفرصة لمساعدة نفسها والعاملين لديها من خلال توفير المزيد من الاستقرار على الصعيد المالي والشخصي، أي توفير عمل بدوام كامل، ودخل جيد، مع تأمين بعض المزايا. ويمكنك البدء بوضع رواتب منطقية. انظر إلى ما تدفعه شركات مماثلة لشركتك لمناصب مماثلة، مع مراعاة عامل تكلفة المعيشة في مدينتك.

ثانياً، يؤدي العمل بدوام كامل إلى زيادة ولاء العاملين. يبقى العاملون التقليديون مدة أطول مع الشركة ذاتها أكثر مما يبقى العاملون المستقلون. وتظهر الأرقام الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل أن متوسط مدة خدمة العمل للعاملين الذين يتقاضون أجوراً ورواتب تبلغ حوالي أربع سنوات، وهي مدة بقيت ثابتة نسبياً خلال العقد الماضي. وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل دوران الموظفين العام الماضي (وهو المعدل الذي تحتاج إليه الشركة لتبديل الموظفين داخل المنصب الواحد) إلى أعلى مستوى له منذ عام 2000. لذلك، من غير المفاجئ ما وجده استطلاع في المملكة المتحدة أن غالبية الأشخاص العاملين في "أنماط وظائف غير تقليدية" يقدرون الأمن والمزايا المرتبطة عموماً بترتيبات العمل التقليدي أكثر من تقديرهم لاستقلالية العمل الحر ومرونته.

ولقد وجدتُ بدوري أنه بجعل معظم الموظفين لدي من ذوي الرواتب والمزايا فإنني بذلك أساعدهم للشعور بالتقدير، والاحترام. وتُظهر الأبحاث أن ذلك يزيد الإنتاجية أيضاً. ففي إحدى الدراسات، قال 93% من الموظفين الذين أبلغوا عن شعورهم بالتقدير، إنهم كانوا متحمسين لبذل قصارى جهدهم، مقارنة بـ 33% فقط ممن لا يشعرون بالتقدير. كما وجدت دراسة استقصائية أخرى أن نحو ثلثي العاملين يمكن أن يتركوا وظائفهم إن لم يشعروا بالتقدير. إن توظيف عاملين أو موظفين جدد وتدريبهم باستمرار ليحلوا محل أولئك الذين غادروا ليس فقط أمراً باهظ التكلفة، وإنما يخلق ارتفاع معدل دوران الموظفين ثقافة تهيمن عليها حالة عدم الاستقرار، ويقلل من المعرفة المؤسساتية بين صفوف الموظفين.

صحيح أن هذه العوامل لن تكفي دوماً لجعل توظيف العاملين بدوام كامل خياراً أوفر. وصحيح أيضاً أن على قادة العمل اتخاذ خيارات صعبة كل يوم بشأن توزيع الموارد. لكن القادة على وجه التحديد، أكثر من أي شخص آخر، يتمتعون بموقع يمكّنهم من خلق تغيير إيجابي. يمكننا أن نؤمّن للأشخاص وظائف مستقرة ذات مزايا تنتشلهم من أية ظروف اقتصادية مدمرة قد تحدث، وكذلك تمنحهم مستقبلاً أفضل. وطالما إننا نعيش في عالم يعتبر خيار العمل بدوام كامل متاحاً فيه، فعلينا أن نسعى جاهدين لتقديم هذا الخيار.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!