يقضي الموظف العادي 28% من يوم عمله في قراءة بريده الإلكتروني والرد عليه، وفق ما خلصت إليه دراسة تحليلية أجرتها شركة ماكنزي. وبالنسبة للموظف العادي بدوام كامل في أميركا، فإنّ تلك النسبة تعني 2.6 ساعة يقضيها في قراءة حوالي 120 رسالة وسطياً والرد عليها يومياً.

يلجأ معظم الموظفين إلى اعتماد واحدة من آليتين حديتين كمحاولة أخيرة ويائسة لدرء الهجوم الذي لا ينتهي من الرسائل: في الحالة الحدية الأولى نجد مناصري صندوق الوارد الصفري الذين يلزمون أنفسهم في الإبقاء على ذلك الصندوق فارغاً، أما في الحالة الحدية الثانية فنجد أولئك المستسلمين عملياً الذين يتركون الرسائل تتوافد إلى صندوق بريدهم الوارد من دون أن يعالجوها على الإطلاق.

وبمواجهة هاتين الآليتين، ظهر من يدعو إلى اعتماد نهج وسطي معتدل يتمثل ببساطة في تقليل عدد المرات التي يتفقد فيها المرء بريده الإلكتروني.

قام فريقنا في شركة زارفانا (Zarvana) التي تعنى بتدريس ممارسات إدارة الوقت المدعومة بالأبحاث، باستكشاف ما إذا كان هنالك طريقة فعالة ومدعمة بالبيانات لخفض مدة الـ 2.6 ساعة التي نقضيها يومياً في قراءة بريدنا الإلكتروني والرد عليه من دون أن تتأثر فعالية أدائنا. وكانت النتيجة مدهشة حتى بالنسبة لنا: فلقد وجدنا أنّ بإمكاننا توفير أكثر من نصف الوقت الذي نقضيه راهناً في التعامل مع بريدنا الإلكتروني، أي بإمكاننا توفير ساعة و21 دقيقة يومياً.

فيما يلي خمس سلوكيات تهدر الوقت دون داع وكيفية توفير ذلك الوقت:

المبالغة في تفقد البريد الإلكتروني تهدر 21 دقيقة من الوقت يومياً. يتفقد الموظفون بريدهم الإلكتروني وسطياً 15 مرة في اليوم الواحد، أو يفتحونه كل 37 دقيقة. فهل يتوقع معظم الناس الرد على رسائلهم ضمن المدة الزمنية تلك؟ الجواب هو: لا؛ إذ إنّ 11% فقط من العملاء، و8% من زملاء العمل يتوقعون الرد خلال أقل من ساعة، في حين يتوقع حوالي 40% من الناس تلقي الرد في غضون ساعة واحدة. فإذا تفقد الناس بريدهم الإلكتروني كل ساعة بدلاً من كل 37 دقيقة، سيوفرون ستة تفقدات يومياً.

فما هو تأثير ذلك السلوك؟ تشير بعض الأبحاث إلى أن الموظفين عموماً قد يستغرقون ما يقارب 23 دقيقة و15 ثانية للعودة إلى الانخراط والتركيز في العمل بعد الانقطاع عنه، لتفقد البريد الإلكتروني على سبيل المثال. ومع أننا لا نشك بصحة ومصداقية تلك النتيجة، غير أننا سنعتمد لحساب حجم التوفير في الوقت نتائج أكثر تحفظاً خلصت إليها دراسة أُجريت في جامعة لوبورو، مفادها أنّ الموظف يستغرق 64 ثانية للعودة إلى العمل والتركيز بالمعدل ذاته الذي كان يعمل به عند انقطاعه عنه لسبب ما.

ولا يقتصر تضييع الوقت أثناء "تفقد" البريد الإلكتروني على زيارة صندوق البريد الوارد. فثمة الكثير من الموظفين يضيعون وقتهم أيضاً في قراءة الإشعارات التي تظهر في زوايا شاشات حواسيبهم في كل مرة تردهم فيها رسالة إلكترونية، ما يجعلهم يخسرون ثواني إضافية عدة في كل مرة.   

ولا شك أنّ لهذه الانقطاعات تكاليفها الإضافية. تصف صوفي ليروي الباحثة في جامعة واشنطن ما يجري في هذه الحالة، فتقول: "عندما أكون منغمسة في التفكير بالمهمة (أ) وأحاول إنجاز المهمة (ب) في الوقت نفسه، تعوزني المقدرة الإدراكية والمعرفية على إتمام المهمتين معاً بالشكل الأمثل".  

بالمحصلة، نخسر 21 دقيقة يومياً ما بين تفقد البريد الإلكتروني ست مرات أكثر من اللازم، وتضييع الوقت في قراءة الإشعارات الجانبية، واستغراق الوقت الطويل للتركيز في مهامنا من جديد.  

بيد أنّ حل هذه المعضلة بسيط: أوقف الإشعارات، وخصص وقتاً محدداً (حوالي 5 إلى 8 دقائق) من كل ساعة لتفقد بريدك الإلكتروني. قد يكون ذلك غير قابل للتطبيق دائماً بالنسبة لبعض المهن والوظائف. وقد يبدو غير مريح على الإطلاق بالنسبة لأولئك الذين اعتادوا على أن يكونوا على علم مباشر بكل ما يرد وأن يردوا عليه خلال دقائق. بيد أنّ غالبية من جربوا هذا الحل اكتشفوا أن ردودهم السريعة لم تكن ضرورية.

صناديق البريد الوارد الممتلئة تهدر 27 دقيقة يومياً. يزعم الكثيرون أنه لم يعد هنالك من داع لنقل الرسائل الإلكترونية من صندوق البريد الوارد بما أنّ خاصية البحث لدى التطبيقات المعروفة للبريد الإلكتروني قوية بما يكفي لجعل عملية إيجاد رسالة بعينها من بين مئات الرسائل أو حتى الآلاف منها عملية سهلة للغاية. وهم محقين في زعمهم هذا، لكن جزئياً. فآلية البحث هي أسرع طريقة لإيجاد الرسائل الإلكترونية القديمة، إلا أنّ صناديق البريد الوارد التي تغص بالرسائل تكلفنا الكثير من الوقت لسبب آخر.

فعندما نتفقد صندوق البريد الوارد الممتلئ بالرسائل، ينتهي بنا المطاف إلى إعادة قراءة الرسائل الإلكترونية أكثر من مرة، ولا يسعنا مقاومة ذلك؛ فما دامت تلك الرسائل في صندوق البريد الوارد سنقرؤها. لدى الموظفين وسطياً ما يفوق الـ 200 رسالة إلكترونية في صندوق بريدهم الوارد، ويتلقون 120 رسالة جديدة يومياً إلا أنهم لا يردون سوى على 25% منها فقط. وبغياب خطة تنظيف واضحة وصارمة لذلك الصندوق، يتفاقم تراكم الرسائل فيه. وفي حال تفقد الموظفون صناديق بريدهم الوارد 15 مرة باليوم الواحد واستغرقوا أربع ثوان فقط في تصفح كل رسالة (وهو الزمن الوسطي الذي يستغرقه استعراض نص قديم) وأعادوا قراءة 10% فقط من تلك الرسائل (وهذا التقدير مستند إلى عدد الرسائل الذي يمكن أن تظهره شاشة الحاسوب ذات الحجم الوسطي)، فإنهم سيهدرون 27 دقيقة سدى كل يوم. أما بالنسبة للشريحة الضيقة من الموظفين الذين لا يقومون بأرشفة رسائلهم تلقائياً، فإنّ هذا التوفير في الوقت سيكون أقل بعض الشيء (حوالي 22 دقيقة) ذلك لأنهم بحاجة إلى قضاء خمس دقائق في بداية كل يوم لأرشفة الرسائل الإلكترونية بهدف تنظيف صناديق بريدهم الوارد.

وفي الحالتين، يتمثل الحل لهذه المشكلة في قاعدة اللمسة الواحدة، التي تعني المبادرة إلى أرشفة أو محي كل رسالة تتم قراءتها مباشرة. قد يبدو هذا النهج غير منطقي بالنسبة لرسائل محددة، كتلك التي تتطلب الإجابة لاحقاً. لكن الرسالة المقروءة التي تتطلب إجابة لاحقة لم تعد رسالة تحتاج للقراءة، بل مهمة تحتاج إلى التصرف والفعل، ويجب التعامل معها على هذا الأساس ونقلها إلى خارج صندوق الوارد وإدراجها ضمن قائمة المهام واجبة الإنجاز.

استخدام المصنفات لتنظيم الرسائل الإلكترونية وإيجادها يهدر 14 دقيقة يومياً. بما أن الموظفين يؤجلون الرد على الرسائل التي تردهم في 37% من الحالات، فإنّ إيجاد الرسائل التي كنا قد قرأناها سابقاً يمثل جزءاً كبيراً من معالجة الرسائل.

فغالبية الناس يتعاملون مع هذا الموضوع من خلال إحداث مصنفات خاصة حسب الموضوع أو الشخص أو نمط الرسالة لأرشفة الرسائل وفقاً لذلك. ووسطياً يحدث الموظفون مصنفاً جديداً كل 5 أيام ويكون لديهم 37 مصنفاً يتعاملون معها. بيد أنّ هذا النهج المتمثل بالنقر على المصنفات لإيجاد ما تبحث عنه، هو نهج أبطأ بنسبة 9% مقارنة مع البحث بناء على كلمات مفتاحية محددة، وأبطأ بنسبة 50% مقارنة مع البحث باستخدام معاملات البحث operators المعروفة (مثلاً باستخدام from: قبل عنوان البريد الإلكتروني للمرسل هكذا ("from:[email protected]").

وفيما تشكل آلية البحث أحد الحلول الجزئية يتمثل الحل الآخر في إدماج برنامج البريد الإلكتروني مع تطبيق لوائح المهام واجبة الإنجاز. ويجري ذلك إما عبر تزويد المستخدمين بعنوان بريدي إضافي خاص يمكنهم إعادة توجيه أو إرسال الرسائل إليه بحيث تتحول تلقائياً إلى مهام، وإما عبر تمكين المستخدمين من إضافة الرسائل الإلكترونية إلى نسخة رشيقة من تطبيق لوائح المهام واجبة الإنجاز كجزء من برنامج البريد الإلكتروني الذي يستخدمونه. ومن شأن هذه الطرق مجتمعة أن توفر على المستخدمين 14 دقيقة يومياً.

أرشفة الرسائل ضمن مصنفات متعددة باستخدام "الفأرة" يهدر 11 دقيقة يومياً. إنّ المصنفات الـ 37 التي تظهر على الجهة اليسرى في تطبيق البريد الإلكتروني لغالبية المستخدمين لا تتسبب فقط في هدر الوقت بحثاً عن المصنف المطلوب، بل إنّ حوالي 10% من الوقت الذي يقضيه الموظفون وهم يعالجون بريدهم الإلكتروني يستخدم في أرشفة الرسائل التي يريدون الاحتفاظ بها، وهي عملية مؤلفة من مرحلتين اثنتين: تحديد المصنف الذي يجب حفظ الرسالة فيه، ومن ثم نقل الرسالة إلى المصنف المختار. وكلما كان عدد الخيارات أمامنا أكبر، كان الوقت أطول لاتخاذ القرار.

نعلم أنّ المصنفات ليست ضرورية لإيجاد الرسائل الإلكترونية، فكم مصنفاً نحناح حقاً؟ لقد توصلنا إلى أنّ غالبية الناس لا يحتاجون سوى إلى مصنفين اثنين: واحد للرسائل التي تقرؤها لحظة ورودها إلى صندوق البريد الوارد لكنها تتطلب منك القيام بعمل ما (وهو المصنف الذي نطلق عليه اسم "للأرشيف")، وواحد للرسائل التي قد نرغب في قراءتها لاحقاً (وهو المصنف الذي نطلق عليه اسم "للقراءة"). وإذا ما تساءل أحد ما: ولمَ لا نخفض عدد المصنفات إلى الصفر؟ فالجواب هو: لأننا نحتاج إلى مصنف واحد على الأقل لنقل الرسائل إليه من صندوق البريد الوارد وإبقاء هذا الصندوق في وضع سليم.

ولاحتساب الوقت الموفّر من خلال تخفيض عدد المصنفات من 37 مصنفاً إلى مصنفين اثنين فقط، نطبق ما يعرف بقانون "هيك" (Hick) القائم على مبدأ سيكولوجي يوصف العلاقة الرياضية بين عدد الخيارات المتاحة من جهة وزمن اتخاذ القرار من جهة أخرى. ووفق تلك العلاقة فإن الزمن الضروري لاختيار واحد من بين 37 خياراً أكبر بخمس مرات من زمن الاختيار بين خيارين اثنين فقط.

هنالك أيضاً أساليب وطرق أخرى لتحسين فعالية ودقة أرشفة الرسائل من خلال استخدام القواعد والفلاتر المؤتمتة التي تساعدنا على تجنب الوقوع في الأخطاء الناتجة عن سحب الرسالة بالفأرة وإفلاتها في مكان غير مقصود، بالإضافة إلى استخدام اختصارات لوحة المفاتيح، التي وجدنا أنها أسرع بنسبة 50% من استخدام الفأرة. فعلى سبيل المثال بمقدور مستخدمي برنامج "ويندوز آوتلوك" أرشفة الرسائل عبر الضغط على المفاتيح (control + shift + v) ومن ثم اختيار المصنف المطلوب من قائمة المصنفات (وفي برنامج "جي سويت"، يمكن للمستخدمين الضغط على مفتاح "v" ومن ثم اختيار المصنف المطلوب). وبمقدور مستخدمي برنامج آوتلوك أيضاً إنشاء ما يسمى "الخطوات السريعة" التي تمكنهم من نقل الرسائل إلى مصنف محدد بالضغط على تتابع واحد ومحدد من المفاتيح، الأمر الذي يوفر المزيد من الوقت.

قراءة الرسائل غير المهمة ومعالجتها تكلفنا 8 دقائق يومياً. ووفقاً لبيانات من شركة "سينبوكس" (Sanebox) فإنّ 62% من الرسائل هي في الواقع رسائل ليس لها صلة بك وغير مهمة ويمكن التخلص منها بسرعة، ولكن اكتشافها والتخلص منها يستهلك قدراً من الزمن. وبحسب التقديرات فإنّ الموظف العادي يفتح 20% من الرسائل المشترك بها (مثل الرسائل الإخبارية) ويقضي 15-20 ثانية في قراءة كل من تلك الرسائل، ما يعني أكثر من 4 دقائق يومياً. وحتى إن مجرد محو الرسالة الواحدة يتطلب وسطياً 3.2 ثانية، ما يتجمع ليشكل أكثر من ثلاث دقائق يومياً، وهو زمن صغير لكنه يمثل سبباً مهماً لإلغاء الاشتراك بالرسائل غير المرغوب بها وحجبها بدلاً من إضاعة الوقت في محوها.   

وللإقلاع عن عادة التعامل مع الرسائل غير المهمة بشكل إفرادي، يمكنك اللجوء إلى نهج مؤلف من ثلاث خطوات: استخدم فلترة مؤتمتة للرسائل الإخبارية التي تهمك فعلاً؛ وألغِ اشتراكك بتلك التي لا تهمك؛ وأوقف الرسائل التطفلية وغيرها من الرسائل غير المرغوب فيها التي تستمر في الورود إليك حتى بعد محاولتك إلغاء اشتراكك في بعض المواقع.

لقد غدا البريد الإلكتروني لعنة القرن الحادي والعشرين بالنسبة للموظفين، لكن من خلال تطبيق هذه الممارسات الخمس، يمكننا استعادة البريد الإلكتروني كأداة مفيدة للعمل الفعال:

  • أوقف الإشعارات، وتفقد بريدك الإلكتروني كل ساعة.
  • استخدم خاصية البحث وبرمجياته لإيجاد الرسائل الإلكترونية.
  • أفرغ صندوق بريدك الوارد من جميع الرسائل التي تقرؤها .
  • أنشئ مصنفين اثنين فقط للرسائل الإلكترونية واستخدم اختصارات لوحة المفاتيح لأرشفة الرسائل.
  • تجنب التعامل بصورة فردية مع الرسائل الإلكترونية التي لا صلة لها بك وغير المهمة.

آن الأوان لتجاوز عاداتنا وأفكارنا البالية والعمل بمقتضى ما تظهره الأبحاث العلمية، بحيث نستطيع استعادة الساعات التي نهدرها أسبوعياً مع السيطرة الكاملة والفعالة على بريدنا الإلكتروني.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!