تابعنا على لينكد إن

بعد العودة من العطلة الشتوية، يبدأ معظمنا بالتفكير بعطل الربيع والصيف، ونشرع فعلاً في التخطيط لها. وبالطبع تسوّل لنا أنفسنا اللجوء إلى نفس المكان الذي نقصده في كل سنة: كوخ العائلة، أو البلدة الشاطئية المعتادة، أو مدينتنا المفضلة، أو المنتجع المفضل للأطفال. فغالباً ما نفضل إنفاق أموالنا التي كسبناها بجدنا واجتهادنا مقابل الاستمتاع بالراحة والاسترخاء في مكان مألوف ومتوقع. ولا شك في أنّ لذلك فوائده.

لكنني كمحلل نفسي أعتقد أنّ علينا توظيف السفر لتحقيق النقيض من ذلك: أي الخروج من “منطقتنا المريحة” وتعريض أنفسنا لما هو غير مألوف ومتوقع، والتخلي عن الراحة مقابل خوض غمار الاستكشاف وتعلم كل ما هو جديد. فنتيجة ذلك، ستكون تحقيق النمو في الشخصية ومرونة شعورية وتعاطف ومقدرة أكبر على الإبداع. لقد دفعتني رحلة إلى تايلاند قمت بها مؤخراً إلى التعمق في التأثير الإيجابي الذي تنطوي عليه المغامرات التي تشكل تحدياً لنا.

وتتمثل أولى فوائد قضاء العطلة في مكان جديد في تعزيز مرونتنا العاطفية، أي قدرتنا على الإحجام عن ردود الفعل المتسرعة على العواطف التي تتملكنا، ومراقبة تلك العواطف وهي تنشأ في داخلنا، وجمع المعلومات بتأن وانتباه لفهم أسبابها المحتملة، ومن ثم اتخاذ القرار الواعي حول كيفية التعامل معها. في دراسة أُجريت على 485 بالغاً أميركياً، وُجد أنّ القيام برحلة إلى بلد أجنبي يرتبط بقدرة أعلى على توجيه الاهتمام والطاقة، ما يساعدنا على التصرف بفعالية أكبر في حالات مختلفة ومتنوعة، وإظهار الإشارات العاطفية الكلامية وغير الكلامية المناسبة لتلك الحالات. ولقد أظهرت الدراسة أيضاً أنّ زيارة عدد أكبر من البلدان (أي توسيع التجربة) أو الغوص أكثر في الثقافة المحلية للبلد المعني (أي تعميق التجربة) من شأنه تعزيز تلك الآثار الإيجابية على نحو مستمر إلى ما بعد عودة الأشخاص المشاركين في الدراسة إلى بلدهم. إذ يُصبح المرء من خلال قضاء الوقت في بلدات ومدن غير مألوفة، متسامحاً ومتقبلاً للانزعاج وواثقاً أكثر بقدرته على التصرف السليم في الظروف الغامضة والحالات غير المألوفة.

شعرت بذلك النمو في الشخصية أثناء عطلتي لمدة أسبوعين التي قضيتها في سيريلانكا، حيث لم أشعر يوماً بالغربة التي شعرت بها وأنا واقف وسط مجموعة من الرجال كبار السن وقصار القامة بلباسهم الملون بألوان الطيف وهم يتكلمون باللغة السنهالية. لقد أدركت استحالة قيادة سيارتي المستأجرة في تلك الأزقة الضيقة التي تعج بعربات التكتوك والدراجات الهوائية والمارة، كما وجدت صعوبة بالغة في استخدام وسائل النقل وشراء الطعام واللباس والتحف من دون أية إشارة إلى أسعار تلك الخدمات والمنتجات. لكنني استعدت توازني في نهاية المطاف. فبعد قضائي لأيام معدودة في المكان، تشجعت على التسجيل بدورة يوغا باللغة السنهالية. وبت أدرك الآن أنّ ما يشعر به المرء من قلق عندما يجد نفسه في ظروف غريبة، ما هو إلا رد فعل مؤقت سرعان ما يتلاشى بمجرد أن يبدأ بالتصرف في تلك الظروف على أرض الواقع.

كما تتعزز مشاعر التعاطف والإحساس بالآخر عندما تأخذك أسفارك إلى بلاد جديدة. ففي ذات الدراسة الأميركية، أظهر الأشخاص الذين سافروا إلى الخارج قدرة أكبر على تأجيل إطلاق الأحكام والتقييمات بحق الشخص الآخر حتى تتاح لهم بعض المعلومات عنه بحيث تتجاوز سماته السطحية (العمر والجنس والعرق والإثنية). إلى جانب ذلك، أظهر أولئك الأشخاص قدرة أعلى على تمييز ما إذا كان سلوك الشخص الآخر يعكس سمات شخصية عميقة ومتجذرة أم أنه نابع عن عوامل ظرفية تؤثر على تصرفاتهم الذاتية أيضاً. ولقد توصل الباحثون الذين استبينوا 197 شخصاً بالغاً في الصين قبل سفرهم وبعده، إلى نتائج مشابهة في ما يرتبط بالجهد المبذول من أولئك الأشخاص لتفهم الاختلافات الثقافية والقيمية والسلوكية أثناء التفاعل الاجتماعي اليومي مع الآخرين. وأظهرت هذه الدراسة أيضاً أنّ الأشخاص الذين سافروا إلى أكثر من بلد طوروا قدراتهم على التسامح مع الغرباء والثقة بهم، ما أدى إلى تغيير مواقفهم ليس نحو الغرباء فحسب، بل أيضاً الزملاء والأصدقاء في بلدهم الأصلي. لقد باتوا أكثر تفهماً وتقديراً للأشخاص الذين يمتلكون معارف ومهارات وفلسفات جديدة ومختلفة في الحياة.

عندما كنت في سيريلانكا، لاحظت في كل بضعة شوارع شرطياً يحمل بندقية هجومية أو رشاشاً، وهو ما لم يرق لي، لكنه يروق للسكان المحليين. وكان يرعبني وجود الشرطي في بداية الأمر، لكنه سرعان ما كان يبتسم ويدردش مع المارة، فأدركت أنهم مجرد رجال يلبسون الزي العسكري ويؤدون وظيفتهم. وعندما ذهبت إلى النادي الرياضي للقيام ببعض التمارين البدنية، وجدت ثلاث شاشات عرض تلفزيوني تتدلى من السقف وتعرض مبارزة مصارعة الكابادي، التي بدت لي وكأن عشرة أشخاص يلعبون لعبة المطاردة، لكنني أدركت مدى التنوع الكبير لعالم الرياضة في الواقع.

أما الفائدة الثالثة من قضاء العطلة على نحو غير مألوف تتمثل في الإبداع. أظهرت دراسة أُجريت بالاشتراك مع 46 عاملاً هولندياً أنهم بعد قضائهم عطلة خارج بلدهم لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع باتوا قادرين على ابتداع المزيد من الأفكار المختلفة والمتنوعة حول استخدام الأشياء اليومية، كالطوب وأطر العجلات والملاعق وأقلام الرصاص. وبالمثل، وجد بعض الباحثين في سنغافورة أنّ زيادة الاحتكاك مع الثقافات الأخرى، من خلال السفر أو عقد الصداقات العالمية أو دراسة اللغات الأجنبية أو الاستماع إلى الموسيقى وتناول الأطعمة من بلدان أخرى، إنما تعزز القدرة على حل المشكلات بأساليب مبتكرة وغير مألوفة.

بدأت، بعد خبرتي الأخيرة في السفر، في تغيير أسلوب التوظيف الذي أتبعه في شركتي “مختبر الرفاه”. فبينما لا زلت أطرح على المتقدمين إلى الوظائف أفضل سؤال منفرد قادر على توقع الأداء الوظيفي المستقبلي، ألا وهو “كم تعلم حول مجموعة بحثنا؟”، غير أنني بت اليوم أطرح على المتقدمين بعض الأسئلة غير المألوفة أيضاً مثل: “إذا كان بوسعك أن تعيش إحدى لحظات حياتك مرة أخرى، ما هي تلك اللحظة ولماذا؟”، “ما هو التفصيل من طفولتك الذي لا يسألك عنه الآخرون وتتمنى لو أنهم يفعلون ذلك؟”، “وما هي معتقداتك غير المألوفة؟”. ومن ثم أسألهم إن كانت تلك المعتقدات والخبرات غير المألوفة تؤثر في تفكيرهم وسلوكهم. ولا أقوم بذلك لمجرد المرح، بل ما أصبو إليه هو الغوص في الخبرات الثقافية المختلفة للمتقدمين لكي أكتشف ما إذا كانوا يقدمون رؤية جديدة قادرة على تعزيز الإبداع الجمعي في شركتنا وتقديم قيمة مضافة. ففي الحد الأدنى يحدث ضمن فريق العمل تفاعل غني وذو معنى، وفي الحد الأقصى يغدو فريقنا أقوى وأكثر حكمة.

لقد استلهمت هذه المقالة من الرحلة البعيدة التي أُتيح لي اختبارها. لكن يمكن أيضاً إحراز نمو مشابه من خلال السفر إلى أماكن قريبة من مكان إقامتك، إلى مقاطعة أو مدينة أخرى، أو حتى إلى أسرة أخرى، أو السفر من المدينة إلى الريف، أو من الشمال إلى الجنوب، أو من الشرق إلى الغرب. فما دمت تقضي وقتك في بيئة غير مألوفة، ومع أناس من ثقافات وبيئات ومعتقدات لا تنطبق تماماً على ثقافتك وبيئتك ومعتقدك، ستوسع أفقك وتختبر تجربة جديدة تدفعك إلى تخطي حدودك المألوفة.

إنّ عدداً مبالغاً فيه من رحلات العمل والرحلات الخاصة، تكون مصممة لتقديم أكبر قدر من الراحة وتفادي كل ما هو غير مألوف وغير متوقع. (يخطر في البال هنا الرحلات المنظمة إلى مدن الملاهي ورحلات السفن السياحية). غير أنّ أوقات العطلة تمثل فرصة ثمينة ولا تعوض لتطوير الذات. ولعل بيئات العمل في هذه الأيام بأمسّ الحاجة إلى أشخاص يتمتعون بالمرونة ويتحملون الظروف غير المريحة ويفهمون وجهات نظر الآخرين وقادرين على الإبداع والابتكار بدل اجترار ما هو معروف. ربما تجد نفسك أثناء العطلة خارج بيئة العمل، غير أنّ ذلك لا يعني بحال من الأحوال أنه يتعين عليك التوقف عن تطوير ذاتك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz