تابعنا على لينكد إن

تابعنا على لينكد إن

كانت ماريا، وهي مديرة تنفيذيّة في مجال الخدمات الماليّة، تنظر محدّقة إلى دعوة أخرى في أجندتها على برنامج آوت لوك وهي تفكّر بتلك الساعات الثلاثة التي ستذهب هدراً من يومها بسبب هذه الدعوة. وكلّما كانت تطرأ مشكلة معقّدة يكون الجواب التلقائي المباشر من مديرها هو: “اجمعي المزيد من البيانات!”. كانت ماريا تتفهّم المنهج التحليلي الذي يتّبعه مديرها، ولكن مع تراكم الاستبيانات والتقارير والإحصاءات صار من الواضح أنّ فريق العمل قد بات عالقاً في حالةٍ من الشلل التحليلي. وبالرغم من اللقاءات العديدة، وفرق المهامّ الخاصّة، وجلسات العصف الذهني، وورش العمل المخصّصة لحلّ أي قضيّة طارئة، فإنّ الفريق كان يصل في أغلب الأحيان إلى الحلول ذاتها- وهي عادة ما تكون حلولاً مدوّرة تمّ استخدامها مع مشاكل سابقة.

وأثناء إجراء البحوث الخاصّة بإعداد كتابنا “توقّف عن الإنفاق وابدأ الإدارة” سألنا 82 مديراً تنفيذيّاً عن مقدار الهدر الذي تكبّدته شركاتهم بسبب عمليات التحليل التي تجري بشكل يوميّ. وكان معدّل الأرقام التي ذكروها هي 7.731 دولاراً في اليوم، أي 2.822.117 دولاراً في السنة! وبالرغم من المقدار الكبير من البيانات المتوفّرة، فإنّ الناس عادة ما يجدون صعوبة بالغة في استغلالها في حلول فعّالة للمشاكل التي يواجهون، بل ويقعون ضحيّة لما أسماه جيم مارش وزملاؤه عمليّة صنع القرارات في “سلّة المهملات”: حيث يدور الأشخاص والمشاكل والحلول الممكنة كأنّهم في “سلّة مهملات” وينتهي بهم الأمر بالاتّفاق على أيّ حلّ يظهر أوّلاً في أعلاها. أي أنّ المشكلة لا تكمن في نقص البيانات داخل سلّة المهملات المجازيّة هذه، بل إنّ الكميّة الهائلة من البيانات تجعل المدراء غير قادرين على تحديد ما هو مهمّ ومنحه الأولويّة. وما يحصل في نهاية المطاف هو أنّهم يضطرون لاستصلاح بيانات بشكل اعتباطيّ لاستخدامها أمام مشاكل جديدة ولا يتوصّلون إلا إلى حلّ ضعيف.

ومن أجل الخروج من هذه الدائرة المفرغة فإنّ على المدراء وموظّفيهم أن يفكّروا بحذر أكبر بخصوص المعلومات التي يحتاجونها كي يتوصّلوا لحلّ للمشاكل التي يواجهونها وأن يفكّروا بشكل إستراتيجيّ بخصوص كيفية استخدامها في عملية صنع القرارات والإجراءات التي يتخذونها. ونحن ننصح باتباع منهجيّة دايت (DIET) للتعامل مع البيانات، وهي طريقة من أربع خطوات من التفكير الدقيق تساعد في تحويل البيانات إلى معرفة وحكمة.

الخطوة 1: افهم المشكلة
حين يبدأ فريق العمل والأفراد بالتفكير بمشكلة ما، فإنّهم عادة ما يقفزون مباشرة لاقتراح حلول ممكنة. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه جلسات العصف الذهني. ولكن ورغم ما يبدو من تفاؤل بحلّ المشكلة إلا أنّ الناس يميلون عادة إلى الالتزام بمنهجيات مألوفة بدل التمهّل قليلاً لفهم المعالم الدقيقة للمشكلة.

عليك أن تمتلك بدايةً ذهنيّة “تحديد المشكلة”، بحيث تتجنّب القطع بتعريف المشكلة كي تتيح للآخرين النظر إليها من زوايا مختلفة، بحيث تنكشف الافتراضات غير الظاهرة وتتجلّى أسئلة جديدة قبل الشروع بعمليّة البحث عن البيانات. حاول مع فريقك التفكير بالأسئلة الحساسة بخصوص المشكلة من أجل التوصل إلى إدراك كامل لمستوى التعقيد الذي يحيط بها واطرح عليهم أسئلة من قبيل: كيف تنظرون إلى المشكلة؟ ما أسبابها؟ ما الافتراضات التي لديكم بخصوصها؟ كما يمكن أيضاً الكتابة عن المشكلة (دون اقتراح الحلول) من زوايا نظر مختلفة- للعميل والمزوّد والجهة المنافسة مثلًا- وذلك في محاولة للنظر إلى الوضع بطرق جديدة.

وبمجرد أن تمتلك رؤية أفضل للمشكلة فسيكون بوسعك أن تشرع بعمليّة منهجيّة للبحث عن البيانات. تجنّب حالات التأخر في اتخاذ القرارات وذلك بجعل طلبات البيانات خاضعة للمعادلة الشرطية “لو-إذن”. واطرح على نفسك هذا السؤال البسيط: لو جمعت البيانات، إذن كيف سيتغيّر قراري؟ فإن تبين أنّ هذه البيانات لا تساعد في تغيير القرار، فإنّك لست بحاجةٍ إذاً إلى البحث عن المزيد منها.

الخطوة 2: حقّق التكامل
بعد أن تحدّد المشكلة والبيانات اللازمة لحلّها، فإنّ عليك استخدام المعلومات التي لديك بطريقة فعّالة. لقد شعرت ماريا في المثال السابق بالانزعاج لأنّ فريق العمل كان يواصل جمع المزيد من قطع الأحجية، ولكنّهم لم يكونوا يبذلوا قدراً مماثلاً من الوقت لرؤية كيف ستجمع تلك القطع. إنّ أفكارهم اللاواعية أو افتراضاتهم المسبقة بخصوص المشاكل هي ما توجّه سلوكهم، مما يجعلهم يعودون إلى الروتين العقيم مرّة تلو الأخرى: اجمع البيانات، اعقد اجتماعات، ضع إستراتيجية، تابع التقدّم. ولكنّ هذه عمليّة صنع قرار في “سلّة مهملات”. فلكي تضمن عدم تجميع قطع الأحجية بشكل اعتباطيّ فإنّ عليك أن تكون قادراً على النظر إلى البيانات بطريقة مختلفة.

إن النظرة التكامليّة تتيح لك فهم الطريقة التي تتناسب بها البيانات مع المشكلة التي لديك، ممّا يساعد في تجاوز الافتراضات المسبقة وغير الواعية التي لديك. قم مع فريق عملك بإنشاء الشكل البياني المعروف باسم “كي جي” (نسبة إلى المؤلّف الذي ابتكره كاواكيتا جيرو) من أجل تصنيف الحقائق وفق علاقات سببيّة. اكتب المعلومات على بطاقات ثم صنّفها وفق علاقات يمكن ملاحظتها- كأن ترتبط بزيادة في أعداد العملاء بعد مبادرة ناجحة، أو تراجع في المبيعات بسبب تأخر في مشروع، أو أي نقاط أخرى قد تشير إلى أمور مترابطة أو علاقات سببيّة. ويمكن من خلال ذلك إنشاء نموذج بصريّ للأنماط التي تشكّلت وأن تحدّد العلاقات الموجودة في البيانات.

الخطوة 3: الاستكشاف
في هذه المرحلة من العملية سيكون لديك بعض الأفكار أو الحلول المبدئية بناء على أشكال “كي جي” البيانيّة التي رسمتها، وقد حان الآن الوقت لتطويرها. ومن أجل تسهيل عملية الاستكشاف التعاوني فيمكن الاعتماد على واحد من أحد الأنشطة المفضّلة لدينا (والذي يستخدم عادة في المعاهد الفنيّة) وهو معروف باسم “لعبة التمرير”. عيّن بعض الأفكار لكل عضوٍ من أعضاء الفريق وامنح كلّ فرد خمس دقائق لتطويرها من خلال الرسم أو الكتابة بشكل صامت. ثمّ اطلب منه تمرير ما أنجزه لزميله كي يتابع بدوره تطوير الفكرة وإتمام ما بدأه زميله الأوّل.

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة مناقشة المنتج التعاونيّ. سيشعر أعضاء الفريق هنا بإحساس التنازل عن “ملكيّة” الفكرة وكيف يكون الأمر حين تعدّل على أعمال الآخرين ويعدّل الآخرون على عملك. كما سيكتشفون تلك الافتراضات الكامنة بخصوص التعاون. إنّ وجهة النظر الجديدة التي ظهرت لديهم ترغمهم على التعامل مع توجّهات لم يختاروها هم بأنفسهم ولا كان بوسعهم التفكير بها بمفردهم. يمكنك بالطبع إضافة تمريرات متسلسلة متعدّدة (كما هو الحال في لعبة الهاتف) لتوضيح التطوّر غير المتوقّع للفكرة حين يتعاون ثلاثة أو أربعة من الزملاء في تطويرها. وبعد أن تتيح للموظفين هذه المساحة من الاستكشاف تناقش معهم حول أكثر السبل جدوى من بين ما توصّلوا إليه.

الخطوة 4: الاختبار
يتطلّب هذا الجانب الأخير أن يقوم أعضاء الفريق باستخدام قدراتهم في التفكير النقدي من أجل النظر في جدوى الحل المقترح وتصحيح أي تجاوز. قم بوضع الاختبارات لمعرفة إن كانت الخطّة التي وضعتها ستنجح. اسأل مثلاً عن الظروف التي قد تؤدي إلى فشل الحلّ الذي وضعته. قم باختيار بعض الاختبارات النقديّة وجرّبها. كثيراً ما يقوم الناس بالمبالغة بجمع البيانات التي تدعم اختياراتهم، ولكنّهم يقصّرون في جمع البيانات التي تثبت العكس. وحين تُجري اختباراً واحداً على الأقل لمواجهة تحيّز الإثبات (confirmation bias) فستكون قادراً على رؤية ما يلزمك رؤيته حتى لو كنت تودّ تجنّب ذلك.

لا يمكن تجنّب اتخاذ القرارات غير الفعّالة من خلال تجاهل البيانات بشكل كامل. فالتفكير الإستراتيجي بخصوص ما تحتاج من بيانات سيساعدك على تحقيق الفائدة من أقلّ قدر من البيانات- فتحسين البيانات كمّاً ونوعاً ودمجها وتوسيعها وفحصها سيتيح لك إلى تحويلها إلى معرفة وحكمة. إنّ تطبيق هذه العمليات الذهنيّة التي ناقشناها في الفقرات السابقة سيساعد على كبح رغبتك في المزيد من البيانات وزيادة قدرتك على الاستفادة بشكل أكبر من تلك التي بحوزتك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz