تابعنا على لينكد إن

كم تقرأ؟

في مرحلة الدراسة الثانوية، كنت أقرأ خمسة كتب في العام على أحسن تقدير، إذ كنت أخصص فترة العطلة لقراءة اثنين أو ثلاثة كتب، فضلاً عن تلك الكتب البسيطة التي كنت أقرأها قبل النوم وتستغرق عدة شهور.

لكن تمكنت العام الماضي من التفوق على نفسي وقراءة 50 كتاباً في نفس العام، وأطمح أن يصل العدد إلى 100 كتاب هذا العام. وفي هذه الفترة من حياتي أشعر بحيوية وإبداع لم أشعر بهما قبل ذلك قط. إذ أصبح لدي أمراً ممتعاً للتحدث عنه على الدوام، كما أحس بأني أصبحت أباً أفضل، عدا عن أني أصبحت أكتب أكثر بكثير مقارنة بالمرحلة السابقة. وعليه، كانت زيادة حجم قراءتي المحرك الذي فاق في أثره العديد من الأمور الأخرى، وأنا نادم لأني تأخرت في ذلك.

فلماذا يا ترى انتظرت 20 عاماً حتى وصلت لهذه المرحلة؟

واقع الأمر هو أنّ عالمنا اليوم مصمم لتعزيز حالة التصفح الضحل على حساب القراءة المتعمقة، ولذا تطلب الأمر مني بعض الوقت حتى أدركت التغييرات الملزمة إجراؤها لأزيد مما أقرأه، وهي تغييرات لا تتعلق أبداً بسرعة القراءة. فأنا قارئ بطيء إلى حد ما.

وإليكم هذه النصائح التي تساعد على زيادة ما تقرؤون في حياتكم، بناء على ما غيرته في أسلوب حياتي:

اجعل القراءة مركزية في بيتك

في العام 1998 أجرى عالم النفس روي باومايستر وزملاؤه تلك التجربة الشهيرة المعروفة بتجربة “كوكيز الشوكولاته والفجل”. وقسم الباحثون المشاركين في الدراسة إلى ثلاث مجموعات، وطلبوا منهم عدم أكل أي شيء لثلاث ساعات قبل التجربة. ثم أعطي أفراد المجموعة الأولى قطع كوكيز بالشوكولاته وحبات من الفجل، وقيل لهم أنه لا يمكنكم أن تأكلوا إلا الفجل. أما المجموعة الثانية فحصلوا أيضاً على الكوكيز والفجل، وقيل لهم أنه يمكنهم تناول ما يرغبون منهما. في حين لم يحصل أفراد المجموعة الثالثة على أي طعام. ثم طلب الباحثون من أفراد المجموعات محاولة حلّ أحجية صعبة جداً، ليروا عزم كل مجموعة للتوصل إلى حل. ولعله لن يكون مفاجئاً إذا عرفنا أنّ المجموعة الأولى، أي تلك المجموعة التي صرفت كل طاقتها في محاولة الإحجام عن تناول الكوكيز الشهية، هي المجموعة التي استسلمت أولاً.

لكن ما علاقة هذا بالقراءة؟ بالنسبة لي كنت أعتبر التلفاز في غرفة المعيشة الرئيسية هو طبق “الكوكيز” المغري. إذ أنّ متابعة التلفاز بما فيه من عروض وبرامج تغيّر طباعنا وبالتالي تستهلك عزيمتنا لتناول الكتب وقراءتها.

وهناك أيضاً قصيدة بعنوان “التلفاز” للشاعر رولد دال، تعبّر عن هذه الفكرة خير تعبير، حين نصح فيها راجياً أن يتم التخلص من التلفاز ووضع رف من الكتب الجميلة مكانه.

في العام الماضي قمت أنا وزوجتي بنقل التلفاز الوحيد الذي نملكه إلى قبو المنزل المظلم، ووضعنا رفاً من الكتب في ناحية الجدار الرئيسي. وهكذا صرنا نرى الكتب باستمرار ونتعامل معها عشرات المرات خلال اليوم. أما التلفاز فلا يتحرك من مكانه إلا إن كانت هنالك مباراة كرة قدم نهائية لفريقي المفضل، أو أعلن موقع نتفليكس عن موسم جديد من مسلسلي المفضل بيت من ورق (House of Cards).

حاول الإعلان عن خطة القراءة أمام الآخرين

يقدم لنا روبرت كيالديني في كتابه الهام “التأثير: علم نفس الإقناع” دراسة نفسية تظهر أنّ الشخص الذي يراهن على فوز حصان في مضمار السباق يكون أكثر ثقة بفرصة فوز حصانه المفضل مقارنة بما يكون عليه الأمر قبل المراهنة على فوزه. ويستخدم الكاتب هذا المثال ليوضح لنا أنّ الالتزام هو واحد من الأسلحة الستة المهمة للتأثير الاجتماعي. لذا لم لا نعتبر أنفسنا حصان السباق؟ يمكنك أن تبدأ الرهان على مقدار قراءتك عبر التسجيل في موقع (Goodreads) أو (Reco)، وترسل طلبات صداقة لبعض معارفك وزملائك، ثم تحدّث صفحتك الشخصية كلما قرأت كتاباً جديداً. كما يمكنك أن تعدّ قائمة بريد إلكتروني لإرسال مراجعات صغيرة عن كل كتاب تنهي قراءته. فأنا ألتزم القيام بذلك كل شهر، وذلك عبر فكرة “نادي كتاب عبر البريد الإلكتروني”، وهي فكرة سرقتها من الكاتب الشهير للمؤلف رايان هوليداي، والذي لديه قائمة متميزة من الكتب التي ينصح بقراءتها.

حدد مجموعة من قوائم القراءة الموثوقة المعدة بإتقان

تصدر دور النشر كل عام أكثر من 50,000 كتاب. فهل لديك الوقت لتبحث عن الكتاب المناسب من بين 1,000 كتاب كل أسبوع؟ لا أحد يسعه ذلك، ولذلك نلجأ إلى بعض المساعدة، مثل قراءة المراجعات التي ينشرها موقع أمازون. لكن هل من الجيد أن نحصل على توصيات القراءة من المتاجر؟ إن كنت مثلي، وتحب متابعة “اختيارات موظفي المكتبة” في متاجر الكتب العريقة والمستقلة، فليس هنالك أجمل من أن تنظر في الكتب التي يفضلها الآخرون. إنّ العثور على قائمة جيدة وموثوقة من الكتب لا يحتاج سوى قائمة بسيطة في البريد الإلكتروني كما أسلفت في النقطة السابقة، ولكن يمكنك عبر البحث أكثر أن تصل إلى قائمة تنسجم تماماً مع ذوقك. ومن القوائم التي أحبذها شخصياً قائمة بيل غيتس، وقائمة رائد الأعمال الشهير ديريك سيفر، بالإضافة إلى قائمة القراءة التي يوصي بها تيم فيريس والتي يجمعها من توصيات الشخصيات التي يستضيفها في برنامجه.

غير الطريقة التي تفكر بها بشأن التوقف عن قراءة كتاب ما

هنالك فرق بين العجز عن إتمام قراءة كتاب ما والشعور بالضيق حيال ذلك، والعجز عن إتمام كتاب والشعور بالفخر بذلك. كل ما تحتاجه للانتقال من الحالة الأولى إلى الثانية هو تغيير الذهنية التي تنظر بها للأمر. فأنت تريد أن تقول: يا للروعة! سأتخلص أخيراً من هذا الكتاب الممل لأنتقل إلى ذلك الكتاب الجديد”. هنالك مقالة كتبها تيم إيربان تساعدك على تفعيل هذه الذهنية، يرسم فيها صورة صادمة عن الكتب العديدة التي توقفت عن قراءتها في حياتك. فحين تستوعب ذلك الرقم الكبير، سيراودك شعور بالرغبة في تجاوز ذلك لتصل إلى واحة الكتب الجميلة التي تنتظرك كي تختار منها كتابك الجديد.

إنني أتراجع عن قراءة ثلاثة أو أربعة كتب قبل أن أستقر على الكتاب المفضل الذي أود إتمامه. فكثيراً ما أخوض “اختبار الصفحات الخمس الأولى” قبل أن أشتري أي كتاب (لأتعرف على أسلوب الكاتب ولغته)، ثم أتراجع عن شرائه إن شعرت بأني لست متحمساً لمتابعة قراءته.

حاول “الصيام” عن الأخبار واستفد من نقودك في القراءة

اشتركت في صحيفة نيويورك تايمز وخمس مجلات أخرى، وكنت أجدد الاشتراكات دوماً وكان يروقني أن أسلتم نسخة طازجة من تلك المجلات بالبريد. لكن حين عدت من إجازة طويلة أتيحت لي فيها فرصة الغوص في الكثير من الكتب، بدأت أدرك أنّ تلك القراءات القصيرة السهلة في المجلات تمنعني من التركيز على القراءة المتعمقة، وقررت أن ألغي جميع اشتراكاتي بها.

لقد أتاح لي ذلك قدراً أكبر من التركيز الذهني، وهذا ليس مستغرباً عند التوقف عن تلقي سيل الأنباء اليومية! كما أنني وفرت على نفسي أكثر من 500 دولار سنوياً كنت أنفقها على تلك الاشتراكات، وهذا مبلغ يوفر لك حوالي 50 كتاباً في العام. فما الذي أطمح ليكون لدي بعد عشر سنوات أو عشرين: مجموعة ثمينة من الكتب التي قرأتها وتعلمت منها طوال سنوات، أم كومة من الصحف والمجلات القديمة؟ كما يجب ألا ننسى المكتبة المحلية، حيث يمكن في بعض الأحيان الاطلاع على قاعدة البيانات الموجودة في المكتبات المحلية، أو ما توفره من كتب إلكترونية، إن كنت ترغب في الحصول على المزيد من الكتب.

ضاعف معدل التجديد بين كتبك

كنت لسنوات عديدة أنظر لرف كتبي كعنصر ثابت وجمالي في البيت، كأنه مزهرية لها مكانها الخاص. أما الآن فأنظر إلى مكتبتي كعنصر ديناميكي يتحرك ويتغير باستمرار. ففي أحد الأسابيع أضيف إليها خمسة كتب، وأتخلص من ثلاثة أو أربعة غيرها. وأحياناً أحصل على كتب من مكتبات الإعارة في المنطقة التي أسكن بها، ومتجر الكتب الجميل هناك، بالإضافة إلى المتاجر الكبيرة ومتاجر الكتب المستعملة، وبالتأكيد متاجر الكتب عبر الإنترنت. فنحن نبدّل الكتب حين نعطي بعضها للأصدقاء أو نبيعها إلى متاجر الكتب المستعملة، أو نضعها في مكتبة الإعارة المجانية. وهذه الديناميكية تعني أنني أتعامل مع الكتب أكثر، ولا أمر من جانبها وحسب، والنتيجة أنني أقرأ أكثر.

اقرأ كتباً ورقية

قد يتساءل بعضكم ويقول لم لا أقرأ كتباً إلكترونية على جهازي المحمول، وأوفر الوقت والجهد لشراء الكتب وبيعها. ولكني أرى أنه في هذه الحقبة التي صارت بها الأفلام والصور وغير ذلك تظهر بصيغة رقمية، ثمة جانب أصيل يتمثل في أن يحتوي البيت على مجموعة من الكتب تنمو وتكبر بكل حيوية. ولو كنت ترغب بفكرة أعمق حول الكتب الورقية، فيمكنك النظر إليها أثناء القراءة على أنها مظهر مادي على التطورات والتغيرات الحاصلة في مجتمعنا. وبما أنّ العديد منا ينظرون إلى الشاشات طوال اليوم، فإنه الإمساك بكتاب بين يديك وقراءته سيكون تغييراً له فائدة كبيرة.

أعد تطبيق قاعدة الـ10,000 خطوة على القراءة

أخبرني صديق عزيز مرة بقصة لا أنساها. قال إنّ الروائي ستيفن كينغ نصح الناس بالقراءة خمس ساعات يومياً، وقال صديقي إنه ظنّ يومها أنّ ذلك محض هراء، فمن يستطيع القراءة لخمس ساعات كل يوم! ثم بعد سنوات عديدة، قال صديقي إنه ذهب في إجازة إلى ولاية ماين الأميركية، وكان ينتظر في دوره خارج صالة للسينما مع صديقته، ومن كان أمامهما يا ترى؟ إنه ستيفن كينغ! لقد كان غارقاً في كتاب وهو يقف منتظراً، حتى إذا دخلوا إلى صالة السينما استمر في القراءة حتى بدأ الفيلم. ثم عندما انتهى الفيلم عاد مجدداً للقراءة أثناء المغادرة. صحيح أني لم أتأكد من القصة بنفسي من ستيفن كينغ، ولكن العبرة المهمة من القصة هو أنّ بإمكانك أن تقرأ الكثير، لأن هنالك دقائق ميتة أثناء اليوم تضيع سدى، وهي دقائق كثيرة جداً لو حسبتها.

الأمر هنا يشبه كثيراً قاعدة الـ10,000 خطوة. فلو ذهبت إلى المتجر الكبير، وركنت سيارتك في موقف السيارات، ثم مشيت إلى المتجر، وتبضعت، ثم رجعت إلى المنزل وأنت تلاحق أولادك وتلعب معهم من زاوية إلى أخرى، ستجد في نهاية اليوم أنك قد مشيت 10,000 خطوة. وكذلك الأمر مع القراءة.

حين أفكر بالوقت الذي قرأت في تلك الكتب الخمسة كل عام في الماضي، أجد أنني قرأتها في الإجازات أو خلال الرحلات الطويلة في الطائرة، لأني كنت أقول: “أوه! سيكون لدي الكثير من وقت الفراغ، علي أن آخذ معي بعض الكتب”.

أما لو سألتني متى أقرأ الآن، سأقول لك: دائماً. فأنا أقرأ بضع صفحات هنا، وبضع صفحات هناك، ومعي كتاب في حقيبتي طوال الوقت. وعادة أقرأ الكتب الفكرية في الصباح، حين يكون ذهني متحفزاً للتعلم، وأقرأ الأدب في الليل وقبل النوم، حين أحتاج لبعض الهدوء والراحة الذهنية. فعبر قراءة بضع صفحات في أوقات متفرقة من اليوم ستجد في نهايته أنك قد قرأت الكثير.

أتمنى لكم قراءة ممتعة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz