على الرغم من مرور 35 عاماً على إبتكار مصطلح “السقف الزجاجي”، إلا أنّ النساء لا تزلن غير ممثلات بشكل كاف في المراكز القيادية العليا. في الواقع، لا يمكن لأحد أن يُنكر أهمية الجهود المبذولة لتوظيف المرأة وتطويرها، كما ضمان الممارسات العادلة في حقها. و لاسيما الحد من التحيز للرجل. ولكن بالرغم من أهمية هذه المساعي إلا أنها غير كافية. فهل من أفكار جديدة لمساعدة تلك الشركات التي تحاول جاهدة لتحقيق التكافؤ بين الجنسين؟

لقد أشار البحث الذي قمت به مع جسيكا سيم إلى أنّ التفكير ملياً في القيم الشخصية الأساسية قد يفيد النساء اللواتي يقبعن في أطر عمل تنافسية.

في الواقع، لقد كانت الدراسات التي قمنا بها بسيطة نسبياً. فقد أخذنا مجموعتين من طلاب الماجستير في إدارة الأعمال الذين يتابعون دراستهم في واحدة من الكليات الدولية المهمة لإدارة الأعمال، ثم حققنا في موضوع التفكير في القيم الشخصية وأثره على علامات هؤلاء الطلاب، (وقد كان مجموعهم 819 طالباً). طلبنا من المجموعة الأولى من المشاركين التفكير في قيمهم الشخصية ثم الكتابة عنها لبضع دقائق، وكان ذلك خلال الأنشطة التوجيهية. وطلبنا من المشاركين الآخرين القيام بنفس التمرين الكتابي ولكن عن قيم مختلفة (بما فيها القيم المؤسسية). لاحقاً، وخلال أنشطة التوجيه ذاتها، قام الطلاب بذكر هذه القيم في عرض تقديمي في الصف مرة و قبل الإمتحانات بأسبوع مرة أخرى. وأخيراً، في نهاية الفصل الدراسي الأول، تم اختبار المعدل التراكمي (Grade Point Average) لكل من الجنسين في كلتا المجموعتين.

في مجموعة المشاركين الذين لم يكتبوا عن قيمهم الشخصية، كان هناك فجوة في المعدل التراكمي (GPA) بين الجنسين لصالح الرجال. فقد أدّت النساء أسوأ من الرجال بقليل، و تراوحت الفجوة في المعدل التراكمي بين ربع ونصف نقطة من أصل أربع نقاط. كما لاحظنا بقاء هذا الفارق حتى عندما قمنا بدراسة نتائج اختبار قبول الدراسات العليا (GMAT) ومستويات عدم المساواة بين الجنسين في البلدان التي يأتي منها الطلاب. إنّ احتمالية أن تكون هذه الفجوة قد نشأت نتيجة لمصادفة هو أقل من 1 في 1,000، ما يدل على أنّ الفجوة بين الجنسين هي فجوة ذات معنى.

أما بالنسبة للطلاب الذين كتبوا عن قيمهم، فلم يكن هناك تباين بين الجنسين. على وجه التحديد، في المرتين عندما خضنا التجربة، ظلّت تضيق الفجوة بين علامات المشاركين من الجنسين إلى أن أصبحت الفجوة المتبقية ليست ذات دلالة إحصائية واضحة.

نعم لقد كانت الدراسات بسيطة كما ذكرت سابقاً، ولكن كان هناك صعوبة في مرحلة لاحقة. حيث أنه لنفهم السبب الذي يجعل الكتابة عن القيم الشخصية قادرة على إغلاق فجوة الأداء بين الرجل والمرأة، يتحتّم علينا أولاً فهم عمليات نفسية معقدة.

بات علماء النفس يعرفون لبعض الوقت الآن أنّ الناس يسعون للحفاظ على مشاعر تحقيق الذات. فهم يريدون أن يشعروا بالاحترام، وبأنّ هناك معنى لحياتهم. و لكن تصعب هذه المساعي عندما يكون الناس ينتمون لجماعات من الممكن تعرضها للحط من قيمها في سياق مهم كالسياق المهني و الأكاديمي.

عندما تنظر المرأة المهنية الطموحة إلى بيئة الأعمال (سواء على نطاق واسع أو ضيق في الشركات الخاصة حيث تعمل هي) ترى أنّ عدداً قليلاً من النساء قد وصلن إلى المستويات العليا، عندها تشعر بالتقليل من قيمة المرأة. وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى شك المرأة بقدرتها الذاتية وبالتالي يتداخل هذا الشك مع أدائها في شكل ظاهرة تُسمى ظاهرة “تهديد الصورة النمطية”. إنّ أول من حدد هذه الظاهرة هما كلود ستيل وإليوت أرونسون. فقد لاحظا وجود هذا النوع من التهديد بين طلاب جامعيين طموحين وقد كانوا أميركيين من أصل أفريقي. عانى هؤلاء الطلاب من عدم الثقة بالنفس، وبالتالي أدّوا دون المستوى في أحد الإمتحانات. وتبين أنّ هذا التهديد يؤثر أيضاً على أداء النساء في الرياضيات و كذلك الأمر يشعر الرجال البيض في لعبة كرة السلة بالشك في قدراتهم الذاتية. كما توصل الإثنان إلى افتراض مفاده أنّ “تهديد الصورة النمطية” يؤثرعلى النساء والأقليات في العمل.

وكجزء من الدراسة الثانية التي قمنا بها، سألنا مجموعة فرعية من المشاركين عن مقدار عدم الثقة بالنفس الذي قد شعروا به قبل الامتحانات النهائية بثلاثة أسابيع (أي بعد خمسة أسابيع من إكمالهم تمرين الكتابة عن القيم الشخصية). فوجدنا أنّ الكتابة عن القيم الشخصية ساعدت في القضاء على فجوة الأداء بين النساء و الرجال من خلال تعديل مشاعر عدم الثقة بالنفس لديهم.

ربما تشعرون بالمفاجأة من طول المدة التي تستمر فيها تأثيرات التفكير في القيم الشخصية. ونحن نعزو هذه المدة الطويلة نسبياً لإدخالنا تمرين الكتابة خلال أنشطة التوجيه. وبالتالي تسهل أمور صعبة على الناس كالإنتقال إلى مؤسسة جديدة أو وظيفة جديدة، ما يمكن أن يكون ذو تأثير حاسم على هوية الأشخاص، و مما يمكن أن يحول مسار خبراتهم بشكل جوهري.

ترتبط قيم الناس الأساسية بمشاعر تحقيق الذات لديهم بطريقة تشبه الانتماء لمجموعة تتعرض للتقليل من قيمتها، كالنساء. وهكذا فإنّ التفكير في القيم و الكتابة عنها قد عزز مرونة المشاركات كي يُواجهن التهديد المحتمل لقيمتهم الذاتية والذي نتج عن كونهن نساء.

هذه الدراسات مثيرة في حد ذاتها كما أنها تُمثل خطوة أولى نحو مساعدة النساء والمجموعات التي تتعرض للتقليل من قيمتها في أماكن العمل. ونحن متفائلون بأن تدخلات تنظيمية مماثلة يمكن أن تساعد مجموعات إضافية مثل الأقليات العرقية، الذين يمكن أن يواجهوا “تهديد الصورة النمطية” في السياقات المهنية. أما حالياً فنركز على صقل طريقة تطبيق ما تعلمناه من التجارب التي قمنا بها مع طلاب الماجستير في أوضاع تنظيمية أخرى.

واحدة من مساهمات البحث الحالي هو أنه يتضمن نساء من مختلف الدول (معظمهنّ من أوروبا وآسيا) وهنّ يحملن عدة سنوات من الخبرة في العمل، كما أنّ البحث يقوم على نظريات متقدمة لشرح خبرة الأميركيين. وفي النهاية أودّ أن أُشير إلى أنّ هكذا تدخل يمكن أن يحمي النساء من الآثار الضارة المحتملة من “تهديد الصورة النمطية”على الصعيد العالمي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!