هنالك قدر كبير من الشك حول ما إذا كان التدريب على مواجهة التحيز اللاواعي أداة فعالة حقاً في تحقيق أهداف التنوع على مستوى الشركة. فقد تجد من ينتقد هذه البرامج ويقول إنها لا تؤثر بشكل ملموس على الأرقام المتعلقة بمستوى التنوع في الشركة، بل ويمكن أن يعود بنتائج عكسية. وتدعم بعض الدراسات الأكاديمية هذا الرأي أيضاً.

ففي دراسة طولية تبين أن أنشطة التدريب التقليدية لتعزيز التنوع تمثل الجهود الأدنى فعالية في زيادة أعداد الأقليات التي لا تحظى بتمثيل كافٍ في الشركات. كما أظهرت بعض الأبحاث التجريبية أن البراهين التي تؤكد على أن الناس كثيراً ما يعتمدون على الصور النمطية، وهي معلومات كثيراً ما تتوفر في عمليات التدريب الخاصة بالتنوع، ليست فعالة، بل وربما تسوّغ استدعاء الصور النمطية واستخدامها. في المقابل وجد تحليل تلوي بأن عمليات التدريب الخاصة بالتنوع قد تكون فعالة في واقع الأمر، ولكن ذلك يعتمد على العديد من العوامل، كطبيعة المحتوى وفترة التدريب والجمهور والجهود الأخرى لتعزيز التنوع.

لا شكّ في أن برامج التدريب تتفاوت في جودتها، وليس هنالك برنامج واحد يكون العلاج الناجع المضمون لمسألة ما. فالتدريب لا يكون فعالاً إلا حين يتم تصميمه بشكل مقصود لتحقيق نتائج ملموسة، وغالباً ما تكون محددة. وكل شخص يعتقد أن التدريب وسيلة سريعة من شأنها أن تؤدي إلى زيادة التنوع الديمغرافي في الشركة سيصاب بخيبة أمل. من جهة أخرى، فإن الشركات التي تريد تحفيز الموظفين على تبني ممارسات جديدة تعزز وتسرع من الجهود على مستوى هيكلية الشركة قد يجدون في التدريب الذي تم تصميمه بعناية ودقة أداة فعالة إلى حد كبير.

جزء من عملنا في شركة “بارادايم” يتضمن إجراء عمليات تدريب على التحيز اللاواعي، ولذلك فإننا قد نكون متحيزين قليلاً لهذه البرامج. لقد راودنا الشك في البداية بخصوص هذه البرامج واعتذرنا عن تقديمها، ثم أدركنا أن عدم المقدرة على الاستفادة من الموظفين كعناصر مشاركة في عمليات نزع التحيز على مستوى الشركة قد يكون مسؤولاً عن الحد من جدوى تلك الجهود. فعلى سبيل المثال، لو تم تطبيق عملية جديدة لإجراء المقابلات، دون إطلاع الموظفين على إيجابياتها، فإن هذا سيحد من رغبتهم في الاعتماد عليها. وقد تبين لنا أن عمليات التدريب وسيلة فعالة لتعليم الموظفين ودفعهم على تغيير السلوك: فالاستبيانات التي قمنا بإجرائها بعد برامج التدريب تشير إلى أن 96% من المشاركين فيها يغادرون وهم عازمون على تبني بعض الممارسات التي تحد من التحيز. (ويتوافق هذا مع نتائج استبيان من شركة جوجل، حيث تبين أن المشاركين في التدريب الداخلي يغادرون البرنامج وهم يمتلكون فهماً أفضل للتحيز اللاواعي، وحافزاً أكبر للحد من التحيز، مقارنة بالزملاء الذين لم يشاركوا في التدريب). ولكن هل يطبق الموظفون حقاً ما عزموا على فعله؟

حين قامت شركة تقنية عالمية باستدعائنا لتدريب كافة موظفيها خلال العام 2016 فإننا قد رأينا في ذلك فرصة أيضاً لإجراء تقييم متكامل لأثر عمليات التدريب وذلك عبر استبيان واقع سلوكيات الموظفين قبل التدريب، وبعد التدريب مباشرة، ثم بعد 8 أشهر من انتهاء التدريب. وقد تبين لنا أن الموظفين بعد انقضاء أشهر على مشاركتهم في ورش العمل قد أشاروا إلى أنهم يعتمدون على عدد أكبر من الإستراتيجيات للحد من التحيز والتي تم التطرق إليها في التدريب مقارنة بما كانت عليه الحال قبل مشاركتهم في التدريب.

فما الذي جعل هذه النتائج طويلة المدى أمراً ممكناً؟ لقد تحقق ذلك بفضل وضع توقعات محددة وواقعية لما يمكن لبرامجنا التدريبية تحقيقه، مع الأخذ بالاعتبار للعوامل التي تحد من فعالية تدريبنا، وقمنا بتطوير ثلاثة مبادئ مدعومة بالأدلة لتوجيه عملية تصميم أي برنامج تدريبي لمواجهة التحيز اللاواعي.

1. احرص على إقامة توازن دقيق بين الحد من حالة الإنكار بشأن التحيز اللاواعي، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية إدارة التحيز. أحد المخاوف المرتبطة بتعليم الناس بخصوص التحيز اللاواعي، أو الحديث عن الجهود الرامية للتنويع في الشركة بشكل عام، هو أن معظم الأشخاص قد يتخذون موقفاً دفاعياً أو إنكارياً وكأنهم في موضع اتهام.

لذا فمن الممكن وضع برنامج التدريب لتجاوز هذه الحالة الإنكارية عبر التوضيح للمشاركين بأن سبب التحيز اللاواعي لدينا ليس أننا أشخاص سيئون، ولكنها لدينا بحكم طبيعتنا البشرية. (ملاحظة: في هذا الحوار مع الموظفين لا يفضل الإشارة إلى أنماط صريحة من التحيز، كالتعليقات العنصرية، أو كراهية الآخرين، أو التحرش الجنسي). ويمكن توضيح ذلك في التدريب عبر التأكيد على أن التحيز اللاواعي يتسلل خلسة إلى كافة جوانب حياتنا وقراراتنا، وليس فقط بصورة تنعكس سلباً على جهود التنوع والاندماج. وعلى الرغم من أهمية الحد من حالة الإنكار هذه، فإن بعض برامج التدريب تبالغ في ذلك إلى حد أنها تعطي انطباعاً بأننا “جميعنا نفعل هذا الأمر، فلا بأس”. فحين يتم التعاطي مع التحيز اللاواعي بأنه أمر طبيعي فإن ذلك قد يزيد من احتمالية تأثر الموظفين بالصور النمطية في تصرفاتهم وقراراتهم. فالمطلوب هو أن يوضح التدريب أهمية إدارة التحيز وتوفير الإستراتيجيات التي تساعد على ذلك.

2. اربط محتوى التدريب بحالات من بيئة العمل. العديد من برامج التدريب الخاصة بالتحيز اللاواعي تعتمد على أبحاث في ميدان العلوم الاجتماعية، تجعل محتوى التدريب يتمحور حول ظواهر نفسية (كالتحيز التأكيدي) أو عوامل ديمغرافية (مثل التحيز ضد الأمهات العاملات). ولكن كي يكون التدريب أكثر ارتباطاً بواقع الموظفين وذا أثر أطول مدى عليهم فإننا قد وجدنا أنه من الأفضل وضع المحتوى بحيث يرتبط بمواقف محددة في بيئة عمل الموظفين أنفسهم. تشير الأبحاث إلى أنه حين يتم عرض المعلومات بطريقة ترتبط بالنماذج الحالية التي لدينا، فإننا نكون أكثر قدرة على تذكرها. وبالنسبة لبرامج التدريب التي نقدمها فإنها تكون متمحورة حول ثلاثة مواقف محددة يواجهها المشاركون في التدريب في بيئة عملهم اليومية وهي: البحث عن المرشحين للوظائف والتعيين، ديناميكيات الفريق، والتطور المهني.

وفي الاستبيان الذي أجريناه في برنامج التدريب الذي عقدناه في شركة التقنية العالمية التي سبق ذكرها سألنا المشاركين لاختيار سلوك معين يودون الالتزام به لإدارة التحيز. وبعد عدة أشهر وجدنا أن 41% من المشاركين في الاستبيان قد تذكروا ذلك السلوك الذي التزموا به، و91% من هؤلاء قد حققوا تقدماً في تطبيق ذلك السلوك الجديد.

3. اجعل التدريب ذا بعد عملي. بما أن زيادة الوعي بشأن التحيز قد تكون لها آثار عكسية حين لا يتبع ذلك إستراتيجيات لإدارته، فإن من الضروري أن يحرص برنامج التدريب الخاص بالتحيز اللاواعي على تزويد المشاركين بإستراتيجيات تطبيقية مناسبة. فنحن على سبيل المثال نتحدث بخصوص إستراتيجيات لزيادة الشعور بالانتماء، وأهمية تحديد المؤهلات المطلوبة قبل اتخاذ قرارات تتعلق بالأفراد. ويبدو أن مشاركة هذه الإستراتيجيات مع المشاركين يعود عليهم بآثار ذات نطاق واسع. كان أحد الأسئلة التي وجهناها للموظفين في جلسة تقييم التدريب هو ما إذا كانوا عند مقابلة عدة مرشحين للوظيفة عينها يطرحون الأسئلة نفسها على جميع المرشحين. ومعروف عن هذه الطريقة في المقابلات الممنهجة أنها تساعد في اتخاذ القرار بشأن التوظيف بطريقة أكثر موضوعية وأقل تحيزاً.

وبعد مضي ثمانية أشهر تقريباً على التدريب راجعنا الموظفين وتبين لنا أن اعتمادهم على هذه الطريقة قد ازداد بنسبة 25%. وأشار موظفون آخرون إلى أنهم “توقفوا عن تقديم السير الذاتية قبل مقابلة الموظفين المرشحين لوظائف تقنية، وذلك للحد من التحيز بشأن التوقعات الخاصة بإمكانات المرشح المحتملة”. وقال آخر: “في كل مرّة يتعرض فيها شخص للمقاطعة، فإنني أتدخل لأضمن أن يقدم الشخص الذي جرت مقاطعته ما لديه من معلومات بعد أن ينهي الشخص الذي قاطعه كلامه”.

إننا عازمون على المضي قدماً في تحسين جهودنا التي تهدف للتقييم الصارم لبرنامج التدريب. ففي البحث الذي أشرنا إليه هنا كنا قد اعتمدنا على أنماط السلوك التي يذكرها المشاركون، بدل الاعتماد على مقاييس أكثر موضوعية. ولأننا لم نكن قادرين على المقارنة بين المشاركين في البرنامج وغير المشاركين فيه، فإننا لا نستطيع أن نسقط بشكل قاطع احتمالية أن تكون النتائج الطولية قد تأثرت بعوامل أخرى.

إن الفكرة الأساسية التي يجدر علينا تذكرها الآن على الأقل هي أن التدريب الخاص بالتحيز اللاواعي قد يكون عنصراً بالغ الأهمية كأحد الجهود الرامية لتعزيز التنوع والاندماج في الشركة، بشرط أن توضع هذه البرامج بشكل مدروس وأن تؤخذ الأبحاث المتعلقة بها بعين الاعتبار مع إدراك جيد لحدودها. وسيكون بوسع الشركات عبر استخدام الإستراتيجيات التي أشرنا إليها فيما سبق أن تصمم برامج تدريب تضمن مشاركة الموظفين الفاعلة، وتحفزهم لتبني السلوكيات التي تحد من التحيز. كما أن ذلك سيعزز من جهود الموظفين الداعمين لزيادة التنوع في الشركات التي يعملون بها. إلا أن تحقيق هذه النتائج يحتاج عادة تكاتف الجهود في المؤسسة بأكملها. وفي نهاية المطاف فإن الأمر يتعلق بالالتزام بالتقييم المستمر والعمليات المبتكرة على مستوى المؤسسة، ولاسيما حين يتعلق الأمر بالأنظمة التي تتيح هامشاً للتحيز، من أجل ضمان الأثر الأكثر استدامة فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنوع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!