فن اتخاذ القرارات المستحيلة: دليل القادة في الأوقات الصعبة

7 دقيقة
إدارة المخاطر
الرسم التوضيحي: ناثان سانت جون

في الوقت الحاضر، يواجه القادة العديد من القرارات المعقدة والمصيرية وذات المخاطر العالية التي لا يمكن التعامل معها باستخدام أطر إدارة المخاطر التقليدية وحدها. عندما يشعر القادة بالعجز بسبب الغموض، فإنهم يحتاجون إلى إطار عمل يوازن بين العوامل التشغيلية والقانونية والسمعة …

لا يقتصر دور القادة في الوقت الحاضر على التعامل مع التحديات في ظل الظروف المضطربة، فهم يتعرضون لضغط متواصل ويواجهون مجموعة من القرارات التي تبدو مستحيلة التنفيذ. هل يجب أن نبدأ بعملية إعادة هيكلة الآن أم نتريث قليلاً؟ كيف يمكننا تبني سياسات التنوع والمساواة والشمول دون إثارة النزاعات أو التخلي عن القيم المؤسسية؟ ما هي الطريقة المثلى لتطوير استراتيجيات إدارة المواهب والكفاءات لتتناسب مع التغيرات المتسارعة بدلاً من الاكتفاء بحلول جزئية تعتمد على استبدال الموظفين واحداً تلو الآخر عند الحاجة؟ كيف يمكننا التعامل مع عمليات التسريح الضرورية دون إضعاف الثقة؟ وكيف يمكننا تصميم بيئات عمل تحافظ على الجانب الإنساني للعاملين فيها؟

هذه ليست مجرد قرارات استراتيجية، بل هي رهانات كبيرة وذات مخاطر عالية تنطوي على مخاطر تشغيلية وقانونية ومرتبطة بالسمعة والثقافة المؤسسية. يشير المستشار الإداري، دوغلاس هابرد، إلى أن الإدارة التقليدية للمخاطر تفشل غالباً لأنها تعتمد على تقييمات غير موضوعية، وتتجاهل قياس المخاطر بدقة. يمكن أن تؤدي المخاطر التي تبدو غير محتملة ويمكن تجاهلها نظرياً، مثل دعوى قضائية غير مسبوقة، إلى ردود فعل كبيرة داخل المؤسسة بمجرد أن يتخيل القادة تداعياتها المحتملة. في كثير من الأحيان، يؤدي الخوف من التعرض للمخاطر القانونية أو تشويه السمعة إلى تغييرات استباقية تشمل إعادة الهيكلة أو مراجعة السياسات أو تعديل الثقافة المؤسسية لتفادي الأزمات المستقبلية. على الرغم من أن الهدف من هذه التغييرات هو تقليل المخاطر، فمن الممكن أن تؤدي إلى إضعاف ثقة الموظفين بطريقة غير مقصودة، وهي آثار سلبية تصيب الثقافة المؤسسية ولا تستطيع مصفوفة إدارة المخاطر التقليدية رصدها أو قياسها بدقة عادة.

عندما يشعر القادة بالعجز بسبب الغموض، فإنهم يحتاجون إلى أدوات تتجاوز إدارة المخاطر التقليدية للتعامل مع هذه المسائل بفعالية. يتطلب الأمر إطار عمل يتفهم ترابط التحديات المعاصرة التي تواجه القادة ويساعد على صناعة قرارات حاسمة قائمة على المبادئ، حتى عندما تبدو الخيارات جميعها مستحيلة.

بعد ملاحظة صعوبة تعامل القادة والمؤسسات مع هذه التحديات المعقدة، توصلت إلى 4 مبادئ توجيهية يمكن للقادة تطبيقها عند صناعة قرارات حاسمة وذات مخاطر عالية.

1. تحديد التنازلات المحتملة:

في كثير من الأحيان، يقيم كل قسم المخاطر بمفرده دون النظر إلى السياق العام، فينظر إلى الاحتياجات التشغيلية بمعزل عن المخاطر القانونية، التي تناقش بدورها بمعزل عن المخاوف المتعلقة بالسمعة. يتجاهل هذا النهج الروابط الأساسية بين الأنظمة المختلفة في المؤسسة. يشير الباحثان روبرت كابلان وأنيت مايكس في مقال نشر في هارفارد بزنس ريفيو إلى أن إدارة المخاطر الاستراتيجية بطريقة فعالة تعتمد على فهم كيفية التفاعلات بين المخاطر واستراتيجية المؤسسة، ورؤية السياق الكامل بدلاً من التركيز فقط على التهديدات والمخاطر المنفصلة.

إن تحديد التنازلات يساعد القادة على كشف التفاعلات الداخلية غير المرئية وتأثيرها في القرارات، ويشمل ذلك المسائل الحساسة التي يتجنبها البعض غالباً، ما يمكنهم من التركيز على معالجة الأمور الأهم.

اطرح الأسئلة التالية:

  • ما هي القيم التي تتعارض مع المتطلبات القانونية؟ إذا لاحظت تعارضاً، فتمهل قليلاً وفكر، هل يمكنك الامتثال للقانون مع الحفاظ على قيمك؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فعليك توضيح سبب اتخاذ قرار تقديم التنازلات.
  • كيف تؤثر الكفاءة التشغيلية في المخاطر المتعلقة بالسمعة؟ في حال وجود تضارب، قارن بين المكاسب القصيرة الأجل والثقة على المدى الطويل وصحة العلامة التجارية. احرص على إشراك الفرق المعنية بالتواصل والموارد البشرية والثقافة والمخاطر منذ البداية لتنسيق الرسائل وتخفيف المخاطر.
  • في حال إعلان القرار الفلاني، ما هي المخاوف أو الاعتراضات التي قد يثيرها الفريق؟ عند ظهور أي مخاوف، حاول تعديل طريقتك في التعبير ولغتك في التواصل، وتوضيح هدفك، بالإضافة إلى إعداد القادة للإجابة عن الأسئلة الصعبة بشفافية وتعاطف.
  • ما هي التنازلات التي يمكننا قبولها؟ ولماذا؟ إذا كنت غير متأكد من القرار؛ فخذ وقتك لتوضيح أولوياتك، وسجل أسباب القرار، وضع خطة مناسبة لشرحها للمعنيين.
  • هل توجد مخاطر تشغيلية أو مخاطر تتعلق بالسمعة لم نلاحظها؟ في حال اكتشاف المخاطر؛ حاول تقييم مسار تطورها، وفكر في الإجراءات الوقائية أو عمليات التواصل الإضافية التي يمكن أن تقلل الآثار السلبية المحتملة.

هذه الأسئلة تساعد القادة على تجاوز القرارات السطحية والتعامل مع الأولويات المتزاحمة بطريقة واعية ومدروسة. لا يتمثل الهدف في اكتشاف المخاطر فحسب، بل في وضع خطة استباقية للتعامل معها.

على سبيل المثال، عملت إحدى المؤسسات التي قدمت لها المشورة على إعادة هيكلة وظائف الموارد البشرية والتنوع والمساواة والشمول استجابة للمخاوف المالية والقانونية التي أثارتها الأوامر التنفيذية للرئيس ترامب. وبدلاً من اتخاذ رد فعل سريع، تعاون الفريق التنفيذي مع فرق الاتصال وإدارة الأزمات وتقييم الموظفين والمستشارين لتحديد التنازلات عبر الأقسام المختلفة، مثل معنويات الموظفين مقابل سرعة التنفيذ، والحماية القانونية القصيرة المدى مقابل الاحتفاظ بالموظفين على المدى الطويل، والانطباع الخارجي مقابل الثقة الداخلية.

وكشف التحليل أنه على الرغم من أن عملية إعادة الهيكلة السريعة قد توفر حماية قانونية، فإنها قد تضعف المعنويات والثقة والقيمة على المدى الطويل، فاختارت الإدارة تنفيذ تغييرات تدريجية تعالج المخاطر القانونية والمالية مع الحفاظ على الشفافية والتواصل ودعم الموظفين؛ لحماية الثقافة المؤسسية وقيمة أصحاب المصلحة.

2. اختبار الخطة تحت الضغط:

لا يضمن الوضوح الاستراتيجي وحده النجاح؛ إذ تؤدي ردود فعل الأفراد ومشاعرهم وتفسيراتهم دوراً مهماً في تقبل القرار.

قبل الإعلان عن قرار كبير أو تغيير جوهري، اطرح الأسئلة التالية:

  • كيف يمكن أن يفسر الموظفون أو العملاء أو الشركاء هذا القرار؟
  • هل يتعارض هذا القرار مع قيمنا أو التزاماتنا السابقة؟
  • من هم الأشخاص الذين سيتأثرون مباشرة بالقرار وهل شاركوا في مناقشته؟
  • ما هي المخاوف التي قد يثيرها هذا القرار؟ وكيف يمكننا التعامل معها بصدق واهتمام؟
  • هل يمكننا تحقيق الهدف نفسه بطريقة أقل ضرراً ودون إحداث اضطرابات كبيرة؟

لا تختبر الخطة بمفردك، بل استعن بأشخاص تثق بهم، لا سيما الذين سيتأثرون بها مباشرة. يمكن أن يسهم أقرانك من الأقسام الأخرى أو مدراء الخطوط الأمامية أو قادة مجموعات التقارب المهني في كشف النقاط المبهمة والجوانب التي قد تغفل عنها قبل أن تؤدي إلى فقدان الثقة.

اتبعت إحدى المؤسسات التي قدمت لها المشورة هذا النهج، فقبل الإعلان عن عملية إعادة هيكلة كبيرة، دعت مدراء الخطوط الأمامية لمراجعة الرسائل الموجهة للداخل والخارج قبل إعلانها رسمياً. وقد لاحظ المدراء استخدام عبارات قد تثير المخاوف المرتبطة بتجربة تسريح سابقة عاشها الموظفون. غيرت القيادة أسلوب الخطاب وتوقيت الإعلان عن إعادة الهيكلة؛ فتجنبت الأضرار المحتملة، وعززت ثقة الأشخاص الذين سينقلون الرسائل ويقودون فرقهم خلال عملية التغيير.

لن يؤدي اختبار ردود الفعل العاطفية والآثار المتتابعة وتضارب القيم إلى إزالة التوتر كلياً. تشير الخبيرة الاستراتيجية والمتحدثة، أندريا بيلك أولسون، إلى أن الأبحاث تظهر أن التواصل الذي يبدو متسرعاً أو مفروضاً من القمة إلى القاعدة يؤدي غالباً إلى حالة من التشكيك وفقدان الثقة والمشاعر السلبية. يساعد الإفصاح عن الخطط منذ البداية، ومنح المدراء فرصة للتعبير عن آرائهم على تعزيز الثقة وتقليل الأضرار الناتجة عن القرارات المفاجئة.

3. استخدام المبادئ لتوجيه القرارات، وليس فقط السياسات:

تؤدي السياسات دوراً مهماً لأنها تحدد ما يجب فعله، لكنها تفشل غالباً في التعامل مع المواقف المعقدة أو العاجلة أو المشحونة عاطفياً.

هنا يأتي دور المبادئ التشغيلية والسلوكية، فهي تجسد قيمك في سلوكيات وقرارات يومية، وتوضح كيفية تطبيق القيم عملياً، وتوفر نقاطاً إرشادية يعتمد عليها الفريق عندما تعجز السياسات عن تقديم الحلول.

على سبيل المثال:

  • قد تنص السياسة على الإعلان عن عمليات تسريح الموظفين بعد إتمام المراجعة القانونية.

أما المبدأ فيشير إلى ضرورة احترام الموظفين وحفظ كرامتهم والتعاطف معهم، حتى في المحادثات الصعبة.

  • قد تنص السياسة على الرد على شكاوى العملاء جميعها في غضون 48 ساعة.

أما المبدأ فيشير إلى إعطاء الأولوية لفهم مشكلات العملاء ومعالجتها بسرعة بما ينسجم مع القيم والمعايير المؤسسية.

  • قد تنص السياسة على ضرورة مشاركة تحديثات المشروع في تقارير الحالة الأسبوعية.

أما المبدأ فيشير إلى ضرورة إبقاء فرق العمل على اطلاع مستمر، لا سيما فيما يتعلق بالتغييرات التي تؤثر في عملهم.

على الرغم من أن السياسات تضمن الامتثال والاتساق، فالمبادئ تساعد القادة على نقل القرارات الصعبة بصدق ووضوح واهتمام.

يعتمد تحويل المبادئ إلى ممارسات عملية على 3 عناصر أساسية:

  • النتائج: ما هو الهدف الأكبر الذي تسعى الإدارة إلى تحقيقه من اتخاذ هذا القرار بعيداً عن أثره المباشر والفوري؟ على سبيل المثال، قد يؤدي تسريح الموظفين إلى توفير التكاليف لكنه يؤدي إلى إضعاف المعنويات ويؤثر سلباً في سمعة الشركة. ما هي الرؤية الطويلة الأمد للحفاظ على قوة المؤسسة ومصلحة موظفيها؟
  • الوضوح: من هم الأشخاص الذين يشاركون في صناعة القرار؟ وما هي آلية توضيحه؟ كيف ستضمن فهم الجميع للهدف من القرار وأثره فيهم؟ قد لا تستطيع الشفافية معالجة المخاوف جميعها، لكنها قد تخفف القلق والغموض وسوء الفهم.
  • الرعاية: كيف ستتعامل مع الموظفين خلال عملية التغيير؟ كيف ستتصرف عند تدهور الثقافة المؤسسية؟ يسهم التعاطف والاحترام في الحفاظ على الثقافة والثقة، حتى خلال الأزمات والظروف القاسية.

لهذا السبب اختار القادة في المثال السابق التوقف والتفكير قبل عملية إعادة هيكلة قسم الموارد البشرية وقسم التنوع والمساواة والشمول. وبدلاً من الاعتماد فقط على السياسات القانونية والمالية، استندوا إلى المبادئ. كما عملوا على تحديد التنازلات، ووسعوا دائرة النقاش، واستمعوا إلى وجهات نظر مختلفة من الأشخاص الذين سيتأثرون مباشرة بقراراتهم، وركزوا على تعزيز التواصل الواضح والمتعاطف. لم تقتصر النتيجة على الجانب التشغيلي، بل كانت متوافقة مع القيم التي عبرت عنها القيادة. شعر بعض الموظفين بخيبة أمل، لكنهم رأوا أن القرارات كانت مدروسة وليست عشوائية أو متهورة.

4. الإعلان عن التغيير وشرحه بوضوح:

عندما لا يوضح القادة ما يحدث وأسبابه، يلجأ الموظفون إلى افتراضات قد تكون غير دقيقة. بهذه الطريقة تنتشر الإشاعات والمعلومات المزيفة، ما يؤدي إلى إضعاف الثقة بسرعة.

يتطلب أخذ زمام المبادرة وتوضيح الحقائق التعبير الصريح والمباشر عما يحدث:

  • هذه هي التغييرات التي تحدث حالياً.
  • وهذه أسبابها.
  • وهذه هي المعلومات المتاحة حالياً، وهذه الجوانب لا تزال قيد الدراسة.
  • هذه هي خطتنا للمضي قدماً، وهذا ما نطلبه منكم.

لا يتوقع الموظفون أن يمتلك القادة الإجابات عن الأسئلة كلها، لكنهم يحتاجون إلى الصراحة والوضوح والطمأنينة والدعم ليشعروا بأنهم لا يواجهون التغيير بمفردهم. إليك بعض الطرق لتطبيق ذلك:

  • استخدم لغة دقيقة ومحددة: بدلاً من استخدام عبارة مثل "نحن نجري بعض التغييرات"، قل: "نعمل على دمج فريقين لتسهيل حصول العملاء على الدعم".
  • اعترف بحالة الغموض: قل: "نمر حالياً بمرحلة انتقالية معقدة وغير واضحة، لذلك لا أمتلك إجابات كاملة حتى الآن، لكننا سنوافيكم بالمستجدات فور حدوثها".
  • اطلب الملاحظات: اطرح السؤال التالي: "ما هي الأسئلة أو المخاوف التي تشغل بالكم في هذه المرحلة؟" أو "هل توجد أي معلومات أو أخبار سمعتموها وترغبون في توضيحها؟".
  • عزز التفاؤل: قل: "نواجه تحدياً حقيقياً بالفعل، لكنه يتيح لنا فرصة لبناء واقع أفضل. وأنا واثق من قدرتنا على تحقيق ذلك معاً".

تشكل المقاومة جزءاً من عملية التغيير، ويتطلب التعامل معها الإصغاء بهدوء والانتباه لردود فعلك ومشاعرك الداخلية. اعترف بتأثير التغيير على الموظفين باعتبارهم بشراً، ووضح الحقائق واستجب باهتمام واحترام وثبات.

تمثل الشفافية عنصراً ضرورياً، لكن التعاطف هو ما يجعلها فعالة. لا يقتصر الهدف على نقل الحقائق والمعلومات، بل يشمل مساعدة الموظفين على الشعور بالاطمئنان والدعم والتقدير حتى في الأوقات العصيبة والغامضة.

من غير المرجح أن يصبح العالم أقل تعقيداً أو غموضاً في المستقبل القريب. من خلال تبني هذه المبادئ التوجيهية، يمكن للقادة التغلب على الغموض، وتحقيق التوازن بين الضغوط المتزاحمة، واتخاذ قرارات نزيهة ودقيقة حتى عندما تبدو الخيارات جميعها غامضة أو محفوفة بالمخاطر. من خلال ربط التغيير بقيم قوية وثابتة وإظهار الالتزام الحقيقي بالموظفين؛ يمكنك إنشاء بيئة عمل مرنة وإنسانية وقادرة على التكيف تتيح للأفراد والشركات النمو والازدهار.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي