تابعنا على لينكد إن

إن إلقاء مقالة على مسامع جمهور معيّن يمكن أن يصيبه بالملل إلى حد اليأس.

فقد حضرت مؤخراً مؤتمراً كان أحد المشاركين اللامعين فيه يتحدّث عن موضوع يعتبر هو واحداً من أهم الخبراء في العالم فيه. ولكن لسوء الحظ، ما ألقاه على مسامعنا لم يكن خطاباً بقدر ما كان مقالة. ويبدو أن هذا الأكاديمي المرموق كان قد أتقن تماماً فن الكتابة لكنه افترض خاطئاً بأن الأسلوب ذاته يمكن أن يُستعمل من على منبر وفي سياق خطاب موجّه إلى الجمهور على مدار ساعة كاملة.

لقد قدّم إلى جمهوره كلاماً ذا مضمون استثنائي بيد أن إمكانية متابعة كلامه كانت ضرباً من المستحيل – فقد كان يتحدّث برتابة، وبطريقة مملّة، قارئاً النص من ورقة وهو واقف خلف منبر طويل حجبه عن جمهوره.

تحتاج الخطابات إلى أن تكون مبسّطة، فالدراسات تشير إلى أن الشخص البالغ العادي بوسعه أن يقرأ 300 كلمة وسطياً في الدقيقة، لكن الناس ليس بوسعهم متابعة أي خطاب بإمعان إلا إذا تمت قراءته بوتيرة 150-160 كلمة في الدقيقة. وبصورة مشابهة، فقد أظهرت الدراسات بأن الذاكرة السمعية تتمتّع بمقام أدنى مقارنة بالذاكرة البصرية، ورغم أن معظمنا قادر على القراءة لساعات، إلا أن قدرتنا على التركيز على أي خطاب تخضع لقيود أكبر. وبالتالي فإن من المهم أن يكتب المرء خطابات موجزة ومقتضبة وواضحة.

ومن المهم أيضاً تضمين نقاط علّام في الخطاب مع إجراء مراجعة كاملة له. ففي مقال مكتوب، يمكن للقرّاء الرجوع لقراءة الفقرات السابقة الغامضة أو غير الواضحة أو ربما إعادة قراءة النقاط التي فاتتهم من قبل. أمّا في الخطاب المقروء، فما أن يضيع المستمع في نقطةٍ ما، فإنك ستفقده نهائياً. وبالتالي يجب عليك أن تطرح في مقدّمتك المقولة الأساسية التي ترغب بإيصالها ومن ثم تحاول تبيان المحاور الأساسية للخطاب سلفاً (كأن تقول مثلاً: سوف ننظر إلى هذا الأمر بثلاث طرق: هي “أ” و”ب” و”ج”)، ومن ثم تنطلق في خطابك بحيث تبتدئ كل فكرة جديدة بنقطة علام تسمح لمستمعيك بأن يعرفوا إلى أين وصلت في حديثك، كأن تستعمل كلمات من قبيل “بادئ ذي بدء”، و”ثانياً” و”أخيراً” على أن تختتم كل فكرة بإشارة مشابهة الغاية منها تسهيل المراجعة (“إذاً كما ترون، فإن العنصر الأول في النجاح هو “كذا”). فهذا الغياب في التوضيحات الدقيقة يمكن أن يُعتبر بمثابة تكرار وعدم أناقة في وثيقة مكتوبة، لكنه أساسي بالنسبة للكلمة المحكية.

وبصورة مشابهة، فإن هذه التوضيحات الدقيقة في الأطروحات المعقدة والتحاليل الإحصائية يمكن أن تكون ملفتة وجاذبة في مقال مكتوب، ولكن في الخطاب المقروء من الأهمية بمكان التخلّي عن الإحصائيات وإخبار المستمعين قصّة عوضاً عن ذلك. فقد بيّن علماء الأعصاب بأن الدماغ البشري خلق ليستوعب القصص المروية والسرديات. صحيح أنني دائماً أقدّر النقاشات المستندة إلى الحقائق والمنطق السليم، إلا أن من الأسهل بالنسبة لي أن أتفاعل مع متحدّث عندما لا يذكر الإحصائيات إلا لماماً وبالحد الأدنى ويختار عوضاً عنها القصص الأطول والأكثر حيوية. لذلك فإن الأفضل هو إما أن تبتدئ أو أن تختتم فكرة معيّنة برقم إحصائي. لكن إياك والوقوع في فخ تكرار سلسلة من الأرقام أو الاقتباسات المنقولة عن الأشخاص. لأن جمهورك أقدر على متابعة القصص وتذكرها واستيعابها.

ولإضفاء الطابع الحيوي على هذه القصص، تذكّر بأنك عندما تلقي خطاباً فإنك أنت من سيحل مكان علامات الترقيم التي لا يراها الجمهور. فعندما تتحدّث لن يكون بمقدور هذا الجمهور الاستفادة من العناصر البصرية التي يمكن أن يروها فيما لو قرؤوا هذا الخطاب بأنفسهم، حيث أنهم لن يتمكّنوا من مشاهدة المؤشرات البصرية على التشديد في النص، أو التغيّر في السرعة، أو الانتقال من فقرة إلى أخرى – وهنا أتحدّث عن الفواصل، والفواصل المنقوطة، وعلامات التعجّب والاستفهام أو حتى الفراغات الفاصلة بين الفقرات. بل عوضاً عن ذلك، صوتك، وحركات يديك، وسرعة إلقائك، وحتى طريقة وقوفك على المنصة هي العناصر التي تحدد شكل خطابك. حاول التنويع في درجة الإثارة التي تعبّر عنها، وفي نبرتك، وحجم التشديد على بعض الكلمات. استعمل الإيماءات اليدوية بطريقة واعية وبما يتماشى مع النقاط التي تحاول إيصالها إلى الجمهور. حاول أن تمشي بين النقاط الرئيسية عند إلقاء الخطب – وهنا أقصد أن تغيّر المكان الذي تقف فيه جسدياً في الغرفة لتشير إلى الجمهور بأنك قد انتقلت إلى جزء جديد من المناقشة.

إن وقوفك جامداً وبلا حراك أثناء حديثك بصوت رتيب لا يؤدي إلى استنزاف طاقة جمهورك فحسب، وإنما يحرمهم أيضاً من فهم ما تقوله – فهذا يشبه تماماً كتابة نص على شكل جملة واحدة طويلة دون أي فواصل أو علامات ترقيم أو نقاط توقف. قاوم الدافع الذي يشدّك إلى قراءة خطابك من الورقة مباشرة. حاول أن تجسّد شخصياً الكلام الذي يتوق جمهورك إلى سماعه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "للقادة والمدراء: الخطاب ليس موضوع إنشاء"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
AMEEN
زائر
AMEEN
2 سنوات 4 شهور منذ

ماذا عن الخطابات المتلفزه ؟
والتي تاخذ عادة وقت بالساعات دون استخدام اي وسائل التوضيح المتمثلة بالحركة وحركة اليدين والتفصيل والتنقيط .
والتي تشوبها نوع من الملل عند المشاهدة دون الحصول على الاستفادة منها .

wpDiscuz