ثمة الكثير من أوجه الشبه بين أماكن العمل والأسواق. فكلها تعج بأشخاص يحاولون تلميع أفكارهم – و"بيعها" بشتى السبل – ويتنافسون من أجل الحصول على الضوء الأخضر من رؤسائهم "المشترين". الرؤساء التنفيذيون بدورهم عليهم بيع الأفكار إلى مجالس إداراتهم.

إذا أردت الحصول على الضوء الأخضر لمشروع ما، فلا ينبغي لك الاكتفاء بإعداد عرض تقديمي أو الاعتماد على قدرتك على تقديم حجج منطقية فقط. بل يتعين عليك التفكير كخبير تسويق. وهذا يعني مخاطبة العقل الباطن لصانع القرار.

على مدار أكثر من 25 عاماً، عملت مع عدد من كبرى العلامات التجارية المدرجة على قائمة "فورتشن 100″، بغرض مساعدتها على إعادة التفكير في استراتيجياتها التسويقية. فكنا نُعلم مسؤولي التسويق كيفية التأثير في محفزات الشراء الخفية القابعة تحت السطح، والتي تتحكم في السلوك الشرائي الغريزي. وكما ذكر جيرالد زالتمان، الأستاذ بجامعة هارفارد، فإن 95% من قرارات الشراء تُتخذ في العقل الباطن للمستهلك.

وذلك لأن المسارات العقلية التي يستخدمها الأشخاص لاتخاذ قرارات سريعة تحتكم إلى منظومة متكاملة من الارتباطات والذكريات الداخلية المتراكمة التي التصقت بعلامات تجارية محددة بمرور الوقت. يُطلق على هذه المصفوفة الخفية الشبكة العصبية للعلامات التجارية. وهو المصطلح الذي صغته بالتعاون مع مايكل بلات، أستاذ التسويق وعلم النفس وعلم الأعصاب بجامعة وارتون، عقب اكتشافنا أن هذه الشبكات تتشابه مع الشبكة العصبية البشرية الشبيهة بخريطة للروابط العصبية للمخ. إذ وجدنا أنه كلما كانت الشبكة العصبية للعلامة التجارية أكبر، وكانت الارتباطات بها أكثر إيجابية، زادت احتمالات اختيار المشترين لها. توصل مايكل إلى هذه العلاقة خلال عمله في تدريس علم الأعصاب والتسويق، وتوصلتُ إليها بنفسي خلال ممارسة أعمال حقوق الملكية الفكرية نيابة عن العملاء، فاستكشفتُ روابط العقل الباطن لأولئك الذين يقدِمون على شراء علامات تجارية معينة أو يحجمون عن شرائها.

كيف يستفيد الموظفون مما توصلنا إليه بشأن بناء سمعة فعالة للعلامة التجارية؟ كيف تبني مصفوفة سمعة العلامة التجارية الخاصة بك في مكان العمل؟ لزيادة فرصك في الحصول على الضوء الأخضر لأفكارك، تصرف كخبير تسويق واتبع القواعد الثلاث التالية:

ابدأ مبكراً. كلما أسرعت العلامات التجارية في بناء روابط إيجابية في العقل الباطن للزبائن، كان ذلك أفضل. وفي مكان العمل، تعد "ميزة صاحب الخطوة الأولى" على القدر نفسه من الأهمية. كلما أخلصتَ في مراكمة روابط إيجابية حول فكرتك، كانت قوتها التسويقية أكبر عند اتخاذ القرار.

لقد أدركتُ هذه الحقيقة بعد عناء. عملت في بداية حياتي المهنية مع إحدى الزميلات وكان لكل منا أسلوبه المختلف في عرض الأفكار على مديرنا. إذ كانت هي تسوّق لفكرتها على مدار شهرين كاملين، بينما أحتفظ أنا بفكرتي لنفسي حتى أشعر أن عرضي التقديمي صار "مثالياً". إلا أن المدير كان يختار فكرتها دون فكرتي، على الرغم من أنها لم تقدم الكثير من حيث المضمون. (لم يُقدَّر لها النجاح في النهاية على كل حال). لكني لم أكن حانقة عليها، بل تعلمتُ الكثير منها عن كيفية تسويق الأفكار في مكان العمل، ولم أكرر الخطأ نفسه مرة أخرى.

اصنع ضجة إيجابية. عندما تبالغ علامة تجارية في تسويق نفسها فقد يتسلل الشك إلى نفوس الزبائن. ولكن عندما تلقى العلامة التجارية الدعم من شخص آخر، فإنها تكوّن روابط أكثر إيجابية في العقل الباطن للزبائن المحتملين.

يحتاج رجال الأعمال إلى "شخصيات مؤثرة" أيضاً، مع مراعاة ضرورة انتماء هذه الشخصيات الداعمة لجهات مختلفة من المؤسسة. فعندما يرفع قسم المبيعات تقريراً إلى الرئيس التنفيذي يقولون فيه "نأمل تنفيذ هذه الفكرة لأنها ستساعدنا على الوصول إلى زبائن جدد"، وعندما يقولون في قسم البحث والتطوير إنهم "يعتقدون أن هذه الفكرة قد تُحدث تغييراً مهماً"، فذلك من شأنه أن يساعد على دعم القوة التسويقية وتهيئة فكرتك لقدر أكبر من النجاح.

طوّر حملات إعلانية، وليس عروضاً تقديمية. شأنهم شأن المستهلكين، يملك كبار رجال الأعمال روابط وذكريات إيجابية في عقولهم الباطنة، يمكن الاستفادة منها عند إلقاء عرض تقديمي. حاول مقارنة خطتك بتطور تاريخي وناجح في مسار الشركة يحب رئيسك الاستشهاد به. استخدم استعارات مقنعة تستحضر صور النجاح في مخيلة المستمع. فعند حدوث توافق بين الدلائل التي تقدمها وتلك الموجودة بالفعل في ذهن صانع القرار، سوف تزداد فرص إتمام عملية البيع.

نتمنى لو أن الأشخاص الذين يشغلون مراكز السلطة يدرسون الحقائق كلها ويتخذون دائماً أفضل القرارات وأكثرها عقلانية. إلا أنهم بشر ولا يسعهم إلا اتخاذ العديد من القرارات بالغريزة؛ لذلك حتى لو كانت البيانات والمعلومات في صفك، فلا تعتمد عليها فقط. فكر كخبير تسويق، واستفد أيضاً من اللاوعي عند صانعي القرار. فأماكن العمل أشبه بالأسواق، ولكي تحقق الفوز فيها يجب أن تستميل أفكارك التجارية الجزء الأكبر من العقول.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!