في رحلة العودة من "مؤتمر من أجل النساء"، الذي دُعيت إليه كمتحدث، كنت أمسك نسخة عن برنامج المؤتمر بعناية، لأن والدتي تحبّ الاحتفاظ بهذه البرامج، وكنت أريد أن أكون ابناً باراً وأحضر لها نسخة سليمة من دون أية تجاعيد. لاحظ الشخص الذي كان يجلس بجواري في الطائرة هذه الأوراق وسألني عن المؤتمر. أخبرته أنّ سلسلة من المؤسسات غير الربحية من جميع أنحاء البلاد تقوم بعقد هذه المؤتمرات للنساء من كافة المجالات، وذلك للتحدث عن القيادة والعدل والنجاح. لكن، ما لبث أن فاجأني بقوله: "أنا أؤيد المساواة تماماً، ولكنني أظن أنّ هذه المؤتمرات غير مجدية". وأنهى المحادثة بوضع السماعات على أذنيه وهو مرتاح لتشكيكه، بينما ارتبكت وأنا أحاول إيجاد أفضل جواب ولو جاء الجواب متأخراً.

وعند نهاية الرحلة أدركت أنّ البيانات هي أفضل جواب لسلوك مشكك كهذا. لأنك لن تستطيع تغيير وجهة نظر أي أحد بمجرد القول أنّ تواصل النساء مع بعضهنّ ضروري جداً وسيكون له تأثير في العمل والمجتمع. يجب علينا إثبات أنه كذلك فعلاً. ولهذا، تشاركت أنا وميشيل جيلان، مؤلفة الكتاب الأفضل مبيعاً "بث السعادة" (Broadcasting Happiness)، مع المؤتمر لكي نرى ما إن كان باستطاعتنا اختبار الآثار بعيدة المدى لتوحيد النساء. وإليكم المفاجأة، لقد أذهلت النتائج الجميع، بمن فيهم نحن.

في دراستنا الابتدائية على 2,600 امرأة عاملة ضمن مختلف الوظائف والمجالات ممن يحضرن "المؤتمر من أجل النساء" في عدة ولايات أميركية، قمنا بفحص عدة نتائج حصلنا عليها خلال العام الذي تلى حضور هؤلاء النساء للمؤتمر. ونظراً لاختلاف النساء اللواتي يحضرن المؤتمر من الناحيتين الديموغرافية والسايكوغرافية (التخطيط النفسي) عن اللواتي يخترن عدم الحضور، حاولنا الاستعانة بالمجموعة الضابطة التي تكونت من نساء سجّلن أسماءهنّ لحضور مؤتمر ولكن لم يحضرنه بعد.

وكان جزء من الدراسة يقتضي البحث عن نوعين من النتائج الإيجابية لدى النساء اللواتي حضرن أحد هذه المؤتمرات. وهي النتائج المالية (ارتفاع بالأجور والترقيات) والنتائج الثقافية (التفاؤل المتزايد ومستويات توتر أقل وشعور بالترابط).

وبما أننا كنا نبحث عن نتائج مالية، حرصنا على أن تكون الفترة الزمنية التي أجريت الدراسة عليها هي ذاتها لدى مجموعة البحث والمجموعة الضابطة كي نتمكن من حساب أي تغييرات تطرأ على الإطار الاقتصادي الشامل. وجدنا أنّ 18% من النساء اللواتي سجلن أسماءهنّ للمشاركة بالمؤتمر ولكن لم يحضرنه بعد تلقّين ترقيات خلال فترة الدراسة، مقابل 42% من النساء اللواتي حضرن المؤتمر فعلاً. أي أنّه في العام الذي يلي التواصل مع نظيرات لهنّ في المؤتمر يكون احتمال تلقي ترقية حاتمالاً مضاعفاً. وأتمنى لو أجد ذاك الشخص الذي كان بجواري في الطائرة لأُطلعه على هذه النتائج.

بالإضافة إلى ذلك، حصلت 5% من النساء في المجموعة الضابطة على زيادة في الأجور زادت عن 10%، مقارنة مع 15% من النساء اللواتي حضرن المؤتمر. وذلك يعني أنه في عام واحد، أصبح لدى الحاضرات احتمالاً أكبر بثلاث مرات أن تزداد أجورهنّ بنسبة تساوي 10% أو تزيد.

تذكر أنّ هذا ليس تحيزاً في الاختيار، فالنساء في المجموعة الضابطة سجّلن أسماءهنّ لحضور مؤتمر قادم.

كما قمنا باستطلاع آراء النساء اللواتي حضرن المؤتمر بشأن كيفية تأثيره على مستقبلهنّ الكلي. فكانت إجابات 78% منهن أكثر تفاؤلاً في ما يتعلق بالمستقبل. وعلى الرغم من أننا لم نقارن هذه النتيجة بالمجموعة الضابطة إلا أنها تبدو اكتشافاً هاماً بالنسبة لنا، وذلك يعود جزئياً إلى ما نعلمه عن تأثير التفكير الإيجابي على نواحي الحياة الأخرى. ووصفت في مقال في مجلة هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "الذكاء الإيجابي"، إمكانية أن يؤدي التفاؤل إلى إيجاد ما يسمى "ميزات السعادة"، التي تساعد على تحسين جميع نتائج العمل والتعلم تقريباً.

ولربما كانت النتيجة الأصدق هي أنّ 71% من النساء اللواتي حضرن المؤتمر قلن أنهنّ يشعرن أنهنّ أكثر تواصلاً وترابطاً مع الآخرين. إنّ هذا أمر هام جداً. وقد حددت في كتابي "إمكانيات كبيرة" (Big Potential) سبب كون التواصل الاجتماعي المؤشر الأكبر للنجاح والسعادة. إذ بينت البحوث أنّ التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون مؤشراً لطول حياتك تماماً كمؤشرات البدانة وضغط الدم المرتفع والتدخين. إذاً، هناك قوة في التواصل. ويبدأ هذا الكتاب بقصة دراسة الحشرات المضيئة المتزامنة في إندونيسيا، التي وجد فيها باحثو معهد ماساشوستس للتكنولوجيا أنّ نسبة نجاح الحشرة المضيئة في التكاثر يبلغ 3% فقط عندما تضيء منفردة. بينما تصبح 86% عندما تضيء بالتزامن مع آلاف الحشرات المضيئة الأخرى. فعندما تضيء هذه الحشرات معاً، يمكن لها أن تباعد المسافات في ما بينها من أجل إيجاد أكبر قدر من الموارد، ويمكن أن يساعد ازدياد تألقها الجماعي على رؤيتهم على بعد يقارب خمسة أميال! لقد قمت بتأليف كتاب "إمكانيات كبيرة" لأنني اكتشفت أنّ الإنسان يحرق نفسه ويشعر أنّ العالم عبء كبير عليه عندما يحاول الخروج من حالة الاكتئاب أو يحارب عدم المساواة أو يسعى للنجاح وحده. إلا أنّ هناك بديلاً قوياً وفعالاً للسعي المنفرد إلى النجاح والسعادة، وهو السعي الجماعي.

لا أظن أنّ كل المؤتمرات لها تأثير إيجابي طويل المدى بهذا الشكل. فقد حضرت بعض المؤتمرات المملة أو التي كان الحضور فيها غير مهتم واستمروا بالعمل على هواتفهم خلالها. أعتقد أنه بوسعنا القول أنّ هناك علاقة عكسية بين الفوائد التي تحصل عليها من المؤتمر والوقت الذي تقضيه على الهاتف أو جهاز الكمبيوتر المحمول.

وبناء على تجربتي في التحدث ضمن أكثر من 900 مؤتمر على مدى 12 عاماً، فإنّ الوسيلة الرئيسية لتحقيق الفائدة من المؤتمر تكون عن طريق: 1) وجود حسّ التواصل الاجتماعي. 2) الجلسات التي تضمن اندماج الحضور. 3) القادة الذين يشكلون قدوات ويمثلون الميزات التي يسعى المؤتمر لغرسها. 4) وجود لحظات لا يمكن نسيانها. 5) وجود التقييم الواقعي للحاضر مع نظرة متفائلة للمستقبل. وبناء على إجابات مجموعة النساء في هذه العينة، نرى نسبتي التفاؤل والتواصل الاجتماعي مرتفعتين، بالإضافة إلى وجود القدوات من الشخصيات المشهورة (مثل ميشيل أوباما وبرينيه براون اللتين تحدثتا أيضاً في أحد المؤتمرات التي حضرتها). وعلاوة على ذلك، قدمت جلسات كثيرة تطبيقات عملية من أجل التقدم في العمل، كطريقة طلب زيادة في الراتب أو قصص عن نساء أخريات كي تعلم الحاضرات أنّ تجاربهنّ في العمل ليست غريبة ولا منعزلة.

تضيف مؤسسة "مؤتمر من أجل النساء" لوري دالتون وايت أنه: "يحصل أمر استثنائي عندما ترى أنك لست وحدك. ويساعد التعارف وبناء العلاقات مع الحاضرات والمتحدثات الأخريات على فهم النساء لقيمتهنّ ومن ثم تعلّم استراتيجيات لطلب الترقيات والسعي لنيل أجر عادل، وحتى أن تصبحن مرشدات للأخريات. نحن ندعو نساء من أمثال ميشيل أوباما وشيرلي ساندبرغ للتحدث في مؤتمراتنا بسبب قصص نجاحهنّ الشخصية ولأنهنّ قدوات تلهم النساء بأبسط الطرق وأعظمها على حد سواء".

هناك قوة في التواصل مع الآخرين. وذلك ليس حكراً على النساء فقط، فالرجال والنساء متماثلين في الاستفادة من قوة التواصل. إن كنت مديراً، شجع موظفيك على حضور فعاليات تمكنهم من التواصل مع الآخرين كي تذكّرهم أنهم ليسوا وحدهم في سعيهم للنجاح والسّعادة. وإن كنت رئيساً تنفيذياً، استفد من المؤتمرات التي تساعد على بناء شخصيات جميع الموظفين في المؤسسة وتطويرهم مهما كانت مناصبهم فيها.

هناك الكثير لنتعلمه عن قيم التواصل في عالم ذو تنافسية مفرطة. وأقول لذاك الشخص الذي كان يجلس بجواري في الطائرة أنّ هذه البحوث تثبت أنّ التشكيك بشأن مؤتمرات النساء ومبادراتهنّ باطل وجاهل وذو طبيعة هدّامة. وأقول لنفسي ولجميع الآخرين الذين يبحثون عن طريق إيجابي للتقدم في العمل والمجتمع، بغض النظر عن الجنس، أنه يجب علينا السعي إلى السعادة والنجاح كلنا معاً، تماماً كالحشرات المضيئة، بدلاً من محاولة إنارة الظلمة منفردين ومنعزلين. فهناك قوة في إضافة ضيائنا إلى شيء أكبر، لأن نورنا يصبح بذلك أشد وأسطع.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!