متى يتعين عليك فصل ابنك من الشركة العائلية؟

7 دقائق
فصل الابن من الشركة العائلية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليكم هذه القصة حول: فصل الابن من الشركة العائلية. حلم تشارلز لسنوات بالعمل جنباً إلى جنب مع ابنه جيمس في الشركة العائلية، والتي حققت نجاحاً كبيراً في عالم الصناعة منذ أن أسسها والده وعمل هو على تطويرها. ومنذ التحاق جيمس بالعمل في الشركة، عقب تخرجه مباشرة، سلّم الرجلان بأنه مَن سيتولى المسؤولية في النهاية. لكن الأمور لم تسر على النحو المأمول، فرغبة منه في إثبات ذاته في العمل، طلب جيمس تفويضه لتحمّل مسؤولية تطوير خطوط جديدة في الشركة، وتمت الموافقة على طلبه. لكن مبادراته إما باءت بالفشل أو جاءت نتائجها مخيبة للآمال واحدة تلو الأخرى، إلا أن تشارلز كان يصر على اعتبارها خبرات تعليمية مهمة. والآن صارت لديه مشكلة أكبر، موظفون قدامى محل ثقة يعملون في مجموعة جيمس أخذوا يقدمون استقالاتهم. تسللت الهواجس إلى تشارلز خوفاً من أن جيمس لن يتمكن أبداً من قيادة هذه الشركة، بل الأسوأ أنه كان يدمرها على نحو يستعصي على الإصلاح. وبدأ سؤال يلح عليه: هل يجب عليَّ فصل ابني من العمل؟

قد يكون قرار فصل ابنك من العمل واحداً من أصعب القرارات التي يتعين عليك اتخاذها كقائد لشركة عائلية، وستكون عواقبه مؤلمة مهما كانت حكمتك في معالجته.

اقرأ أيضاً: لماذا يجب على الشركات العائلية البحث عن الخلافات المناسبة؟

جيري جونز، مالك فريق دالاس كاوبويز لكرة القدم الأميركية، فصل ابنته تشارلوت، خريجة جامعة “ستانفورد”، مرتين من العمل. لم يدم فراقهما طويلاً، وقالا إنهما يضحكان حين يذكران هذا الموقف الآن. لكن الابنة لم تكف عن استحضار هذه الذكرى في المقابلات الصحفية، وهو أمر مفهوم. فإقصاء المرء من وظيفته على يد أحد أفراد أسرته يترك في نفسه مرارة مضاعفة. لقد رأينا أناساً يُفصلون ويظلون لأكثر من خمس سنوات يلعقون جراحهم ويقطعون علاقتهم ليس بالعمل فقط بل بالعائلة نفسها أيضاً، حتى يعودوا إلى الحظيرة من جديد. وأحياناً لا تُشفى تلك الجروح العميقة أبداً.

متى يجب فصل الابن من الشركة العائلية على الفور؟

للوقاية من اتخاذ قرارات قد تندم عليها فيما بعد (على المستويين الشخصي والمهني)، فكر في دوافع الفصل من العمل، والخيارات المتاحة لمعالجة المشكلة، والمستقبل الذي ينتظرك في حال أقدمت على تلك الخطوة.

ادرس نوازعك وخياراتك جيداً

بدلاً من الاستعجال والقفز إلى رد فعل أحمق، ابحث جيداً في أسباب خروج الوضع عن الطريق المرسوم. يمكن القول، من واقع خبرتنا، إن اتخاذ خطوات متسلسلة، بناء على طرح أربعة أسئلة، من شأنه أن يساعدك على إيجاد المسار الأجدى والأنفع لك ولابنك وشركتك.

هل التوقعات واضحة ومتفق عليها من الطرفين؟

سل نفسك ما إن كنتَ قد هيأت ابنك عن غير قصد لأن يفشل من خلال عدم وضوح التوقعات أو واقعيتها. عانى أحد عملائنا طويلاً من تكبد خسائر فادحة لأحد المشاريع الجديدة بعد أن أدير بواسطة أحد أبناء الجيل الثاني من العائلة. لكن الرجل لم يحصل على القدر الكافي من التوجيه. حتى أن أحد المسنين في العائلة أسرّ لنا “لقد جعلنا المشروع ملعبه الخاص”. وأضاف “باختصار، لقد كتبنا له شيكاً على بياض”. من دون أهداف واضحة، وآلية لتقديم الملاحظات والتطوير، لم تكن هناك معايير واضحة لقياس تقدمه ومحاسبته.

فهل حددتَ بوضوح الدور الذي كلفت ابنك بأدائه، ليعرف كلاكما ما هو متوقع منه؟ هل يمتلك ابنك الخبرات والمهارات المناسبة لأداء هذا الدور بشكل جيد؟ وإن كان يفتقر إليها، فما خطتك لمساعدته في امتلاك هذه المهارات؟ هل تنطبق على ابنك المعايير نفسها التي تُطبَّق على غيره من الموظفين، عبر إلزامه بمعايير ومستهدفات معقولة؟

إن كانت الإجابة “لا” أو “لست متأكداً” على أي من هذه الأسئلة، فاطلب تقييماً محايداً من طرف ثالث يصلح لأن يكون مستشاراً أميناً (كعضو مجلس إدارة مستقل). وإن كان لا يزال بالإمكان إصلاح الموقف، فادرس إمكانية مطالبة ذلك المستشار بالاضطلاع بدور إرشادي.

هل هناك تنافر ثقافي؟

تخشى كثير من العائلات أن تؤدي ثرواتهم ونجاح أعمالهم إلى غياب الحافز لدى أبنائهم. غير أننا كثيراً ما نصادف مشكلات غير متوقعة عندما يكون أبناء الجيل التالي شديدي التحفز لترك بصماتهم في العمل، لكنهم لا يمتلكون ما يكفي من النضج أو الكفاءة لفعل ذلك، وهو ما يتسبب في إفساد ثقافة الشركات. في حالة جيمس، كان يمارس ضغوطه لحمل الشركة على التركيز على المعايير وحدها تقريباً، وهو ما يتناقض كلياً مع ثقافة العائلة التقليدية التي ترفع شعار “الموظفون أولاً”. شعر الموظفون القدامى من خارج العائلة بالنفور بسبب أسلوبه الصارم، فمنهم من استقال ومنهم من طلب النقل. ومع تضخم صفوف الموظفين التعساء، أيقن تشارلز أن جوهر الشركة ذاته صار على المحك.

اقرأ أيضاً: أسئلة القراء: كيف أحصل على ميزات إضافية في الشركة العائلية التي أعمل بها؟

إن بدا لك هذا الموقف مشابهاً لموقفك، فقد حان الوقت لأن تجلس مع ابنك وتتناقش معه حول القيم والثقافة التي قامت عليها الشركة. تلك هي الخلطة السحرية لنجاح الشركات العائلية، ما يميزها عن غيرها من أنواع الشركات. خذ شركة “بيركشاير هاثاواي” (Berkshire Hathaway) مثالاً: حين عيّن وارن بافيت ابنه هاوارد حارساً على ثقافة الشركة في إطار خطته المعدة لخلافته في منصبه، سلّط الضوء على أهمية قيم النجاح المستمر وتقاليده في الشركة التي تتجاوز استثماراتها مليارات الدولارات. نحن متفقون في ذلك الخصوص. الأداء مهم بالطبع. لكن الحفاظ على الثقافة بالقدر نفسه من الأهمية، لأنها هي ما يجعل مؤسستك مكاناً يحب الجميع العمل به. ورغم أن بناء الثقافة يستغرق سنوات وسنوات، إلا أن هدمها لا يحتاج وقتاً.

أرسل رسالة واضحة: يتعين على ابنك تكييف أسلوبه واحترام ثقافة الشركة حتى يتمكن من تحقيق النجاح. ومن شأن الاستعانة بمدرب خارجي (أو مرشد داخلي) لتقديم ملاحظاته وتوجيهاته أن يمكِّن قادة الجيل التالي من إيجاد التوازن بين الابتكار والاتساق.

هل يضطلع الابن بالدور المناسب له؟

هل تستطيع تغيير الوظائف والمسؤوليات بغرض تحقيق قدر أكبر من التوافق؟ عندما اتضح للأب أن ابنه غير مؤهل للاضطلاع بمسؤوليات منصب الرئيس التنفيذي، دعاه إلى تناول مشروب وسأله عن العمل الذي يثير اهتمامه حقاً. بعيداً عن ضغوط المقر الرئيسي، أقر الابن بأن العمليات اليومية لا تثير شغفه الحقيقي، وأنه اكثر اهتماماً بإنشاء منصة تحقق أثراً اجتماعياً على نطاق أوسع. نتيجة هذا النقاش البنّاء عيّن الأب ابنه رئيساً للمؤسسة الخيرية التابعة للشركة، وهو الدور الأنسب له بكل تأكيد.

إن موضوعاً كهذا يصعب عليك التطرق إليه مع ابنك، لكن ومن واقع خبرتنا، من يعانون هم من يشعرون بالمعاناة. قد يواصلون السير رغم المشاق بدافع الكبرياء أو الالتزام، إلا أن ذلك الوضع سينهكهم. لا يحب أي أب أن يرى ابنه في هذا الموقف، فانظر إن كان بمقدورك أن تجد له مكاناً يستطيع النجاح فيه. وتذكر أن وضعهم في مراكز تناسب قدراتهم واهتماماتهم، حتى لو لم يكونوا على قمة المؤسسة، يظل نجاحاً، خصوصاً إن وقاهم هذا حرق أنفسهم معنوياً. بل قد يكون ذلك أفضل للابن على المدى البعيد، لأن عدم شغله منصب الرئيس التنفيذي يساعده على تمييز واجباته والوفاء بها على نحو أفضل كطرف معني، علاوة على تفهم تصور الموظف.

اقرأ أيضاً: إدارة أصعب تحديات الشركة العائلية

لكن لا تبالغ في البحث عن “دور مناسب” لابنك؟ فنحن نوصي بالتعامل مع الأمر بطرح الأسئلة وليس بتقديم إجابات. وسؤال “ما الذي تهتم به؟” أبعد أثراً من إملاء حل مثل “لقد قررت نقلك إلى موقع آخر”، إذ إن طريقة تناولك للمشكلة في الموضوعات الحساسة لا تقل أهمية عن إيجاد حل لها.

هل يمكن أن تكون أنت المشكلة؟

كثيراً ما يستاء الآباء من أبناء الجيل الأصغر الذين يسعون حثيثاً لاحتلال مكانهم في الشركة. وقد شهدت إحدى العائلات مؤخراً حدثاً كهذا. إذ منح المؤسِّس ابنته حق إدارة مشروع صغير، ولكن على مضض، مفترضاً أن ذلك سيخلصه من متاعبها قليلاً. لكن بدلاً من ذلك، نجحت في تنمية مشروعها وتحويله إلى شركة ناجحة، أمست قادرة على ابتلاع الأصل. أكسبها النجاح قوة على قوة، وتسبب في استياء والدها في الوقت ذاته. وسرعان ما وجد الاثنان نفسيهما يتصادمان في الاجتماعات، ما تسبب في معارك ملحمية بين “الأسد العجوز” و”اللبؤة الشابة”. بدأ المؤسس يتساءل بصوت عالٍ إن كان الوقت قد حان لطرد ابنته على اعتبار أن ذلك “خير للعمل”.

فعليك أن تتأمل موقفك. هل المشكلة في ابنك حقاً أم فيك أنت؟ هذا أصعب سؤال يمكن أن تطرحه على نفسك أو تجيب عنه، فبالنسبة لقائد كرس نفسه لنجاح شركة، قد يجد صعوبة بالغة في مغادرتها، بحجة المبرر المعتاد “لأن الشركة لا تزال تحتاجني”. لكن الرغبة في أن يظل الآخرون محتاجين إليك قد تدفعك في بعض الأحيان إلى الافتراض بأن الجيل التالي ليس مستعداً لتحمل المسؤولية، ولن يكون أهلاً لها على الإطلاق. حتى لو كان ذلك هو السبب الحقيقي لرغبتك في إقالة ابنك، فتمهل قليلاً. وفكر في هدفك الحقيقي: هل تريد أن تكون الشركة في أفضل أحوالها خلال حياتك؟ أم تريد لها الازدهار من بعدك؟ إذا أردت نجاحاً عابراً للأجيال، فيتعين عليك وضع خطة حقيقية للإحلال الوظيفي، تسير بالتوازي مع مسار التطوير المعد لقادة الجيل التالي. ضع خطة والتزم بتنفيذها، واطلب من مستشاريك المؤتمنين أن يدعموك في رحلتك.

فكر بإطلاق صفارة النهاية عند فصل الابن من الشركة العائلية

يعتبر قرار فصل ابنك (من عدمه) قراراً بالغ الأهمية، وهو قرار لم تكن تتخيل التفكير فيه حين استقبلته أول مرة في الشركة. ويجدر بك دراسة قرار كهذا بتروٍ، وذلك من خلال التفكير بعمق في آثار الإقدام عليه أو عدم الإقدام، والآثار المترتبة (إيجاباً أو سلباً) على الشركة وعلى العلاقات الأسرية (إمكانية تضررها من عدمه)، وعلى خطط الإحلال الوظيفي.

إن ما يبدو لك قراراً قاسياً “بالاختيار ما بين الفصل أو عدم الفصل من العمل” هو في الواقع قرار مركب، وربما جعلته العلاقات العائلية أكثر تعقيداً. على سبيل المثال، إذا كان لديك عدة متنافسين من أبناء الجيل التالي على خلافتك، فربما يكون إرثك بين أيدٍ أمينة إذا فصلت ابنك. لكن إن كان هو الوريث الوحيد المهتم أو الوريث الوحيد المحتمل، فيتعين عليك حينئذٍ التفكير في كيفية استمرار الشركة عندما تكون مستعداً لتسليمه زمام القيادة. هل تريدها أن تبقى شركة عائلية الملكية والإدارة؟ هل تفكر في تعيين رئيس تنفيذي من خارج العائلة يتولى شؤون إدارة الشركة في المستقبل؟ أم هل أنت مستعد لبيعها خلال حياتك؟

بعد أن تفكر في الاحتمالات كلها المتعلقة بموضوع فصل الابن من الشركة العائلية تذكر أن طريقة تناولك للمشكلة أمر حاسم. يمكنك التحرك في اتجاه استمرار ابنك في الشركة، ومنحه موقعاً أفضل، أو إمداده بتوجيهات وأهداف أكثر وضوحاً. لكن إن لم يكن هذا الخيار مطروحاً، وانتهيت إلى أن فصله هو الحل الأمثل، فافعل، لكن كن واضحاً بشأن “الصفة” التي تخاطبه بها: بصفتك مسؤولاً تنفيذياً أم بصفتك أب، لأنك قد تتخلى عنه كموظف، لكن لن تتخلى عنه كابن. وكما تقول القصة التي تروى كثيراً: كان هناك أب يدير شركة عائلية، ارتدى معطف الرئيس التنفيذي وأبلغ ابنه بقرار فصله من العمل. ثم ما لبث أن ارتدى معطف الأب وقال لابنه “بني، سمعت أنك فصلت للتو من عملك، فهل لي بمساعدتك؟”.

تم تغيير بعد التفاصيل التعريفية في هذا المقال حفاظاً على الخصوصية.

اقرأ أيضاً: لماذا يجب على الشركات العائلية البحث عن الخلافات المناسبة؟

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!