تابعنا على لينكد إن

لا يمر يوم دون الإعلان عن تعيين مدير جديد للذكاء الاصطناعي أو رئيس لشؤون علوم البيانات أو مدير لشؤون بحوث الذكاء الاصطناعي. لكن على الرغم من الحماس الظاهر، يبقى الذكاء الاصطناعي في الواقع تقنية لا يزال تطبيقها في المراحل الأولى. تُعد الإمكانات عظيمة، لكن كيف بوسع المدراء اقتحام عملاق الذكاء الاصطناعي لاستخدام قوته في تحقيق النمو؟

في عملنا ضمن مجال الاستشارات، نصادف مدراء يتصارعون في تحويل تجارب الذكاء الاصطناعي إلى برامج استراتيجية قابلة للتطبيق. على سبيل المثال: مايكل ستيرن (ليس اسمه الحقيقي)، رئيس الرقمية في مؤسسة المعدات المكتبية الألمانية ميتلستاند (Mittselstand). كان مايكل معتاد على بدء مشاريع جديدة في مجالات صاعدة، لكنه يشعر بأنه غير قادر على التوصل لفهم جيد لما يمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه لعمله. كان قد بدأ بعض التجارب باستخدام نظام واتسون من آي بي إم، وتحقق له مكاسب واضحة وصغيرة وتكتيكية. مايكل الآن حائر في كيفية المتابعة. كيف ينشئون فرقاً عابرة للأقسام بحيث يعمل خبراء البيانات مع فرق المنتج؟ وكيف ينتقون أفكار المشاريع التي تنتج عائداً حقيقياً على الاستثمار؟ تساءل مايكل إن كانت شركته تعرف أصلاً ما هي نماذج الأعمال التي يمكن استكشافها باستخدام مجموعات البيانات الحالية، إلى جانب تحديد الجديدة منها التي يمكن استخدمها مع الذكاء الاصطناعي.

ليس مايكل الحائر الوحيد. فمع تزايد أعداد الشركات التي تستثمر في وحدات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، يواجه العديد من المدراء المعينين حديثاً هذه التحديات، خاصة في الشركات التي لا تملك خبرة سابقة في مجال التقنيات الإدراكية. وتُعتبر إحدى المشاكل هنا هي أنّ دور الفرق في العديد من هذه الشركات غير محدد. ولم تجر سوى بحوث قليلة جداً لتصميم رسالة ونطاق هذه الوحدات الجديدة.

قمنا في المركز الأوروبي للابتكار الاستراتيجي بتفحص العديد من مبادرات الذكاء الاصطناعي بين المؤسسات الكبيرة، وحددنا خمسة أدوار رئيسة يمكن أن تساعد وحدات الذكاء الاصطناعي في تطوير الرسالة الصحيحة ونطاق العمل الذي يحقق النجاح.

1- استكشاف تقنية وتطبيقات وشركاء الذكاء الاصطناعي

يتضمن هذا الدور تأسيس فريق أساسي يكون أشبه “بمستشعر للذكاء الاصطناعي” مسؤول عن رصد الاتجاهات الجديدة وتحديد التقنيات المزعزعة والتواصل مع اللاعبين المبتكرين، وبخاصة الشركات الناشئة منهم. يمكن اعتبار مورد قطع غيار السيارات بوش (Bosch) وعملاق التقنية والهندسة سيمنز مثالين رئيسيين على ذلك. ففي إطار خططها لاستثمار 300 مليون دولار، أنشأت بوش ثلاثة مراكز إدارية للذكاء الاصطناعي تركز على تقنيات إنترنت الأشياء وغيرها من المجالات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي في ألمانيا والهند وبالو ألتو في الولايات المتحدة. وبالمثل، وضعت سيمنز الذكاء الاصطناعي في قائمتها لمجالات الابتكار التي سيجري رصدها من خلال شبكتها من مواقع الرصد المتقدمة والتي لها مكاتب في كاليفورنيا والصين وألمانيا.

2- تجريب تقنية الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته

يتمحور هذا الدور حول تحقيق الفهم من خلال إجراء تجارب أولية وسريعة وصغيرة للذكاء الاصطناعي تستكشف كيفية تطوير أو تطويع التقنيات الإدراكية بحسب أنماط العمل والتشغيل في الشركة. وعلى الرغم من توافر أدوات جاهزة للذكاء الاصطناعي وأنظمة مفتوحة المصدر، إلا أنّ إمكانياتها في تحقيق التحول تبقى محدودة مقارنة مع الأنواع التي يتم تخصيصها حسب الطلب. في دويتشه تليكوم (Deutsche Telekom) وُضع تطوير الشركة لحلولها الخاصة للذكاء الاصطناعي في أعلى سلم الأولويات. فعوضاً عن شراء نظام دردشة آلي معتمد على الذكاء الاصطناعي من الموردين، لدى دويتشه تيليكوم فريق تطوير خاص بها يقوم بتصمیم وتدریب وصقل حلول الذكاء الاصطناعي للشرکة بدعم من الشركاء.

بدل تركيز الجهود على فوز كبير واحد، ينبغي أن تتبنى وحدات الذكاء الاصطناعي وفرقها نهجاً يقوم على إنشاء محفظة لتجاربها. وينبغي اختبار قوة الذكاء الاصطناعي عبر مختلف أقسام ومجالات الشركة. هناك ثلاثة أنواع من التجارب تستحق أن تُولّى اهتماماً خاصاً:

  • تجارب يقودها فريق وحدة الذكاء الاصطناعي أو فريق داخلي من المطورين. اختبرت دويتشه تيليكوم في السنوات القليلة الماضية ثلاثة أنظمة دردشة آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومساعدين افتراضيين لتحسين خدماتها للأفراد والشركات.
  • تجارب يقودها الآخرون تتضمن تضافراً للجهود مع لاعبين مبتكرين، مثل الشركات الناشئة ومراكز البحوث والجامعات. تركز هذه التجارب عموماً على أحدث التقنيات أو التطبيقات التي تتطلب خبرات ومهارات متعمقة لا تملكها الشركات. وهي تعتبر استراتيجية شائعة بين المؤسسات الكبيرة: دخلت مرسيدس بنز في شراكة مع مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقنية، وتعاونت وكالة أسوشييتد برس مع شركة أوتوميتد إنسايت (Automated Insight) وهي شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ودخلت دويتشه تيليكوم في شراكة مع المركز الألماني لبحوث الذكاء الاصطناعي، الذي يسمى دي إف كي آي (DFKI).
  • تجارب تتم بالتعلم من الآخرين، وهي شائعة بين الشركات المهتمة بالريادة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته التي لا تزال يافعة جداً لصناعاتهم. في هذه الاستراتيجية، تُترجم مراقبة الآخرين إلى مشاريع تمويل أو شركات ناشئة تبتكر في تخوم الذكاء الاصطناعي. هذا هو الحال في شركة التأمين الألمانية أليانز (Allianz) التي موّلت أول صندوق أسهم عالمي لتمويل الذكاء الاصطناعي في أوروبا واضعة بذلك نفسها في موقع الشركة “الرائدة في استثمارات الذكاء الاصطناعي”.

3- دعم وحدات الأعمال في تطبيق تقنية الذكاء الاصطناعي

يتمحور هذا الدور حول بناء القدرات الداخلية من خلال شبكة متخصصة من خبراء الذكاء الاصطناعي، الذين يمكنهم دعم وحدات الأعمال في إدخال وتطبيق أدوات وحلول الذكاء الاصطناعي (من التصوير الأساسي للبيانات وأنظمة الدردشة الآلية إلى أتمتة عمليات بأكملها، كإدارة المطالبات). إذ أنّ نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يكمن في التقنية في حد ذاتها، بل في قدرة الشركة على تنسيقها مع أعمالها ونماذجها التشغيلية.

يُعتبر مختبر البيانات والذكاء الاصطناعي (The Data and AI Lab) أحد أبرز الجهود الظاهرة لمؤسسة بي إن بي باريباس (BNP Paribas) في الذكاء الاصطناعي. هذا المختبر مسؤول عن تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تحسين العمليات الداخلية. وفريق الذكاء الاصطناعي في بي إن بي باريباس هو المسؤول عن مرافقة ودعم وحدات الأعمال على طول الطريق، بدءاً من تحديد التطبيقات المحتملة وصولاً إلى التجريب والصقل. من المهم هنا أن تكون هذه المختبرات مدمجة بإحكام مع المؤسسة، وليس مختبراً نائياً. وفي هذا يقول كونستانس تشالشات، رئيس إدارة التغيير في بي إن بي باريباس، “تحتاج فرق البيانات إلى العمل في شراكة وثيقة مع أقسام الأعمال وتقنية المعلومات”.

4- جعل كامل المؤسسة تفهم الذكاء الاصطناعي

يتمحور هذا الدور حول قدرة فريق الذكاء الاصطناعي على تثقيف المؤسسة حول الفرص التي يتيحها تسخير قوة الذكاء الاصطناعي. لماذا؟ لأن الذكاء الاصطناعي هو في نهاية المطاف أداة. والمؤسسات في حاجة لبناء أسس متينة تمكّن الناس من استخدام وتأمين الحصول على فائدة فعلية منه. ومع وصول الشغف بالذكاء الاصطناعي إلى أعلى قمة المؤسسات الكبيرة، نجد أنه يمتد الآن إلى كبار التنفيذيين ومجالس الإدارة. ويحتاج التنفيذيون الحصول على الدعم لشق طريقهم عبر تعقيدات نقاشات الذكاء الاصطناعي وإيجاد سبل لاستخلاص الفائدة منه.

يمكن لغرس الذكاء الاصطناعي في ثقافة المؤسسة، وفي مجموعة المهارات الأساسية أن يتم على مستويين. أولاً، يمكن لمبادرات التواصل الداخلي أن تساعد في زيادة الوعي وقبول تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاسيما تلك التي تتسم بإمكانات كبيرة في صنع التحول، مع خلق لغة وثقافة مشتركة للذكاء الاصطناعي. ثانياً، يسمح التعليم الموجه ببناء مقدرات أساسية معيارية للأشخاص غير الخبراء في الذكاء الاصطناعي في المؤسسة. وتُعد أير بي إن بي (AirBnB) مثالاً رئيسياً على ذلك. بإنشائها “جامعة البيانات” داخل المؤسسة، حيث تُدرس الشركة علم البيانات للموظفين بهدف تسهيل وتسريع الانتقال إلى مؤسسة أكثر وعياً بالذكاء الاصطناعي.

5- جذب واستبقاء المواهب

يتضمن هذا الدور معالجة الفجوة في مهارات الذكاء الاصطناعي. إذ ينبغي أن تعمل وحدة الذكاء الاصطناعي في تعاون وثيق مع إدارة الموارد البشرية لتحديد المهارات والقدرات الصحيحة المطلوبة، وتحديد استراتيجيات المحافظة على المواهب. وتتبنى المؤسسات حالياً استراتيجيات مختلفة لاكتساب المواهب. يوسع إدوارد دي أرتشيمبود، رئيس مختبر البيانات والذكاء الاصطناعي في بي إن بي باريباس تدريجياً فريقه المكون من 25 عضواً. “نحن نجنّد حوالي عشرة أشخاص كل عام، نحن شديدو التأني ونريد فقط توظيف الأشخاص المناسبين”. هناك مؤسسات أخرى استثمرت أكثر من هذا بكثير. كحال أير بي إن بي التي “استحوذت” على فريق من سبعة مهندسي بيانات من مؤسسة تشينجكوين (Changecoin)، وهي شركة ناشئة لديها معرفة عميقة في تقنية بلاك تشين.

كيف يتم تشغيل إطار العمل؟

في بعض الأحيان، تستثمر فرق الذكاء الاصطناعي المنشأة حديثاً الوقت والجهد في جميع الأدوار الخمسة. كما أنّ هناك مؤسسات تواجهها تحديات مختلفة تماماً. وتخطيط الأدوار الخمسة ضمن رسوم بيانية عنكبوتية، كما هو مبين هنا، يساعد المؤسسات على معرفة موقعها الحالي وتحديد المواطن التي تحتاج إلى زيادة أو تقليل جهودها فيها. يمكنها، مثلاً، مقارنة ما تقوم به حالياً مع ما ينبغي القيام به، بالأخذ بالاعتبار النوايا الاستراتيجية للمؤسسة وقدرتها والمسائل التنظيمية.

يجب على كل فريق من فرق الذكاء الاصطناعي وضع رسمه البياني العنكبوتي الخاص على أساس السياقات والأهداف والقيود الحالية. ويتعين على المؤسسات التي تستثمر (أو تخطط للاستثمار) في وحدات الذكاء الاصطناعي أن تفكر استراتيجياً في المكان الذي تركّز فيه جهودها.

لا يقوم الفوز في ثورة الذكاء الاصطناعي على التقنية والأدوات فقط، بل يقوم على التعليم وجعل مؤسستك مستعدة للمستقبل. وتماماً كما لم تخترع أمازون التقنية التي جعلت منها مؤسسة عملاقة، تحتاج المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي إلى إعداد مؤسساتهم بحيث تكون الأولوية للبيانات بحيث تبقى قادرة على المنافسة على المدى الطويل.

يمكن لتخطيط الأدوار الخمسة أن يساعد على مواءمة القصد الاستراتيجي للمؤسسة مع السياق والتقييدات التنظيمية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz