كيف يمكن لنزاع فرق الإدارة أن يكون بناء؟

20 دقيقة
النزاعات داخل الإدارة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إذا كنت عضواً في أحد الأقسام أو الفرق أو حتى كنت مديراً بأحدهما، فبالتأكيد تعلم شيئاً عن النزاعات داخل الإدارة على اختلاف مستوياتها. وغالباً ما يكون وجود صعوبات في إدارة النزاعات سبباً في مشاكل لكبار المديرين، رغم أنهم يعرفون أن وجود النزاع بشأن القضايا أمرٌ طبيعي، بل وحتى قد يكون ضرورياً. إذ أنه من المحتمل أن يكون لدى الأشخاص الذين يفكرون بمنطقية وعقلانية، ممن يتخذون قراراتٍ تحت ظروف لا يقين فيها، خلافات صادقة حيال أفضل مسار لمستقبل الشركة. وخلال هذا النوع من النزاعات، تقوم فرق الإدارة، التي يتحدى أعضاؤها أفكار بعضهم البعض، بتطوير خيارات مكتملة الفهم، وخلق مجموعة أكثر ثراءً من الاختيارات، وفي نهاية المطاف اتخاذ أنواع القرارات الفاعلة اللازمة في البيئات التنافسية الحالية.

إلا أنه، ولسوء الحظ، يمكن أن يتحول النزاع الصحي بسرعة إلى آخر ذي نتائج غير مثمرة، إذ يمكن تفسير تعليق قُصد به ملاحظة موضوعية على أنه هجوم شخصي. كما يمكن أن يتطور القلق والإحباط الناتج عن الخيارات الصعبة المطروحة إلى غضب موجّه تجاه الزملاء. كما أنه غالباً ما تتشابك الشخصنة بالقضايا. ويُصعب من الأمر، أن معظم المدراء التنفيذيين يفخرون باتخاذهم قراراتهم بشكل عقلاني، فبالطبع سيجدون صعوبة في الاعتراف بهذا البُعد العاطفي وغير العقلاني لسلوكهم، فما بالك بإدارته.

وهنا سيتمثل التحدي، الذي يعرفه أي شخص سبق له وأن عمل في فريق إدارة، في إبقاء النزاع بشأن القضايا بنّاءً، والحيلولة دون تحوّله إلى نزاع شخصي يُفكك أفراد الفريق، ومحاولة جعله وسيلة تهدف إلى تشجيع الإداريين على النقاش دون تدمير قدرتهم على العمل كفريق واحد.

يكمن التحدي في تشجيع أعضاء فرق الإدارة على النقاش من دون تدمير قدرتهم على العمل معاً.

كان التفاعل بين كل من النزاع والسياسات والسرعة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية من قبل فرق الإدارة العليا مجالاً للدراسة على مدى السنوات العشر الماضية.  وبالفعل أُتيحت لنا، في إحدى الدراسات، فرصة مراقبة عمل اثني عشر فريقاً من فرق الإدارة العليا في الشركات القائمة على التكنولوجيا عن قُرب. وتتنافس كل الشركات عادةً ضمن أسواق عالمية تنافسية سريعة التغيُّر، الأمر الذي يجعل جميع الفرق بحاجة إلى اتخاذ قرارات عالية المخاطر، في مواجهة حالة عدم يقين كبيرة، وتحت ضغط التحرك بسرعة. تألف كل فريق من خمسة إلى تسعة مدراء تنفيذيين؛ وقد سُمح لنا خلال الدراسة بمقابلتهم فردياً، وكذلك مراقبة تفاعلاتهم بشكل مباشر، وذلك أثناء قيامنا بتتبع قرارات استراتيجية محددة كانوا يعملون عليها. منحتنا تلك الدراسة نافذة على النزاع الذي تواجهه فرق الإدارة العليا فعلياً، فضلاً عن أنها تسلط الضوء على دور العاطفة في اتخاذ القرارات التجارية.

اقرأ أيضاً: كيف تتأكد من أنّ فرق نظام الإدارة الرشيقة تستطيع العمل معاً؟

وفي النهاية كانت هناك ثلاث مجموعات، في المجموعة الأولى الني ضمت أربع شركات، لم تكن ثمّة اختلافات كبيرة أو جوهرية حول القضايا الرئيسة، بالتالي لم تُثر نزاعات كثيرة. لكن شهدت الشركات الثمان الباقية نزاعات كبيرة؛ والتي تضم المجموعتين الثانية والثالثة، ففي المجموعة الثانية والتي ضمت أربع شركات أيضاً، تعاملت فرق الإدارة العليا مع النزاعات القائمة بطريقة تجنبت تحولها إلى عِدَاء أو خلاف شخصي. ومنحنا هذه الشركات أسماء رمزية، وهي “الرائعة للأنظمة” و”الأولى للتقنيات” و”المتألقة للإلكترونيات” و”المتميزة للحواسب”. وفي تلك الشركات وصف المسؤولون التنفيذيون زملائهم بصفات مثل “ذكي”، و”عضو فاعل في الفريق” و”الأفضل في قطاع الأعمال”. كما وصفوا الطريقة التي يعملون بها كفريق على أنها “مفتوحة” و”ممتعة” و”مثمرة”. واتسمت مناقشة المسئوولين التنفيذيين للقضايا بالقوة، مع إنفاق وقت قليل حول السياسات واتخاذ مواقف من القضايا. فقال أحدهم: “لا وقت لدي لذلك”، وقال آخر: “لا نتجاهل القضايا؛ بل نضربها في مقتل، إنما مع تجنب السياسة”. وقالت إحدى الأعضاء حول فريق إدارة شركتها: “نصرخ كثيراً، ثم نضحك، ثم نحل المشكلة”.

أما المجموعة الأخيرة، والتي ضمت أيضاً أربع شركات، لم تنجح في تجنب النزاع الشخصي بالكامل، وبدورنا أطلقنا عليها أسماء رمزية وهي: “المجرّة للمعالجة”، و”الهائلة للبرمجيات”، و”عطارد للأجهزة الدقيقة”، و”الفريدة للأنظمة”. وقد شابت فرقها العليا حالة عداء شديدة، إذ أخفق المسؤولون التنفيذيون في كثير من الأحيان في التعاون، بل ونادراً ما تحدثوا إلى بعضهم البعض، وفي المقابل مالوا إلى الانقسام إلى أحزاب، وعبّروا صراحةً عن إحباطهم وغضبهم. وعندما وصف المسؤولون التنفيذيون زملائهم لنا، استخدموا كلمات على غرار “متلاعِب” “كتوم”، “مُنهَك”، و”سياسي”.

اقرأ أيضاً: كيف أسست شركتي برنامج تدريب لتشكيل فرق عمل متنوعة الموظفين في قطاع التكنولوجيا؟

تمكنت الفرق التي لديها حد أدنى من النزاع بين الأفراد من الفصل بين القضايا الجوهرية والحيلولة دون الشخصنة وأيضاً تمكنوا من حل النزاعات داخل الإدارة بشكل كامل، إذ تمكنوا من الاختلاف حول المسائل ذات الأهمية الاستراتيجية، مع قيامهم في الوقت نفسه بالبقاء على وفاق. والسؤال الذي لابد أنك تطرحه الآن هو كيف فعلوا ذلك؟ بعد تحليل ملاحظاتنا حول سلوك الفرق، وجدنا أن شركاتهم استخدمت الأساليب الستة ذاتها الخاصة بإدارة النزاع بين الأشخاص. فقد عمل أعضاء الفريق انطلاقاً من معلومات وافرة، وليست محدودة؛ وتناقشوا على أساس الحقائق؛ وطوروا بدائل متعددة لإثراء مستوى النقاش؛ وتشاركوا أهدافاً مشتركة متفق عليها؛ وأدخلوا حس الفكاهة ضمن محاولة اتخاذ القرار؛ وحافظوا على هيكل قوة متوازن؛ وحلوا القضايا من دون فرض التوافق.

كيفية التخلص من النزاعات داخل الإدارة

وكانت هذه التكتيكات موجودة بشكل ضمني، وليس بشكل صريح، خلال مداولات اتخاذ القرار التي تقوم بها فرق الإدارة. ولو كان في الإمكان إعطاء التكتيكات أسماء، لكانت أسمائها مختلفة من مؤسسة إلى أخرى. ومع ذلك، يشهد الاتساق الذي استخدمت به الشركات الأربع في المجموعة الثالثة جميع التكتيكات الست على فاعلية تلك التكتيكات. وربما كان الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن هذه التكتيكات لم تؤخر السرعة التي تمكنت بها الفرق من اتخاذ القرارات، بل حتى سرّعتها في كثير من الأحيان.

1- التركيز على الحقائق

يعتقد بعض المدراء أن حل النزاعات داخل الإدارة والعمل مع بيانات وافرة وكثيرة سيتسبب في زيادة النزاع بين الأفراد من خلال توسيع نطاق القضايا قيد النقاش. لكن على العكس، فقد وجدنا أن وفرة البيانات مفيدة، في حال كانت موضوعية وحديثة، حيث أنها تشجع الأشخاص على التركيز على القضايا، وتجنب الشخصنة. ففي شركة “المتألقة للإلكترونيات” مثلاً، من المجموعة الثانية، عاين أعضاء فريق الإدارة العليا مجموعة متنوعة من مقاييس التشغيل على أساس شهري وأسبوعي وحتى يومي، زاعمين بأنهم “يقيسون كل شيء”. فقاموا أسبوعياً بتركيز اهتمامهم على مؤشرات مثل الحجوزات، وتراكم الأعمال، والهوامش، والمعالم الهندسية، والنقد، والخردة، والعمل الجاري. وقاموا شهرياً بمراجعة مجموعة أكثر شمولية من التدابير التي منحتهم معرفة واسعة بما كان يحدث بالفعل في الشركة. وكما يقول أحد المسؤولين التنفيذيين فيها، “لدينا ضوابط قوية للغاية”.

كما اعتمد فريق الشركة ذاتها على حقائق عن البيئة الخارجية، إذ كُلّف أحد كبار المسؤولين التنفيذيين بتتبع تحركات المنافسين سواء خلال قيامهم بطرح منتجات جديدة، أو تغيير الأسعار، أو إطلاق حملات إعلانية، في حين تابع آخر التطورات التقنية من خلال شبكة اتصالاته في الجامعات والشركات الأخرى. ويقول الرئيس التنفيذي واصفاً سعي الشركة المتحمس للبيانات: “نقوم بأكثر مما يلزم لتحقيق النجاح”. وهكذا امتلك المدراء التنفيذيون في الشركة، والمسلحون بالحقائق، فهماً استثنائياً لتفاصيل عملهم، مما سمح لهم بتركيز النقاش على القضايا الحرجة، وتجنُّب الحجج عديمة الفائدة المتجذرة في الجهل.

أما في “المتميزة للحواسب”، فقد وجدنا تمسكاً مماثلاً بالحقائق الحالية، إذ كان أول شخص عيّنه الرئيس التنفيذي الجديد هو موظف مهمته تتبع تقدم مشاريع التطوير الهندسي، المنتَج الجديد الذي سيكون شريان الحياة للشركة. وسمحت هذه المعرفة لفريق الإدارة العليا بالعمل انطلاقاً من قاعدة حقائق مشتركة.

اقرأ أيضاً: فرق العمل التي يتشارك أفرادها قصصهم الشخصية هي أكثر فعالية

لكن في ظل غياب البيانات الجيدة، يضيّع المسؤولون التنفيذيون الوقت عادةً في نقاش لا معنى له حول الآراء، حيث يلجأ البعض إلى التذمر الذاتي والتخمين الخاطئ حيال ماهية العالم. ويصبح الأشخاص –وليس القضايا– محور الخلاف، الأمر الذي يجعل النزاع شخصياً في النهاية. وغالباً ما يكون كبار المدراء في شركات مثل هذه التي تعاني من غياب البيانات على دراية سيئة بالعمليات الداخلية، مثل الحجوزات والإنجازات الهندسية، وكذلك القضايا الخارجية، مثل المنتجات المنافِسة، فضلاً عن أنهم يجمعون البيانات بشكل ضيق ونادر. وعادة ما يغلب الضعف على نواب الرئيس للشؤون المالية ممن تتمثل مهمتهم في جمع البيانات الداخلية، إذ كانوا يوصفون من قبل أشخاص في شركاتهم ذاتها على أنهم “عديمو الخبرة” أو “منفصلون عن الواقع”. وعلى النقيض من ذلك، ذكر موظفو “الأولى للتقنيات”، وهي شركة من المجموعة الثانية ذات نزاع ضئيل بين موظفيها، كيف يقوم نائب رئيس الشؤون المالية “بأخذ معلومات كافية ووافية حول كيفية عمل الشركة”.

ويحدث الخلل لأن فرق الإدارة المضطربة بسبب النزاع بين الأشخاص تعتمد على الحدس والتخمين أكثر من اعتمادها على البيانات الحالية، إذ أنها ذات أرجحية إلى أن تعود إلى مقياس سابق عندما تفكر في الحقائق، على غرار الربحية، والتي تعتبر مقاييس تاريخية وذات دقة عالية. وتفضّل هذه الفرق التخطيط بناءً على الاستقراء ومحاولة التنبؤ بالمستقبل، هو أمر لا يؤدي إلى نتائج حالية أو واقعية. وتكون محادثات تلك الفرق أكثر ذاتية، إذ أخبرنا الرئيس التنفيذي لأحد الفرق الأربعة في المجموعة الثالثة ذات النزاع الشديد أن اهتمامه بأرقام التشغيل كان “ضئيلاً”، واصفاً أهدافه بأنها “ذاتية”. وفي شركة أخرى مماثلة، رأى كبار المدراء أن المدير التنفيذي “ذو رؤية” و”منفصل قليلاً عن العمليات اليومية”. لذلك يبدو الفرق واضحاً بين هؤلاء المدراء التنفيذيين، والرئيس التنفيذي لشركة “الرائعة للأنظمة”، على سبيل المثال، الذي كان يتمتع بسمعة طيبة لأنه “رجل أرقام عملي”.

وفرة المعلومات أفضل. فهناك صلة مباشرة بين الاعتماد على الحقائق وانخفاض مستويات النزاع بين الأشخاص.

وهناك صلة مباشرة بين الاعتماد على الحقائق وانخفاض مستويات النزاع بين الأشخاص، إذ تتيح توفر الحقائق لهم الانتقال سريعاً إلى القضايا الرئيسة المحيطة بالخيار الاستراتيجي، دون أن يتورط صُناع القرار في جدال حول ماهية الحقائق. وفوق ذلك، يضع الاعتماد على البيانات الحالية أرضية صلبة للمناقشات الاستراتيجية، حيث تنزع الحقائق مثل المبيعات الحالية، وحصة السوق، ونفقات البحث والتطوير، وسلوك المنافسين، وعوائد التصنيع، الشخصنة من النقاش، لأنها بذلك لم تعد ليست محض تخيّلات أو تخمينات أو رغبات ذاتية. وعلى العكس، في غياب الحقائق، من المرجح أن تصبح دوافع الأفراد مشبوهة. وهكذا تخلق القرارات المبنيّة على الحقائق ثقافة تؤكد على القضايا بدلاً من الشخصنة.

2- زيادة البدائل

يؤمن بعض المدراء أنهم قادرون على الحد من النزاعات داخل الإدارة وبين الفرق من خلال التركيز على بديل واحد أو اثنين فحسب، انطلاقاً من أنهم بذلك يقللون المساحات التي يمكن أن يختلف الناس حولها. ولكن في الواقع، هذا غير صحيح، حيث تقوم الفرق التي تحدُث فيها حالات منخفضة من النزاع بين الأشخاص، بتطوير بدائل متعددة عمداً، وغالباً ما تفكر في أربعة أو خمسة خيارات في وقت واحد. بل أن المدراء في هذه الفرق يقدمون على طرح خيارات لا يدعمونها، لإثراء النقاش.

فعلى سبيل المثال، كان المدير التنفيذي الجديد لشركة “المتميزة للحواسب”، من المجموعة الثانية، مصمماً على تحسين أداء الشركة الضعيف. وعندما تولى منصبه، كانت المنتجات الجديدة عالقة في مرحلة التطوير، وكان المستثمرون قلقين. وبالتالي، أطلق تمريناً لجمع الحقائق، وبالتوازي، طلب من كبار المدراء التنفيذيين تطوير بدائل. وفي أقل شهرين، قام هؤلاء المدراء باقتراح أربعة بدائل؛ كان الأول بيع بعض تقنيات الشركة، بينما كان الثاني إعادة توجيه استراتيجي يتمثل في استخدام التكنولوجيا الأساسية لدخول سوق جديد، بينما كان الثالث إعادة نشر الموارد الهندسية وضبط نهج التسويق، في حين كان الخيار الأخير هو بيع الشركة.

وعزّز العمل المشترك لتشكيل هذه الخيارات شعور الفريق بالعمل الجماعي، مع تعزيز رؤية أكثر إبداعاً للوضع التنافسي للشركة وكفاءاتها الفنية. ونتيجةً لذلك، انتهى المطاف باقتراح حل هجين يجمع بين الخيارات السابقة بطريقة كانت أكثر قوة مما لو طُبّق أي من تلك الخيارات وحده.

وتميل الفرق الأخرى ذات مستويات النزاع الشخصي المنخفض التي لاحظناها أيضاً إلى تطوير خيارات متعددة في حالة اتخاذ قرارات كبرى. فعلى سبيل المثال، واجهت “المتألقة للإلكترونيات”، من المجموعة الثانية، أزمة تدفق نقدي نتيجةَ النمو الهائل. ونظر المدراء التنفيذيون حينها إلى عدة خيارات، من بينها، الحصول على خطوط ائتمان من البنوك، وبيع أسهم إضافية، وتشكيل تحالفات استراتيجية مع العديد من الشركاء. أما في “الرائعة للأنظمة”، فاعتمد المدراء صراحةً على ثلاثة أنواع من البدائل: وهي مقترحات صادقة مدعومة بمؤيدين لها؛ ودعم اقتراح شخص آخر، حتى لو كان ذلك فقط بغرض النقاش؛ وأخيراً بدائل غير صادقة مُقترحة فقط لتوسيع عدد الخيارات.

قد يكون الأمر مركباً، ولكن ثمة أسباب عديدة تجعل النظر في بدائل متعددة ذي احتمالية لتقليل النزاع بين الأشخاص. فمن ناحية، تقوم البدائل بجعل النزاع متشعباً إذ تصبح الخيارات أكثر من مجرد أسود وأبيض فقط، ومن جهة أخرى يكسب الأفراد مساحة أكبر لتغيير درجة دعمهم تجاه مجموعة من الخيارات، ومن جهة ثالثة يمكن للمدراء تغيير مواقفهم بسهولة أكبر مع حفظ ماء وجههم.

كما تساعد آلية توليد البدائل أيضاً على جمع المدراء معاً على مهمة مشتركة ومحفزة بطبيعتها، بحيث يركزون طاقتهم على حل المشكلات المطروحة، وهو الأمر الذي يزيد بدوره من احتمالية الحصول على حلول تكاملية؛ أو بمعنى آخر، الحصول على بدائل تضم وجهات نظر أكبر عدد ممكن من صانعي القرار. ناهيك عن أنه في حالة توليد بدائل متعددة، لا يتوقف المدراء عند حلول واضحة؛ بل يستمرون في إنشاء خيارات أكثر، والتي عادةً ما تكون أكثر أصالة. وهنا تتحول العملية في حد ذاتها إلى مهمة إبداعية وممتعة، حيث تحدد نغمة إيجابية لنزاع موضوعي، بدلاً من النزاع الشخصي.

وغالباً ما يتحول النزاع إلى نزاع شخصي أو نزاع مواقف في الفرق التي تناقش بقوة خياراً واحداً أو خيارين فقط.

وعلى العكس، غالباً ما يتحول النزاع إلى نزاع شخصي لدى الفرق التي تناقش بقوة خياراً واحداً أو خيارين فقط. ففي “الفريدة للأنظمة” مثلاً، من المجموعة الثالثة، تناقش فريق الإدارة العليا في خيار الدخول في منطقة أعمال جديدة كوسيلة لتعزيز أداء الشركة، حيث ناقشوا هذا البديل في مقابل الوضع الراهن، لكن من دون طرح خيارات أخرى. وبات المسؤولون التنفيذيون بشكل متزايد متبنيين لموقف على حساب آخر أو العكس. ومع احتدام النقاش، أصبح النزاع أكثر حدة وشخصية، لدرجة أن قام أحد المؤيدين الرئيسين للتغيير بالتهديد بترك الشركة، في حالة تعبير عن اشمئزازه من الواقع. أما بقية أعضاء الفريق، فإما توقفوا عن الانخراط والمشاركة فيما يحدث، أو انزلقوا إلى عملية سياسية شديدة لا طائل منها.

3- خلق أهداف مشتركة من أجل حل النزاعات داخل الإدارة

أما التكتيك الثالث للحد من النزاعات داخل الإدارة في الشركات، فيتضمن صياغة الخيارات الاستراتيجية، كتمارين تعاونية، وليست تنافسية. إذ تتعايش عناصر التعاون والمنافسة داخل أي فريق إداري على النحو التالي: حيث يشارك التنفيذيون في أداء الشركة، ولكن قد تجعلهم طموحاتهم الشخصية منافسين على السلطة. وفي الدراسة التي بحثناها، صاغت المجموعات الناجحة قراراتها باستمرار باعتبارها تعاوناً كان من مصلحة الجميع فيه تحقيق أفضل حل ممكن للجماعة.

ولقد فعلوا ذلك من خلال خلق هدف مشترك يمكن للفريق التجمع حوله. ورغم أن مثل هذه الأهداف لا تنطوي على تفكير متجانس، ولكنها تتطلب من الجميع مشاركة الرؤية. وكما نصح ستيف جوبز، الذي ارتبط بثلاث شركات ناجحة في وادي السيليكون، وهي أبل ونكست وبيكسار: “لا بأس أن تقضي الكثير من الوقت في مناقشة الطريق الذي يجب أن تسلكه إلى سان فرانسيسكو عندما يريد الجميع أن ينتهي بهم المطاف هناك، ولكن سيضيع الكثير من الوقت في النقاش إذا كان أحد الأشخاص يريد الذهاب إلى سان فرانسيسكو، في حين يريد آخر الذهاب سراً إلى سان دييغو”.

ووجدنا بالفعل أن الفرق المتعثرة بسبب النزاع تفتقر إلى وجود أهداف مشتركة، إذ يرى أعضاء الفريق أنفسهم في منافسة مع بعضهم البعض، ويميلون بشكل مدهش، إلى تأطير القرارات بشكل سلبي، كرد فعل على التهديدات. ففي “المجرّة للمعالجة” مثلاً، في المجموعة الثالثة، ركز الفريق على الاستجابة لحالة معينة من الأداء الضعيف، وحاول أعضاء الفريق إلقاء اللوم على بعضهم. ويتناقض هذا الإطار السلبي مع النهج الإيجابي الذي اتبعه المسؤولون التنفيذيون في شركة “المتألقة للإلكترونيات”، من المجموعة الثانية، والذين كان لديهم هدف مشترك؛ إذ نظروا إلى الأزمة النقدية على أنها لا تشكل تهديداً، بل فرصة “لبناء أكبر صندوق طوارئ” لمعركة تنافسية وشيكة. وشارك التنفيذيون في الشركة على مستوى واسع في هدف واحد متمثل في إنشاء “أفضل شركة حواسيب في هذا العِقد”، حيث يعلّق أحد المسؤولين التنفيذيين في الشركة قائلاً: “نحن نأخذ في غالب الوقت وجهة نظر شركة، وليس وظيفة”.

اقرأ أيضاً: لا فائدة لعمل الفريق إن كان أفراده متوافقين حول كافة المواضيع

وبالمثل، اتفق جميع أعضاء فريق الإدارة الذين قابلناهم في “الأولى للتقنيات” على أن هدفهم المشترك الذي يتحمسون لأجله هو بناء “أفضل آلة موجودة في السوق”. وقد يختلفون في مناقشاتهم حول البدائل التقنية الهامة، مثل التصنيع داخل الشركة مقابل خيارات التصنيع الخارجي، أو ما هي قنوات التوزيع البديلة، لكن يبقى الاختلاف أدنى من أن يتحول إلى نزاع شخصي.

وتُظهر العديد من الدراسات التي أجريت حول حل النزاعات داخل الإدارة واتخاذ القرارات الجماعية والتعارض بين المجموعات، أن الأهداف المشتركة تبني تماسك الفريق من خلال التأكيد على اهتمام جميع أعضاء الفريق بنتيجة النقاش. ففكر معي، عندما يعمل أعضاء الفريق نحو هدف مشترك، سيكونون أقل عرضة لرؤية أنفسهم بين فائزين وخاسرين، وغالباً ينظرون إلى آراء الآخرين بشكل صحيح ويتعلمون منها. وما لاحظناه في هذا الشأن هو أنه عندما يفتقر المسؤولون التنفيذيون إلى أهداف مشتركة، يميلون أكثر إلى الانغلاق، ويكونون أكثر عرضة للتفسير الخاطئ، ولوم بعضهم البعض.

4- استخدام الفكاهة من أجل حل النزاعات داخل الإدارة

تعمل الفرق التي تتعامل مع النزاع بشكل جيد على محاولة طرح أمور لتخفيف التوتر، وتشجيع روح التعاون، من خلال جعل أعمالها ممتعة، بل حتى قد تفتعل ذلك عند الحاجة. وتهدف تلك الفرق بذلك إلى التأكيد على إثارة المنافسة متسارعة الخطى، لا إبراز ضغوط المنافسة في أسواق صعبة وغير مؤكدة.

ووصفت لنا جميع الفرق، ذات النزاع الشخصي المنخفض، الطرق التي وظفوا بها الفكاهة في النقاش. فمثلاً نظّم المدراء التنفيذيون في “الرائعة للأنظمة” ألعاباً بسيطة في المكتب، حيث قاموا بتنظيم منافسات لطيفة بين فرق مختلفة بطريقة مضحكة ومسلية. وبالمثل، عقد كبار مدراء شركة “المتميزة للحواب” مسابقة لتناول الحلويات تلتها مسابقة لقياس الوزن. وكانت تلك الأنشطة التي تبدو تافهة جزءاً من خطة الرئيس التنفيذي المتعمدة لجعل العمل أكثر متعة، على الرغم من الضغوطات. أما في “المتألقة للإلكترونيات”، فقد كان جعل الشركة “مكاناً ممتعاً” هدفاً واضحاً لفريق الإدارة العليا، إذ كان يسود الضحك خلال اجتماعات الإدارة، وكان إلقاء الطُرف أمراً شائعاً فيها. كما احتفل المسؤولون التنفيذيون وباقي الموظفين، بعيد “كل القديسين” (الهالوين) ويوم كذبة أبريل.

وفي كل هذه الشركات، أقر المسؤولون التنفيذيون أن بعض محاولات إظهار الفكاهة كانت مفتعلة، وحتى قسرية. ولكنها مع ذلك، ساعدت على إزالة التوتر وتعزيز التعاون وأيضاً حل النزاعات داخل الإدارة بشكل كامل.

أما في الفرق من المجموعة الثالثة، والتي ساد فيها النزاع بين الأشخاص، فقد غابت الفكاهة بشكل لافت. صحيح أن هناك زملاء عمل في الشركة كانوا أصدقاء خارج العمل، لكن لم يشارك أعضاء الفريق في المجمل في أي أنشطة اجتماعية جماعية بخلاف حفلة عادية أو اثنتين، ولم تكن هناك محاولات واعية وهادفة لخلق روح الدعابة. بل على العكس، كان المناخ الذي اتُخذت فيه القرارات في كثير من الأحيان عدائياً ومجهداً.

وهنا تأتي دور الفكاهة من أجل حل النزاعات داخل الإدارة بشكل كامل، حيث تعمل كآلية دفاعية لحماية الأشخاص من المواقف العصيبة والمهددة التي تنشأ عادةً أثناء اتخاذ القرارات الاستراتيجية، إذ أنها تساعد الناس على النأي بنفسهم نفسياً عن الشخصنة عبر وضع تلك المواقف في سياق أوسع في الحياة، وغالباً ما يكون ذلك من خلال استخدام المفارقة. كما يمكن للفكاهة، رغم غموضها، أن تخفف من الصبغة التهديدية للمعلومات السلبية، إذ يمكن للمتحدثين قول أشياء مزعجة قد يتقبلها المرء بصعوبة بشكل مرح، وهي أمور كانت ستحمل وقعاً خطيراً على المرء ذاته لو قيلت بطريقة جدية. كما يسمح ذلك للمتلقي بحفظ ماء وجهه، عبر تلقيه رسالة جدية بطريقة مرحة، حيث تكون النتيجة توصيل ملاحظات قاسية بطريقة لبقة أكثر وأقل تهديداً لشخص المرء.

ويمكن للفكاهة أيضاً نقل عملية صنع القرار إلى إطار تعاوني بدلاً من تنافسي، انطلاقاً من أنها تجعل المزاج في حالة أفضل. فوفقاً لمجموعة كبيرة من الأبحاث، يميل الأشخاص الذين يتمتعون بمزاج إيجابي إلى أن يكونوا أكثر تفاؤلاً، وأيضاً أكثر تسامحاً مع الآخرين، وأكثر إبداعاً في البحث عن حلول. كما تؤدي الحالة المزاجية الإيجابية إلى إدراك حجج الآخرين بشكل أكثر دقة، نظراً لميل الناس ذوي الحالة المزاجية الجيدة إلى تخفيف حواجزهم الدفاعية، وبالتالي الاستماع بشكل أكثر فاعلية.

5- تحقيق التوازن في هيكل السلطة

ها قد وصلنا إلى التكتيك الخامس، حيث وجدنا أن المدراء الذين يعتقدون أن عملية اتخاذ القرارات في فريقهم عادلة، هم أكثر عرضةً لقبول القرارات دون استياء، حتى عندما لا يتفقون معها. وعلى العكس عندما يعتقدون أنها غير عادلة، سينمو الاستياء بسهولة ليتحول إلى نزاع بين الأشخاص. ويتمثل التكتيك الخامس، لإزالة النزاع بين الأشخاص في فرق العمل، في خلق شعور بالإنصاف من خلال تحقيق التوازن في السلطة داخل فريق الإدارة.

التخلص من النزاعات داخل الإدارة

وأشارت أبحاثنا إلى أن القادة الاستبداديين الذين يديرون الشركات عبر هياكل سلطة مركزية جداً غالباً ما يولدّون مستويات عالية من الاحتكاك الذي يؤدي إلى النزاع بين الأشخاص. والأمر ذاته مع الزعماء الضعفاء، حيث يولدون بدورهم نزاعاً بين الأشخاص، لأن فراغ السلطة في الأعلى يشجع المدراء الأدنى مرتبةً على محاولة اغتصاب السلطة. وفي المقابل، يكون النزاع في أدنى مستوى، حينما يتحقق ما ندعوه بـ”هياكل السلطة المتوازنة”، التي يكون فيها الرئيس التنفيذي أقوى من الأعضاء الآخرين في فريق الإدارة العليا، لكن في الوقت ذاته يتمتع الأعضاء بدورهم بسلطة كبيرة، لا سيما في مجالات مسؤولياتهم المحددة. ويشارك جميع المدراء التنفيذيين في هياكل السلطة المتوازنة في القرارات الإستراتيجية.

غالباً ما يميل القادة المستبدون إلى توليد مستويات عالية من الاحتكاك بين الأشخاص.

ففي شركة “الأولى للتقنيات”، على سبيل المثال، ضمن المجموعة الثانية، كان الرئيس التنفيذي -الذي وصفه الآخرون بأنه “يعمل جماعياً ضمن فريق”- بالتأكيد الشخصية الأقوى. لكن كان كل مسؤول تنفيذي أقوى صانع قرار في بعض المجالات المحددة بوضوح. بالإضافة إلى ذلك، شارك الفريق بأكمله في جميع القرارات المهمة. وكان الرئيس التنفيذي، كما ذكر أحد المدراء التنفيذيين، يعتمد على اختيار الأشخاص الصالحين ويعطيهم حرية العمل.

وقد لخّص الرئيس التنفيذي لشركة “الرائعة للأنظمة”، وهي شركة أخرى تتمتع ببنية سلطة متوازنة من شركات المجموعة الثانية، فلسفته بأنها “اتخاذ قرارات سريعة تشمل أكبر عدد ممكن من الناس”، حيث يتم اتخاذ القرار النهائي في منتجع على مدى أيام، يشارك فيه الفريق بأكمله بعد مناقشات جماعية عديدة.

وعلى النقيض من ذلك، كان قادة الفرق التي شابها نزاعاً واسعاً بين الأشخاص إما مستبدين جداً أو ضعفاء للغاية، إذ كان الرئيس التنفيذي لشركة “عطارد للأجهزة الدقيقة” مثلاً، صانع القرار الرئيس، وكانت هناك فجوة كبيرة في السلطة بينه وبين بقية الفريق. وسيطر هذا المدير، في القرار الذي تتبعناه، على العملية من البداية إلى النهاية، من تعريف المشكلة إلى تحديد التحليل إلى عملية الاختيار. ووصف أعضاء الفريق المدير التنفيذي بأنه “قوي” و”متصّلب”. وقال أحدهم: “عندما يتخذ زياد قراراً، يكون على الجميع السمع والطاعة!”

أما “المجرّة للمعالجة”، فمارس الرئيس التنفيذي سلطة متواضعة فقط، وكانت مجالات المسؤولية داخل فريق الإدارة العليا مبهمة، حيث كانت القوة متشعبة وغامضة. وكان على كبار المدراء التنفيذيين التصرف فيما بينهم لإنجاز أي شيء، وذكروا أنهم محبطون بشدة من الارتباك السائد في القمة.

ويتوقع معظم المدراء التنفيذيين السيطرة على بعض الجوانب المهمة من أعمالهم ولكن ليس بالكامل. فعندما كانوا يفتقرون إلى السلطة، إما بسبب الاستبداد أو فراغ في السلطة، كانوا يصبحون محبطين بسبب عجزهم عن اتخاذ قرارات مهمة. ليتحولوا إلى السياسة بدل العمل معاً كفريق. وكما أوضح أحد المدراء التنفيذيين: “نتنافس جميعاً على الفتات”. وقال آخر: “نحاول ما في وسعنا للحصول على أُذن الرئيس التنفيذي”.

وتتفق المواقف التي لاحظناها مع دراسات علم النفس الاجتماعي الكلاسيكية للقيادة. ففي دراسة أجريت في الستينيات، على سبيل المثال، درس رالف وايت ورونالد ليبيت آثار أساليب القيادة المختلفة على الأولاد في النوادي الاجتماعية، حيث وجدوا أن الصبية الخاضعون لقيادة ديمقراطية -الوضع الأقرب إلى هيكل السلطة المتوازن– يُظهرون اهتماماً تلقائياً بأنشطتهم. وكان الأولاد راضين للغاية، وكان هناك الكثير من الملاحظات الودية داخل المجموعات الخاصة بهم والثناء والتعاون الكبير. أما في ظل القيادة الضعيفة، فكان الأولاد غير منظمين وغير فاعلين وغير راضين. لكن الحالات الأسوأ كانت في ظل الحكم الاستبدادي، الذي جعل الصبية عدائيين وعنيفين، وكانوا يوجهون أحياناً عنفاً بدنياً ضد كبش فداء بريء. وفي حالات القوة غير المتوازنة، لاحظنا تقديم الأشخاص البالغين لكلمات عدوانية قال عنها زملائهم بأنها جارحة، حيث تحدث أحد المدراء التنفيذيين عن أنه واقع “في مرمى النيران”، بينما وصف آخر زميله بأنه “بندقية على وشك الإطلاق”، بينما ذكر ثالث “تقريع” الرئيس التنفيذي له.

6- السعي إلى التوافق مع الكفاءة

إن تحقيق التوازن في السلطة هي إحدى التكتيكات لبناء الشعور بالإنصاف، لكن إيجاد طريقة مناسبة لحل النزاع حول القضايا أمر آخر، وربما كان أكثر أهمية. وخلال البحث، اكتشفنا أن الفرق التي أدارت النزاع بشكل فعال استخدمت نفس النهج لحل النزاع موضوعياً، والذي كان مؤلفاً من عملية ثنائية الخطوات. ويطلق بعض المدراء التنفيذيين على هذا النهج اسم “توافق الآراء مع الكفاءة”. ويتم بالشكل التالي: يتحدث المدراء التنفيذيون حول مشكلة ما، ويحاولون التوصل إلى توافق في الآراء. فإذا تحقق التوافق، يصدر القرار. أما في حال عدم قدرتهم على تحقيق التوافق، يتخذ المدير، الأوثق صلة القرار، مسترشداً بمدخلات من بقية المجموعة.

على سبيل المثال، في شركة “الأولى للتقنيات” عندما أطلق منافس منتجاً جديداً يحاول أخذ حصة من الشركة في أكبر سوق لها، كان هناك خلاف حاد حول كيفية الاستجابة، إذ أراد بعض المدراء التنفيذيين تحويل موارد البحث والتطوير لمواجهة هذه الخطوة التنافسية، حتى مع مخاطر إبعاد مهندسين موهوبين عن منتج آخر أكثر إبداعاً يعملون عليه، في حين جادل آخرون بأنه يتعيّن على الشركة إعادة تغليف منتج موجود مع إضافة بعض الميزات الجديدة، بينما شعرت مجموعة ثالثة أن التهديد لم يكن جدياً بما يكفي لصياغة لتبرير ردة فعل كبيرة.

وبعد سلسلة من الاجتماعات على مدار عدة أسابيع، فشلت المجموعة في التوصل إلى توافق في الآراء. بالتالي فشل حل النزاعات داخل الإدارة لديهم، ولهذا اتخذ الرئيس التنفيذي ونائب الرئيس للتسويق القرار معاً. وكما أوضح الرئيس التنفيذي: “يقوم الرؤساء في الأقسام المختلفة بالحديث، ثم أصوغ أنا القرار”. ولذلك كان التنفيذيون في الشركة مرتاحين لهذه النتيجة، حتى أولئك الذين لم يوافقوا على النتيجة، لأنه كان للجميع صوت في هذه العملية.

وعادةً ما يربط الناس الإجماع بالوئام، لكننا وجدنا العكس: إذ تميل الفرق التي أصرت على حل النزاع الجوهري، عبر إجماع الآراء، إلى إبراز نزاع شخصي. ويملك المدراء التنفيذيون أحياناً وجهة نظر غير واقعية مفادها أن الإجماع ممكن دائماً، لكن هذا الإصرار الساذج على الإجماع يمكن أن يتسبب في مساومات لا تنتهي. وكما قال نائب رئيس الهندسة في شركة”الهائلة للبرمجيات”: “يعني الإجماع أن لكل شخص حق النقض، الأمر الذي جعل منتجاتنا متأخرة للغاية وباهظة الثمن”. أما في “المجرّة للمعالجة”، فقد أراد المدير التنفيذي أن يتوصل المدراء التنفيذيون إلى إجماع، رغم وجود اختلافات في الرأي. واستمر النقاش لأشهر، إلى أن أصيب الجميع بالإحباط حتى استسلم بعض كبار المدراء، حيث كانوا يريدون فقط قرار، أي قرار. وأخيراً تم صياغة قرار بعدما غادر الشركة العديد من المدراء التنفيذيين الذين فضلوا وجهة نظر مختلفة. لقد كان تكلفة إجماع الفريق مهلكة.

قد يعتقد المسؤولون التنفيذيون أن الإجماع ممكن دائماً، لكن الإصرار على الاتفاق يمكن أن يؤدي إلى مساومة لا تنتهي.

الأمر الخطير المتعلق بموضوع النزاعات داخل الإدارة أيضاً أن وضع مواعيد نهائية في فريق يصر على التوافق يؤدي إلى تضحية المدراء التنفيذيين بالعدالة، وبالتالي إضعاف دعم الفريق للقرار النهائي. ففي شركة “المجرّة للمعالجة”، قضى المسؤولون التنفيذيون شهوراً في تحليل صناعتهم ووضع منظور مشترك حول الاتجاهات المهمة للمستقبل، لكنهم لم يتمكنوا من التركيز على اتخاذ القرار. وبعدما طالت عملية صنع القرار، واقترب الموعد النهائي لاجتماع مجلس الإدارة، اضطر الرئيس التنفيذي إلى صياغة قرار وإعلانه. ولم يسبق حتى أن ذُكر ذاك القرار في المناقشات السابقة؛ بالتالي لم يكن مستغرباً غَضَب فريقه وإحباطهم. ولو كان الرئيس التنفيذي أقل إصراراً على التوصل إلى إجماع، لما شعر أنه قد أُجبر على التصرف تعسفاً بحلول الموعد النهائي.

ولعلك تسأل كيف يخلق السعي إلى التوافق مع الكفاءة شعوراً بالإنصاف؟ أظهرت مجموعة من الأبحاث التي أجريت حول العدالة الإجرائية أن نزاهة العمليات، التي تنطوي على مشاركة وتأثير كبيرين من جانب جميع المعنيين، تعد مهمة للغاية لمعظم الأشخاص، حيث يكون الأفراد على استعداد لقبول النتائج التي يكرهونها إذا كانوا يعتقدون أن العملية التي جاءت بها هذه النتائج منصفة، وذلك على اعتبار أن معظم الناس يرغبون في أخذ آرائهم على محمل الجد، وفي القوت ذاته على استعداد لتقبّل فكرة أن هذه الآراء قد لا تحظى بالإجماع دوماً. وهذا هو بالضبط ما يحدث في نهج “السعي إلى التوافق مع الكفاءة”. وكما قال أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة “المتألقة للإلكترونيات”: “أنا سعيد لمجرد طرحي لآرائي”.

وإضافةً إلى الإنصاف، ثمّة العديد من الأسباب الأخرى التي تجعل توافق الآراء مع الكفاءة رادعاً مهماً للنزاع بين الأشخاص، إذ يفترض أن النزاع طبيعي وليس علامة على خلل وظيفي، كما أنه يمنح المدراء نفوذاً إضافياً عندما يؤثر القرار على جزءهم من المنظمة بشكل خاص، وبالتالي تحقيق التوازن بين رغبات المدراء للاستماع، والحاجة إلى اتخاذ قرار. إنها عملية منصفة ومتكافئة لصنع القرار، وتشجع الجميع على طرح الأفكار على الطاولة، لكن مع تحديدها بوضوح كيف سيتم اتخاذ القرار.

وأخير يعتبر السعي إلى توافق مع الكفاءة عملية سريعة، إذ تميل العمليات التي تتطلب الإجماع إلى الاستمرار إلى ما لا نهاية، وإحباط المدراء بما يرون أنه نقاش مستهلك للوقت وعقيم. لذا ليس من المستغرب أن يلقي المدراء باللائمة في إحباطهم على عيوب زملائهم وليس على عملية حل النزاع الضعيفة.

بناء فريق للقتال

كيف يمكن للمدراء تشجيع هذا النوع من النقاش الموضوعي حول القضايا يؤدي إلى اتخاذ قرار أفضل؟ لقد وجدنا خمسة أساليب تساعد في توليد نزاع بنّاء داخل الفريق:

1- قم بتجميع فريق غير متجانس، يكون مختَلِفَ الأعمار والأجناس والخلفيات الوظيفية والخبرات الصناعية.

فإذا كان الأشخاص في الاجتماعات التنفيذية يبدون متشابهين، ويتحدثون بشكل متشابه، ستزيد احتمالية أن تتولد نفس الأفكار أيضاً. 

2- الالتقاء معاً كفريق واحد بانتظام وفي كثير من الأحيان.

لا يدرك أعضاء الفريق الذين لا يعرفون بعضهم البعض مواقف بعضهم بشأن القضايا، مما يضعف من قدرتهم على المجادلة بفعالية. ويبني التفاعل المتكرر الثقة المتبادلة والتآلف بين أعضاء الفريق اللازمة للتعبير عن المعارضة.

3- شجِّع أعضاء الفريق على القيام بأدوار تتجاوز مسؤولياتهم الجغرافية أو الوظيفية الواضحة. 

ويمكن لمناصري المعارضة والمتحدين للرؤى والمسؤولين التنفيذيين ذوي التوجه العملي العمل معاً لضمان النظر في جميع جوانب القضية.

4- طبّق مجموعات ذهنية متعددة على أي قضية. جرب لعب الأدوار، أو ضع نفسك في مكان منافسك، أو ممارسة ألعاب الحرب.

ستخلق هذه التقنيات وجهات نظر جديدة وتُشرك أعضاء الفريق، مما يحفز الاهتمام في حل المشكلات.

5-قم بإدارة النزاع بنشاط. لا تدع الفريق يستسلم في وقت قريب جداً أو سهل جداً.

حدّد سبب اللامبالاة وعالجها مبكراً، ولا تخلط بين عدم وجود خلافات والاتفاق. في كثير من الأحيان، ما يبدو إجماعاً هو فك الترابط حقاً.

ربط النزاع والسرعة والأداء

أثبتت مجموعة كبيرة من الأبحاث الأكاديمية التي تحدثت عن النزاعات داخل الإدارة أن النزاع حول القضايا مُحتمل حدوثه للغاية ضمن فرق الإدارة العليا، فضلاً عن أنه ذو قيمة أيضاً، حيث يوفر النزاع للمدراء التنفيذيين مجموعة أكثر شمولاً من المعلومات، وفهماً أعمق للقضايا، ومجموعة أكثر ثراءً من الحلول الممكنة. كان هذا بالتأكيد هو الحال في الشركات التي درسناها. كما تشير الدلائل أيضاً بأغلبية ساحقة إلى أنه في حال وجود نزاع قليل حول القضايا، من المحتمل أيضاً أن يكون هناك ضعف في اتخاذ القرارات. وكان تفكير الجماعة “Groupthink” السبب الرئيس لحدوث مشاكل كبرى في السياسة العامة وسياسة الشركات، إذ أننا وجدنا أن الفرق التي انخرطت في نزاع صحي حول القضايا اتخذت قرارات أفضل من ناحية، ومن ناحية أخرى تحركت بسرعة أكبر أيضاً، رغم تنافي ذلك مع ما قد يظنه الناس.

وستفقد المجموعات فاعليتها إذا لم يحدث نزاع، حيث غالباً ما سيصبح المدراء منسحبين ومتناسقين سطحياً فقط ولا يتمكنوا من حل النزاعات داخل الإدارة التي تحصل بشكل متكرر. وفي الواقع، فإن البديل للنزاع عادةً هو عدم الاتفاق، وأيضاً اللامبالاة، والتوقف عن المشاركة، إذ تُحقق الفرق غير القادرة على تعزيز النزاع الموضوعي في النهاية أداءً أقل في المتوسط. وتميل الفرق منخفضة النزاع، من بين الشركات التي لاحظناها، إلى غض الطرف عن القضايا الرئيسة أو الميل ببساطة لتجاهل الجوانب المهمة لوضعها الاستراتيجي. وتضيّع هذه الفرق الفرص للتساؤل عن الافتراضات المزيفة أو توليد بدائل مختلفة بشكل كبير. لذا، ليس من المستغرب أن تصرفاتها كانت في كثير من الأحيان سهلة التنبؤ بها.

وفي الأسواق سريعة الخطى، من المحتمل أن تتخذ الفرق التي تروج للنزاع النشط والواسع النطاق حول القضايا قرارات استراتيجية من دون التضحية بالسرعة. ويتمثل المفتاح للقيام بذلك هو تخفيف النزاع بين الأشخاص ومن أجل التخلص من النزاعات داخل الإدارة أيضاً.

وإذا كنت مهتماً بالقراءة أكثر حول إدارة النزاع في مكان العمل، فراجع “العملية العادلة: الإدارة في اقتصاد المعرفة” (إعادة طبع 97405) و”وضع الدماغ بالكامل لشركتك في العمل” (إعادة الطباعة 97407).

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .