هارفارد-بزنس-ريفيو-توافق-الفريق

التعاون يتهاوى تحت ثقل توقعاتنا. ما وُجد ليكون عملية شد وجذب غير منظمة يقع كثيراً ضحية لرغبتنا بالحفاظ على التناغم والكفاءة. وما يَعدُ به التعاون من زيادة في الابتكار وتخفيف للمخاطر تقوضّه الأعراف الثقافية القائلة بأن على الجميع أن يكونوا على الدوام متوافقين ومبتسمين وداعمين لبعضهم البعض. هذه النسخة السائدة من التعاون بحاجة ماسة لبعض الاختلاف.

لعلك على الأغلب تعلمت أن تنظر للتعاون والاختلاف على أنهما نقيضان. بعض الثقافات تصور العمل الجماعي بلغة وصورة مثالية لدرجة تثير السخرية: كفريق من المجدِّفين في تناغم مثالي، أو سرب طائرات في تشكيل محكم. كم مرة قيل لك: كفريق “أنتم جميعاً في المركب نفسه”، أو كي تكون عضواً فاعلاً في الفريق عليك أن “تجدف بالاتجاه ذاته”. هذه النسخ الحالمة عن العمل الجماعي تصيب الكثير من الفِرق بالعجز.

لا مغزى من التعاون إن لم يكن فيه توتر واختلاف وتضارب. ما نحتاجه هو تعاون يُحسِّن فيه التوتر والاختلاف والتضارب من قيمة الأفكار، ويكشف عن المخاطر التي هي من طبيعة الخطط، ويعزز الثقة بين المشاركين.

حان الوقت لتغيّر نظرتك للاختلاف. دعك من فكرة أن الاختلافات كلها هدّامة، وتبنَّى فكرة أن الاختلاف البنّاء يخلق قيمة. إن تبنيت هذه العقلية وتركت وراء ظهرك تلك العبارات المبتذلة عن التعاون سترى بوضوح أن: لا حاجة لك بالتعاون إن كنت ستوافق على كل شيء؛ البناء على أفكار الآخرين يمنح فريقك القدرة على التفكير التراكمي؛ تجنبك للاختلاف بالآراء يعني أنك تترك فرضيات خاطئة غير مفضوحة. وكما قال والتر ليبمان “عندما يفكر الكل بنفس الطريق، فإن أحداً لا يفكر”. كي تحقق أقصى ما يمكن من التعاون عليك أن تختلف قبل أن تندمج.

لسوء الحظ، مقتنا للاختلاف منيع لدرجة أن التشجيع ولو على القليل منه يتطلب جهداً كبيراً. أنا أجد أن هناك ثلاث تقنيات على وجه التحديد يمكنها مساعدة الأشخاص لتبني الاختلاف البنّاء. خصّص بعض الوقت لهذه التمارين قبل الخوض في نقاشك الجدلي القادم.

أولاً، ناقش الأدوار المختلفة في الفريق وركّز على ما يجلبه كل دور لطاولة الحوار. ركز على فكرة أنَّ الأدوار وُجدت كي تقود أجندات مختلفة. مثلاً، إن كنت في اجتماع يتضمن أقساماً من المبيعات والإنتاج، فقد يدافع ممثل قسم الإنتاج عن مزيد من التقييس والسيطرة والكفاءة. أما رجل المبيعات فسيدافع عن عكس ذلك: مزيد من المرونة والتخصيص والليونة. مجرد قيام قادة كل من المبيعات والإنتاج بعملهما سيؤدي لتصادمهما معاً إلى أن يتم التوصل إلى الحل الأمثل. أحدهما يناضل كي يكون متجاوباً قدر الإمكان مع الاحتياجات الفريدة للعملاء، والآخر يناضل لتحقيق التناسق الذي يُنتج الرقابة على الجودة والكفاءة في التكاليف.

بينما تعمل على كل من هذه الأدوار في فريقك وعلى محفزاتهم المختلفة، سترى أفكاراً تومض في أذهان الأفراد: ’’هل تعني أنني من المفترض أن أتقاتل مع فلان.‘‘ نعم!، ’’وأنه هو عندما يختلف معي فليس لأنه حقير يحاول مضايقتي؟‘‘ صحيح! عندما يتضمن الفريق المزيج الصحيح من الأفراد فإن كل عضو فيه سيناضل من أجل شيء فريد. فأداؤهم لعملهم (وممارسة دورهم في أن يكونوا أعضاء فريق جيدين) يكون بالدفاع عن توجهاتهم المختلفة، وليس بالإذعان. بتخصصيك وقتاً للتطبيع مع هذا التوتر المصاحب للتعاون تحررهم كي يختلفوا ويشدوا ويجذبوا ويقاتلوا بشراسة من أجل الوصول للإجابة الأفضل.

ثانياً، استخدم أداة لتقييم الشخصية أو الأسلوب لإيضاح الفروقات بين الأشياء التي يعيرها الأفراد انتباههم. بالإضافة إلى الاختلافات التي تأتي من اختلاف أدوارهم، تفرض الشخصيات المختلفة لأعضاء الفريق وجهات نظر متباينة أيضاً. بينما تكتشف ما توصل له فريقك، فتش عن أي مصادر للتوتر يعود سببها لاختلافات في الشخصية. أولِ انتباها خاصاً لوجود نمط أو نمطين يعتبران أقلية في المجموعة. يجب أن يُحمّل أعضاء الفريق الذين لديهم وجهات نظر فريدة مسؤولية التعبير عن رأيهم عندما يتخذ تفكير الفريق اتجاهاً واحداً.
مثلاً، في عملي مع عدد من الفرق التنفيذية، وجدت ندرة في المدراء التنفيذيين الذين يتفهمون جيداً المشاكل الإجرائية المتعلقة بالاستراتيجية وتنفيذها. لهذا، كثيراً ما أقوم بدعوة أشخاص يتحلون بهذا النوع من المنظور للأمور وأخبرهم أنني أتوقع منهم تحدي الفريق عندما لا تكون الأفكار الكبرى مدروسة بعناية أو عندما يكون الانسجام على المستوى السطحي فقط. بإخبارك عن القيمة الفريدة التي تقدمها وجهات النظر المختلفة فإنك تشجع الأقلية على رفع أصواتهم.

هناك أسلوب آخر للتطبيع مع الاختلافات البنَّاءة والتشجيع عليها يكون بتحديد القواعد الناظمة للاختلاف. أطلب من فريقك أن يعرّف السلوكيات التي تعتبر مساهِمة في الاختلاف البنَّاء (بمعنى، الاختلاف الذي يُحسّن اتخاذ القرار ويسهم في الوقت ذاته في زيادة الثقة) وتلك التي تنتقص منه. غطِّ أكبر قدر ممكن من الموضوع لتعطي الناس فكرة أوضح عن شكل السلوكيات المقبولة وغير المقبولة لدى الفريق.

بالإضافة لتحديد سلوكيات الاختلاف المناسبة، قد يكون عليك تحديد الإجراءات أو الأدوار التي ستساعدك كي يتكرر حصول الاختلافات وتكون فعاليتها أكبر. سجلّت بعض الفرق نجاحاً باستخدامها نظام ’’القبعات الست من دي بونو‘‘ DeBono’s Six Thinking Hats، الذي يتضمن قيام الأفراد باستخدام وجهات نظر محددة مسبقاً (مثلاً، القبعة البيضاء ترمز للمنطق والاعتماد على الحقائق، القبعة السوداء تُمثل الحذر والتحفظ، القبعة الخضراء مبتكرة ومُبادرة) لتسليط ضوء جديد على القضية موضع البحث. ويوكِل الآخرون لشخص يشغل منصب رئيس المجلس (يتم تداوله بينهم) أو لصاحب موضوع يجري نقاشه مهمة إيقاظ الأفكار المختلفة. الفكرة هنا هي الوضوح في تحديد النظام الذي تستخدمه والتوقعات المرتبطة به.

من الحالات التي تستفيد من التحديد الأوضح للتوقعات استخدام دور محامي الشيطان، وهو الدور الذي قلة فقط يستخدمونه بالشكل الصحيح، حيث يستغله أغلب الأشخاص لقول أشياء كريهة ومتسلطة. الدور الحقيقي لمحامي الشيطان (وهو في أصله الشخص الذي يعيّنه البابا ليدحض أدلة القداسة ضمن إجراءات التطويب عند الرومان الكاثوليك) هو التشكيك في سلامة الأدلة واقتراح شروحات بديلة لما حصل. بتحديد دور واضح لمحامي الشيطان، أنت تُشرعن الصعوبات التي تطعن في صحة وارتباط الدليل بالقرار الذي يجري اتخاذه. عندما يؤدي محامي الشيطان دوره جيداً فإنه سيؤدي لك خدمة عظيمة.
حتى بعد استخدام هذه التقنيات الثلاث لتغيير عقليات الأشخاص حول الاختلاف، عليك المضي لأبعد من ذلك. مجرد منح الأفراد الإذن للطعن والاختلاف والجدال ليس كافياً. ففي نهاية الأمر، إعطاء أحدهم إذناً ليقوم بشيء هو أصلاً لا يريده لن يضمن قيامه به. لهذا، عليك التحرك لأبعد من جعل الاختلاف البنّاء إلزاماً إن أردت خلق اختلاف بنّاءً في فريقك واستخدامه لتوليد أفكار أفضل. استخدامك لهذه التقنيات الثلاث بداية جيدة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz