تابعنا على لينكد إن

يعتبر العثور على مواهب رقمية أحد أكبر التحديات التي تواجهها الشركات اليوم. وهو أمر صعب تحديداً بالنسبة للشركات الكبيرة التقليدية، وبالأخص تلك التي تعمل في الصناعات الاندماجية التي لا تعتمد على النمو، كصناعة اللباب والورق وصناعة الحديد والصلب وشركات الطيران، والتي غالباً ما توجد في أماكن بعيدة عن التجمعات الحضرية التي يعيش فيها علماء البيانات.

وبما أنّ هوامش أرباح هذه الشركات ضئيلة ولا تستطيع دفع أجور كالتي تدفعها شركات تكنولوجيا المعلومات الفائقة (على سبيل المثال)، اضطر الكثير منها للابتكار في عمليات التوظيف وفي تنمية قدرات الموظفين لديها. ومن خلال عملنا مع أكثر من 10 شركات صناعية في ألمانيا والدول الاسكندنافية، قمنا بدراسة أسلوب هذه الشركات في زيادة المهارات الرقمية للقوى العاملة بها، بدءاً من إنشاء برامج تسريع التحول الرقمي وصولاً إلى تدريب المواهب الداخلية، وقمنا بمراقبة الطريقة التي أفرزت من خلالها بعض هذه الاستراتيجيات الشائعة تحدياتها الخاصة.

وفيما يلي ثلاثة من أكبر التحديات التي رصدناها:

إدماج المواهب الرقمية في الأعمال الأساسية

تقوم شركات عديدة بإنشاء برامج تسريع التحول الرقمي أو غيرها من الوحدات المنفصلة المسؤولة عن تعزيز إمكاناتها الرقمية. مثلاً، في مدينة برلين وحدها، ضمت القائمة شركات أكسل سبرينغر (Axel Springer) وباير (Bayer) ولوفتهانزا (Lufthansa) وماكنزي (McKinsey) ومجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) وإيون (EON) و”آر دبليو إي” (RWE) ودوتش بان (Deutsche Bahn) وميترو (Metro) وبروسايبين (ProSieben)، قامت جميعها بإنشاء برامج تسريع التحول الرقمي تهدف لغرس الفكر الريادي وتعطيل نماذج الأعمال الحالية. وحتى شركة ستورا إنزو (StoraEnso)، وهي شركة للباب والورق تم إنشاؤها عام 1288 وتعتبر أقدم شركة في العالم، لديها برنامج لتسريع التحول الرقمي.

إنّ غالبية برامج تسريع التحول الرقمي توجد حيثما وجدت الأدمغة الرقمية، وغالباً ما يكون ذلك في مدن بعيدة عن مواقع الشركات ذاتها. مثلاً، يدار برنامج “ستورا إنزو” بالتعاون مع جامعة آلتو ومقره في مدينة هيلسنكي الحيوية (وهي المدينة التي أنتجت لعبة الطيور الغاضبة الشهيرة Angry Birds)، في حين لا تزال وحدات البحث والتطوير والإنتاج موجودة ضمن مقر الشركة في غابات فنلندا والسويد الواسعة.

ولبرامج تسريع التحول الرقمي ثقافات مختلفة عن تلك الموجودة في شركاتها الأم، أي تستخدم لغات ومصطلحات وتقنيات إدارية وأدوات ومساحات مكاتب مختلفة عنها. ويمكنها إنشاء قيمة كبيرة للشركة عن طريق توليد أعمال جديدة.

ولكن، غالباً ما يظهر تحد كبير في مواجهة برامج التسريع، وهو كيفية دمج المواهب الجديدة في الأعمال الأساسية للشركة. لقد أُنشئت برامج التسريع من أجل تحفيز الابتكار الرقمي، ولكنها تُبقي الموظفين الجدد على مسافة بعيدة عن الشركة ما يجعل من الصعب عليهم مشاهدة كيفية تفاعل الشفرات البرمجية التي ينتجونها مع استراتيجية الشركة وإنتاجها الأساسيين. وأحد أسباب حدوث ذلك هو في أحيان كثيرة عدم وجود مسؤول عن إدماج برنامج التسريع مع الجزء التقليدي من الشركة. وبالتالي تُترك هذه المهمة الهامة لكبار المدراء الذين يعانون من صعوبة إدراجها ضمن أولوياتهم في جداول أعمالهم المزدحمة.

الاستفادة من المواهب الرقمية في جميع أرجاء المؤسسة

الاستراتيجية الشائعة الثانية التي شاهدناها هي مسارعة الشركات لتدريب المواهب الداخلية، حيث يمكن للشركات الاستفادة من إيجاد الموظفين المتحمسين من أصحاب المهارات التقنية العالية وتدريبهم على أنواع جديدة من الأدوات الخاصة بعلوم البيانات والعلوم الرقمية. لقد عملنا مثلاً مع شركة تقليدية سويدية للحديد والصلب عندما بدأت بتدريب الجيل الأصغر من عمال دلفنة الحديد والصلب على تبني الفكر الرقمي والأدوات الرقمية. وأدى ذلك إلى تحسين كفاءة الإنتاج وتقليل تباين الجودة وجعل عملية التحاق العاملين الجدد بالعمل يتم بشكل أسرع.

ولكن تظهر المشكلة عندما تعجز الشركات عن الاستفادة من المهارات الرقمية الجديدة في أقسامها وإدارتها الأخرى. وتقلل الشركات في كثير من الأحيان من شأن العمل التمهيدي الضروري لصياغة آليات مشاركة المعارف والمهارات الرقمية الجديدة المكتسبة. وفي حالة شركة الحديد والصلب، وبرغم أنّ الموظفين الشباب في أحد المصانع كانوا قادرين على اكتساب الكفاءة الرقمية اللازمة لتحسين الإنتاج بصورة فعالة، إلا أنّ أثر تدريبهم لم يمتد إلى بقية المؤسسة. ولم تكن هناك آليات لمشاركة التعلم. ويمكن أن يؤدي عدم تكرار هذه المبادرات الرقمية بعد نجاحها في قسم معين إلى حدوث ما يعرف بـ “أثر السراب”، وهو وهم الشعور بأنّ الشركة تتغير في حين أنها في الحقيقة لا تتغير.

وتتمثل المشكلة الأخرى المتعلقة بالتدريب في أنّ العديد من الشركات يجعلونه محصوراً في أقسام تكنولوجيا المعلومات التي لا ترتبط بالعمليات الأساسية ارتباطاً وثيقاً. فلا شك أنّ أقسام تكنولوجيا المعلومات حيوية من أجل البدء بتنفيذ أنظمة تخطيط الموارد للشركة، ولكن هناك إمكانات هائلة يمكن حصدها من اكتساب العمالة العادية للكفاءة الرقمية أيضاً. وبما أنّه يتوجب على أرباب الصناعات التقليدية التي أجرينا الدراسة عليها زيادة التفاعل مع زبائنهم عبر الواجهات الرقمية، فإنّ أول خطوة ذكية ومنخفضة التكلفة وفعالة هي التركيز على الإنتاج القائم على البيانات. ولأجل ذلك، لا تحتاج الشركات إلى أجهزة استشعار جديدة فحسب، بل تحتاج أيضاً عمالة مدربة على العمل القائم على البيانات.

البدء بالمبادرات التصاعدية

الاستراتيجية الثالثة للعثور على المواهب الرقمية هي عن طريق المبادرات التصاعدية المنطلقة من القاعدة إلى القمة. لقد شاهدنا شركات تنشئ صناديق اقتراحات وتعقد جلسات جماعية للعصف الذهني وتبادل الأفكار وتجري المنافسات من أجل استحضار الإمكانات العالية للعاملين وتوليد الأفكار للحلول الرقمية.

أجرينا مثلاً دراسة على شركة خدمات مهنية تقليدية طلبت من جميع موظفيها، بغضّ النظر عن وظائفهم ومستويات خبراتهم ومهماتهم الإدارية، أن يقدموا أفكاراً جديدة حول كيفية التأقلم مع التقنيات الرقمية. ثم اختارت بعض الأفكار وقدمت الموارد للمضي قدماً بتطبيقها وعينت فريقاً لإيصال الأفكار بعد صقلها وتنقيحها إلى كبار المدراء. لقد ساعد ذلك الإجراء الشركة في الكشف عن المواهب الرقمية المخفية وإعطاء الضوء الأخضر للمضي في تنفيذ بعض المشاريع الواعدة وزيادة التعاون بين الأقسام والإدارات.

ولكن يبدو أنّ هذا الوضع هو الاستثناء وليس القاعدة. ففي معظم الشركات لا يشارك سوى القليل من الموظفين في هذه المبادرات، وليس هناك سوى القليل من الأفكار التي يمكن تحويلها إلى منتجات أو خدمات جديدة لأنّ معظم الأفكار لا تتوافق مع استراتيجية الشركة، وغالباً ما ينتج عنها هدر للموارد واستياء الموظفين.

ويحدث ذلك عندما يعتبر المدراء أنّ المبادرات هي الحلّ السحري الذي سيحقق الانتقال إلى التقنية الرقمية، بينما في الحقيقة يجب عليهم تفسير أهمية الانتقال إلى التقنية الرقمية أولاً وبيان خطة الشركة لتحقيق ذلك وإيضاح مدى استفادة الموظفين من هذا الانتقال. ولن يكون هناك الكثير من الموظفين المتحمسين للمشاركة من دون هذا التوضيح بشأن الاستراتيجية والأهداف.

لقد أدركت الشركات الناجحة أنه من غير الممكن ترك هذه المبادرات وحدها دون رعاية واهتمام، وأنه يجب على المدراء أن يكونوا فعالين وإيجابيين في دفع الموظفين للمشاركة عن طريق تنظيم فعاليات تقوية الوعي وصياغة عمليات لمتابعة الموظفين المشاركين.

ولا ينحصر التحول الرقمي في تبني تقنيات إضافية فحسب، بل إنه أكثر من ذلك بكثير، فهو يمثل تحدّ إداري متجذر بعمق. ولإدراك النجاح في هذا التحدي يجب ألا تكتفي الشركات بجذب المواهب الجديدة وتدريبها والاحتفاظ بها فقط، بل يجب عليها دمج الموظفين في العمليات الأساسية لتشغيل الأعمال أيضاً. كما يجب وضع تطوير المواهب ضمن إطار ما يتعلق باستراتيجية العمل الكلية. ولن تحقق الشركات النتائج المرجوة إن لم يكن لديها رؤية واضحة حول كيفية تطوير الإمكانات الرقمية للكفاءة التشغيلية مما يعود بالقيمة على المستهلكين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz