تابعنا على لينكد إن

لكلّ واحد فينا “أنظمة إنتاجية” خاصة به نتجت عن جهد مقصود أو كبُرت ونمت بداعي الحاجة. ويمكن تعريف نظام الإنتاجية بأنه مجموعة من السلوكيات التي تُعاد بانتظام وبترتيب محدد، إضافة إلى الأدوات التي يُستعان بها لتحقيق الأهداف المرجوة.

وكثيرًا ما نسمع أحدهم يقول: “أنا لا أملك نظام إنتاجية، فهذا سيأخذ مني وقتاً كثيراً بوسعي استخدامه لقضاء حاجاتي”. وهذا الكلام فيه خلطٌ واضح بين مجرد النشاط وبين الإنتاجية. فليس أسهل من أن تكون دائماً في “حالة عمل”، حيث تمثل “حالة العمل” نظاماً بحد ذاتها، لكنه نظام يرتكز على ردود الأفعال. فتصبح على الدوام مشغولاً بدون أية ضمانة أنك تسير في الاتجاه الصحيح لإنجاز أعمالك.

معظم عادات الإنتاجية هي وليدة الحاجة بغير تخطيط أو قصد، الأمر الذي يجعل تحقيق الإنجاز رهناً للصُدف. وهذا ما وضع تحسين الإنتاجية في بؤرة الاهتمام. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير الأنظمة.

وبحسب خبرتنا في العمل مع زبائننا، فقد شهدنا العديد منهم يخفقون في الالتزام الدائم بنظام الإنتاجية الذي يحاولون تبنيه بالرغم من الوقت والجهد المبذول في ممارسة السلوكيات المقترنة به. وهذا بدوره ألقى الضوء على عوامل ثلاثة تمثل العوائق الأكثر شيوعًا في وجه إعادة تشكيل الالتزام طويل الأمد بأنظمة الإنتاجية، ما يحول بين زبائننا وبين بلوغهم ما يطمحون إلى تحقيقه:

  • بالرغم من معرفتهم بانعدام فاعلية النظام القديم، تبقى القناعة راسخة حول ضرورة الالتزام ببعض العادات القديمة لتحقيق النجاح.
  • غياب البيئة الداعمة لهم في السلوكيات الجديدة التي يحاولون صقلها أو الأدوات التي يحاولون استخدامها.
  • تقودهم المستويات العالية من التوتر لمراجعة رأيهم في النظام الجديد مما يؤدي إلى تدهور أدائهم تحت وطأة الضغط الذي يعانون منه.

الاعتقاد بفاعلية العادات القديمة

يوضح تشارلز دوهيج في كتابه “قوة العادة” (The Power of Habit) أهمية الاعتقاد كعنصر فاعل في تحويل العادة إلى سلوك دائم. فعدم الاعتقاد بعادة ذات أهمية أو الاعتقاد بعادة أقل فاعلية لن يسهم إلا في تضليلنا عما ينفعنا.

على سبيل المثال، فإنّ معظم الناس قد مروا بفترات إنتاجية لا يتخللها مقاطعة حيث شعروا بالإنجاز والرضى الكبير عن أنفسهم، وهذا ما تؤكده الدراسات حول قصْر العمل ما أمكن على مهمة واحدة في أي وقت بصفته الأسلوب الأمثل والأكثر فاعلية. وبالرغم من ذلك، فالتقلب بين المهام، أو ممارسة أكثر من مهمة في وقت واحد يبدو وكأنه يساعدنا في إنجاز أمور أكثر، كما أنّ ترك بريدنا الإلكتروني مفتوحًا طوال الوقت أمام ناظرينا يبدو وكأنه الطريقة المثلى في منع الرسائل من التراكم خلال اليوم، أما السماح للتنبيهات والتحذيرات بقرع أسماعنا بين الحين والآخر من الأدوات المحيطة بنا فيبدو وكأنه الطريقة الوحيدة لعدم تفويت أي موضوع هام بالنسبة إلينا. وعند النظر بتجرد، تبدو نتائج الدراسات المتعلقة بتركيز العمل في مهمة واحدة منطقية. لكننا عند النزول إلى الواقع العملي يغلب علينا تصور أن هذه الدراسات لا تنطبق علينا. فالاعتقاد المستمر بأهمية التقلب بين المهام – أو ضرورته على الأقل – هو اعتقاد راسخ يصعُب التغلب عليه.

تكمن أحد أسباب تلك العوائق الداخلية في نقص تقديرنا للإنجاز مقارنة بالتقدير الزائد الذي نوليه لأهمية مقاطعة أعمالنا بأمور أخرى جانبية من حين لآخر. وتأتي هنا قصة وائل (أحد المتدربين لدينا) كمثال نموذجي على ذلك، حيث يروي لنا قيامه ذات مرة بإغلاق بريده الإلكتروني ليتمكن من إتمام مشروع هام مما جعله يغفل الرد الفوري على رسالة من مديره حول أحد الزبائن. وحين سألناه عما حصل، أخبرنا أنّ مديره حصل على الإجابة من زميله في العمل. سألناه إن واجه مشكلة مع مديره بسبب ذلك (لم يحدث)، وإذا ما استطاع إنهاء مشروعه الهام (وهو ما حصل فعلاً)، وإذا ما كان الانكباب على المشروع أكثر أهمية للعمل من الرد الفوري على مديره (وهو ما أكّده وائل). لكن وائل أحس في نفسه وكأن زميله “تغلّب عليه” هذه المرة، ما يوحي إليك وكأن هناك سباقاً بينهما لتحديد الأسرع في الرد على البريد الإلكتروني، أو كما يرى وائل الموضوع بالنسبة إليه: “من كان الأكثر تجاوبًا” مع رسائل المدير. حتى تأكيدُ مدير وائل بأنّ ما فعله كان الأصوب لم يكن كافيًا لتغيير قناعة وائل حول هذا الأمر.

على الصعيد الفكري، فإن حجة الاقتصار على مهمة واحدة في أي وقت والدراسات المؤيدة لها متينة ومنطقية إلى أبعد حد. لكن الاعتقادات الراسخة والنظرات المناقضة لذلك تغُلّ من قدرتنا لنكون منتجين على الدوام.

البيئات غير الملائمة لتكوين العادات

في كتابه “التغيير الذكي” (Smart Change) يناقش البروفيسور آرت ماركمان السياق المادي والمعنوي الذي يحفز سلوكياتنا: عندما تعتاد سلوكًا معينًا، فإنّ هذا السلوك يغدو “جزءًا” من البيئة والظروف التي اعتدت ممارسته فيها. ورجوعًا إلى المثال السابق، يبرز لدينا سبب آخر يجعل التخلي عن التقلب بين المهام صعبًا ألا وهو أننا أصبحنا نألف التشتت والالتهاء كجزءٍ من بيئتنا التي نعايشها، سواءً كان مصدره هواتفنا الذكية التي نحملها بأيدينا أو الحواسيب القابعة في مكاتبنا أو نظام المكاتب المفتوحة الذي صار نمطًا شائعًا في هذه الأيام. وصار الموظف العادي غارقًا في المشتِتات من رأسه إلى أخمص قدميه طوال يومه إلى درجة أصبح معها الحصول على فرصةٍ للتركيز شيئًا مستغرَبًا.

وبناءً على ذلك، يصعُب تغيير نظام إنتاجية بدون تغيير البيئة التي يعمل فيها، ويصح العكس أيضًا حيث يصعُب الحفاظ على فاعلية نظام قائم إذا ما تغيرت البيئة التي تحتضنه بشكل مفاجيء. على سبيل المثال، إذا تغيرت بيئة عملك من مكتب خاص إلى مكعب تشاركي مع غيرك من الموظفين، فستفاجأ بأن “ما اعتدته” من عمل لفترات طوال بدون مقاطعة قد تم استبداله بـ “عادة” الدردشة مع زملائك المجاورين لك في المكعب.

كما يصعُب الحفاظ على نظام إنتاجية فاعل إن افتقدْتَ البيئة المنتظمة وفق نسقٍ معروف. فأيامُك ستكون مختلفة عن بعضها طوال الوقت. وافتقاد نظام مستقر يشكل مانعًا من تكوين ذلك الرابط بين البيئة والسلوك المرغوب مما يجعل ترسيخ العادات أكثر صعوبة مقارنة بتجاوزها أو تجاهل العمل بها. وفي هذه الحالة عليك النظر بعمق وتفصيل إلى روتين يومك ومحاولة رصد تلك الأمور التي تحصل معك أو تزاولها أنت باستمرار لتتخذ منها مرتكزًا تربط به سلوكاتك الجديدة التي تود ترسيخها. وبذلك تقلل من احتمال انهيار نظام إنتاجيتك الجديد.

خذ مثالاً على ذلك أحد العناصر في نظام الإنتاجية الذي نقوم بتدريسه ويتمثل في الاحتفاظ بلائحة أولويات منسقة بحسب موعد الإنجاز المطلوب اعتمادًا على ما ينظر المتدرب إليه كأولوية ويحرص على إنجازه لا على أهداف الآخرين. حيث يمكننا اعتبار مجرد الوصول إلى المكتب “مرتكزًا” يقود إلى التفكير بمعاينة لائحة المهمات وجعلها تملي أولويات الصباح الباكر على مدار الثلاثين دقيقة التالية عوضًا عن فتح البريد الإلكتروني والانشغال به. وعند الارتباط باجتماعات مبكرة يمكن تبكير الوصول إلى المكتب بثلاثين دقيقة لضمان عدم الإخلال بالفترة المحجوزة لممارسة أولويات المتدرب.

التوتر والتفكير الزائد عن اللزوم

بمجرد اعتياد سلوك محدد، تنتفي الحاجة إلى اتخاذ قرار يتناول تفاصيله حيث يصبح العمل به تلقائيًا. ومع ذلك، فقد يحصل أن تشتد حِدة أحد مرتكزات هذا السلوك سواء على صعيد البيئة المحيطة أو الجانب المادي أو الذهني حتى يخيّل للدماغ أنه أمام موقف مستجد يتطلب منك التوقف وبذل المزيد من إعمال الفكر والعقل بشكل مقصود.

لكن ذلك يعني تمهلاً أكثر وفاعليةً أقل مقارنةً بالانطلاق اعتمادًا على ما كونته من سلوك وعادات. يعبّر مالكوم جلادويل عن هذه الحالة بـ “الاختناق” ويشرحها في كتابه “الأفذاذ” (Outliers) مستعينًا بما حصل مع جانا نوفوتنا في مباراة عام 1993 ضد ستيفي جراف في الجولة الأخيرة من ويمبيلدون (Wimbledon). فحين شارفت المباراة على الانتهاء زادت حدة الضغط وبدأت نوفوتنا بمعاناة التفكير المفصل أكثر من اللازم. وبدلاً من الاعتماد على تلقائية حركات عضلاتها والسلوكيات الذهنية التي طورتها خلال عدد لا يحصى من ساعات التدريب، بدأت نوفوتنا بمحاولة تخمين كل حركة قادمة. وفي منافسة من هذا المستوى، فإن إعمال العقل والتخمين في كل حركة يقود إلى نتائج كارثية.

قد يكون العمل مرهِقًا، وقد نندفع بتأثير من ضغط العمل إلى التفكير بأنّ سلوكيات الإنتاجية التي مارسناها وأثمرت نجاحًا في السابق ستأخذ وقتًا طويلاً أو أنها لن تكون ملائمة لمعالجة الوضع الراهن. وفي هذه الحالة، ستقوم بتحويل كل سلوك اعتدته إلى عمل يحتاج إلى قرار، علمًا أنّ هذه هي الأوقات المثلى للاستفادة من نظام الإنتاجية التلقائي الذي وضعته.

تتمثل الإنتاجية الحقيقية عندما تنجح بتحقيق أهدافك الكبرى على نحو مستمر. وللوصول إلى ذلك، عليك بتطوير وتهذيب نظام الإنتاجية الخاص بك والحرص على الاعتماد عليه على الدوام. فإذا لم تشعر ببلوغك مستوى الإنتاجية الذي تطمح إليه باستمرار، أو كنت تحاول الارتقاء بإنتاجية مؤسستك، فانظر أيًا من العوائق الآنف ذكرها يؤخرك عن إحراز التقدم المنشود.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "العوائق الثلاثة أمام بلوغ المستوى المنشود من الإنتاجية"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
twitter_yalkawy
Member
twitter_yalkawy
1 سنة 11 شهور منذ

الإنتاجية هي في النهاية عادات التفكير الذي يقود الانسان، اذا استطاع الانسان عادات التفكير فيستطيع تغيير حتى البيئة التي حولة.

wpDiscuz