facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
ليس من السهل على رجل أعمالٍ أن يضع قدميه بكل عزم وثبات في عالم الاستثمار التقليدي وعالم الاستثمار الريادي الناشئ معاً. هذه هي التركيبة التي تجمع مواصفات"مستثمر المستقبل" الذي يتولى القيادة في عالم الشركات التقليدية والريادة في عالم الشركات الناشئة.
ما يبرز عند الحديث عن بدر جعفر الذي نعرفه كرئيس لشركة الهلال للمشاريع، أنه ليس مجرد رجل أعمالٍ يستثمر في قطاع النفط والغاز التقليدي فحسب، بل هو أحد الأمثلة الاستثنائية التي يمكن أن تدرّس لما يتميز به هذا المستثمر من مرونة وبصيرة ثاقبة وقدرة على قراءة الحاضر والمستقبل بشكل استباقي و"حصيف" كما يصفه.
اليوم نكشف عبر هذه المقابلة كيف حوّل بدر جعفر "الحمض النووي" لأعماله إلى تركيبة جديدة تحتضن المستقبل بيسر وسهولة ودون اضطراب أو زعزعة (Disruption)، بل وقد أضحى إلى أحد "مزعزعي" قطاع الأعمال المستقبلي، إذ احتوت محفظة بدر جعفر بعض أكبر استثمارات النفط والغاز في المنطقة، وأكبر استثمارات الموانئ في العالم، إلى جانب مجموعة من أكثر الشركات الناشئة تميزاً وابتكاراً في وادي السيلكون ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. فهو اليوم رجل الاستثمار التقليدي في النفط والغاز وإدارة الموانئ وفي الوقت ذاته ريادي صاعد يستثمر في فضاء الابتكار التكنولوجي، من الطائرات بلا طيار والسيارات الكهربائية، إلى تكنولوجيا الجراحة الطبية عن بعد وتقنيات تعلم الآلة وغيرها. فتعالوا لنتحدث إليه:

برأيك، كيف يمكن للشركات والمشاريع في الدول العربية أن تتأقلم مع التغيرات الاقتصادية إقليمياً وعالمياً؟ وهل تقدم استراتيجية التنوع التي تتبناها الهلال للمشاريع نموذج أعمال مثالي لتحقيق الاستدامة على المدى الطويل؟

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

يشهد العالم العربي – كما في العالم أجمع – تطورات وابتكارات تكنولوجية ثورية لم نشهد لها مثيلاً من ذي قبل. فقد جاءت الثورة الصناعية الرابعة بابتكارات تكنولوجية، كإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، أحدَثتْ في مختلف القطاعات تغييرات جذرية تكاد تطمس الخط الفارق بين العالم الحقيقي والعالم الرقمي.

وبالرغم من أن هذا العالم الرقمي سريع التطور قد يعتبر مصدر تهديد لكثير من الشركات في المنطقة، إلا أنه يقدم لها في نفس الوقت فرصة استثنائية للتقدم، لا سيما وأن سوق العمل في المنطقة تستقبل خمسة ملايين عامل جديد سنوياً. فالتغيرات التي تطرأ على نماذج الأعمال التقليدية تتيح فرص نمو هائلة للشركات التي تتمتع بالفطنة والبراعة المهنية. ولأن الابتكار غير مرهون بالقيود الجغرافية، نرى التطورات التكنولوجية تجتاح العالم من كل حدب وصوب، فلم يبقى الشرق الأوسط خارج إطار هذه الصورة؟

ومن هذا المنطلق، تَوَجّهت الهلال للمشاريع نحو توظيف التكنولوجيا عبر الشركات العاملة تحت مظلتها والمختصة بمجالات الموانئ والخدمات اللوجستية، والطاقة والهندسة، والرعاية الصحية، وتركز على الاستثمار في الشركات التكنولوجية الناشئة التي تحدث تغييرات جذرية في محيط الأعمال التقليدي. وهدفنا من ذلك أن نتمكن من تطوير أعمال تتجاوز الحدود الجغرافية، وليس من وسيلة لتحقيق هذا الهدف أفضل من الابتكار وتبني التطورات التكنولوجية.

لقد خصصنا من خلال ذراعنا لرأس المال المؤسسي للشركات، الهلال للمشاريع الناشئة، 150 مليون دولار للاستثمار عالمياً في شركات ناشئة عالية التأثير، مُركّزين على الأعمال القائمة على التكنولوجيا والمشاريع التي تلبي الحاجات المجتمعية والبيئية. وتنفذ الهلال للمشاريع الناشئة أيضاً استثمارات استراتيجية في الشركات التي تختص بتطوير التكنولوجيا التي تتناسب مع مجال عمل الشركات العاملة تحت مظلتنا، ونقدم لهم الفرصة للتوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد بدأنا بالفعل بحصد ثمار توجهنا هذا في سياق عمل العديد من شركاتنا. فعلى سبيل المثال، تستخدم "غلفتينر"، شركتنا التابعة التي تختص بتشغيل محطات الحاويات، حلول إنترنت الأشياء للقطاعات الصناعية من أجل تحسين خدمات مناولة الحاويات في موانئها، مما يقلل من فترات شحن السفن وتفريغها ويعزز من إنتاجية شركات الشحن.

والأهم من ذلك، نتبنى في عملنا منهجية طويلة الأمد تركز على توليد رأس المال وتحقيق الاستدامة وخدمة المجتمعات، وتنبثق من فلسفة مهنية واستثمارية تقوم على الحوكمة المؤسسية والنمو المشترك وممارسات العمل المسؤول. ويكمن في جوهر نموذج النمو الذي ننتهجه هدفُ الاستدامة الذي يوجهنا نحو خلق قيم باقية لجميع أصحاب المصلحة.

لطالما كنت على رأس عدة شراكات استراتيجية مع مستثمرين آخرين، ولا سيما من خلال "بيرل بتروليوم" و"غلفتينر". هل يمكنك أن تخبرنا عن أهمية هذه الشراكات وعن وضعها في عصرنا الحالي الذي يصعب فيه استمرار التعاون المهني في قطاع الأعمال؟

نعيش اليوم في عالم مترابط الأطراف وهذه ظاهرة نشهد تزايدها يوماً بعد يوم، لذلك أصبح تأسيس الشراكات أسهل بكثير مما كان في السابق نظراً لما نتمتع به من سهولة في تدفق المعلومات والدخول إلى الأسواق العالمية من دون أن تشكل الحدود الجغرافية عائقاً. وفي هذا السياق، تُمثِّل الشراكات بيئة عمل خصبة تساعد على تكامل الأدوار والجهود، إذ أنها تسمح لكل طرف من الأطراف بتعزيز العمل المشترك بما يمتلكه من معارف وخبرات. وفي هذه البيئة المشتركة، تزيد فرص تحقيق الأهداف والنتائج الاستراتيجية المنشودة بما يصب في نجاح المشروع. وعند إقبالنا على أي فرصة استثمارية نعمل على تقييم مدى قدرتنا على خلق القيمة التي لا تقتصر على التمويل. ونسعى لتحقيق قيم مستدامة لكافة أصحاب المصلحة عبر تقديم التوجيه الاستراتيجي والتشغيلي ودعمهم بدرايتنا وخبراتنا المالية والسوقية. فعلى سبيل المثال، نستمر بتوفير التوجيه الاستراتيجي لشركة "غلفتينر" التي تأسست في 1976 بخصوص مساعي توسعها والفرص الأخرى التي تستطلعها، وذلك من خلال عضويتنا في مجلس "غلفتينر" التنفيذي ولجنتها الاستثمارية. وبعملياتها في 15 ميناء عبر ثمانية أسواق مختلفة، أضحت "غلفتينر" أضخم شركة خاصة مستقلة لتشغيل موانئ الحاويات وتطويرها في العالم.

هكذا أصبحت "غلفتينر" أضخم شركة خاصة مستقلة لتشغيل موانئ الحاويات وتطويرها في العالم.

وفي 2018، وبفضل الشراكة الراسخة والأداء القوي "لغلفتينر" في "ميناء كانافيرال"، أبرمنا اتفاقية امتياز نتولى بموجبها تشغيلَ وتطوير "ميناء ويلمينغتون" في ولاية ديلاوير والاستثمار فيه لمدة خمسين عاماً، حيث حظينا بدعم عارم من المجتمع المحلي. ومن شأن هذا الاستثمار الذي تبلغ قيمته 600 مليون دولار أميركي تحويل الميناء لأحد أكبر المداخل على الساحل الشرقي الأميركي، ليصبح مشروع "غلفتينر" أكبر مشروع تضطلع به شركة إماراتية في الولايات المتحدة الأميركية على الإطلاق تمخض عن شراكات مبنية على أسس متينة مع كافة أصحاب المصلحة وعلى أهداف مشتركة وأداء قوي.

وفي الشرق الأوسط، كان لشركة "غلفتينر" دور محوري في فتح آفاق الحوار مع شركات القطاع الأخرى بهدف إيجاد حلول للتحديات التي يواجهها قطاع الشحن والخدمات اللوجستية. وإضافة إلى ذلك، نعمل على تحفيز تبني الحلول التكنولوجية التي ستزيد من مستويات الشفافية والكفاءة في نشاطات سلسلة التوريد وتسهل سبل التعاون بين الشركات.

أما بالنسبة لشركة "بيرل بتروليوم"، فهي شراكة استراتيجية بين خمس شركات عالمية تعمل جميعها لتحقيق أهداف مشتركة، أنشئت بموجب اتفاقية أبرمتها نفط الهلال ودانة غاز مع حكومة إقليم كردستان في 2007 منحتهما حقوقاً حصرية لتقييم وتطوير وإنتاج وتسويق وبيع البترول من حقلي خورمور وجمجمال في إقليم كردستان العراق. وتوسع نطاق هذه الشراكة الاستراتيجية التي تأسست في 2009 بين شركتين عندما انضمت إليهما ثلاث شركات أخرى، "أو إم في" و"إم أو إل" و"آر دبليو إي"، بحصة 10 بالمئة لكل منها. وبغضون فترة قياسية لم تتجاوز 15 شهراً فقط من إنشائها، تمكنت محطة خورمور من البدء بإنتاج الغاز. تعكف "بيرل بتروليوم" حالياً على تنفيذ توسعة في محطة خورمور بقيمة 600 مليون دولار أميركي تتضمن إضافة وحدتي إنتاج جديدتين وحفر آبار جديدة لرفع مستويات إنتاج الغاز الحالية البالغة 400 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم لتصل إلى 900 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم بحلول 2022. وقد زاد الإنتاج بفضل هذه التوسعة بنسبة 30 بالمئة بمجموع إنتاج تراكمي يساوي 106,000 برميل نفط مكافئ في اليوم، ما يجعل هذا المشروع أكبر مشروع إقليمي خاص لإنتاج الغاز في العراق. وقد وصل إجمالي استثمار مشروع غاز كردستان حتى اليوم إلى أكثر من 1.4 مليار دولار بإنتاج تراكمي يفوق 250 مليون برميل نفط مكافئ. وأثمر عن هذه الجهود توفير ما يربو على 20 مليار دولار بفضل توليد الكهرباء بالغاز ومنافع اقتصادية أوسع نطاقاً خدمةً لإقليم كردستان والعراق ككل.

ننتقل من الشراكات بين الشركات الكبرى، إلى الشراكات مع رواد الأعمال والتي تساهم بها بقوة. دعني أسألك بداية؛ مع نمو ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هل ترى أن المنطقة قد تتحول "لوادي السيليكون" القادم؟ ومن جهة أخرى، هناك انتقادات متفاقمة للمشاريع العربية الناشئة لكونها منتجات ثانوية أو مكررة لأفكار عالمية، هل تتفق مع وجهة النظر هذه، وما هي الحلول لتصحيح هذا التوجه؟

تشهد منطقتنا نمواً لافتاً في مجال ريادة الأعمال، ومع ذلك إن كنا نسعى لإيجاد حلول تناسب احتياجاتنا المحلية وتعالج التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي نواجهها، ما نحتاج إليه بحق ليس مجرد مركز للابتكار "كوادي السيليكون"، بل علينا أن نوقن أن في العالم العربي تحديات خاصة به، وبالأخص إن نظرنا إلى مستويات بطالة الشباب التي سجلناها والتي هي الأعلى على الإطلاق. ويتعين على المنطقة أيضاً أن تتنوع في مجالاتها لتتمكن من حدّ اعتمادها على قطاع النفط والغاز.

لذلك، ما نحتاج إليه هو نوع جديد من مراكز الابتكار التي تركز على الفرد، أو ما أسميه "بمراكز الأهداف" التي تستطيع أن تسخر قوة الابتكار من أجل خدمة الإنسانية والبيئة التي تحتوينا – مراكز تقدر في سياق نشاطها وأعمالها أن تلبي احتياجات المجتمعات ومشكلاتها بفعالية، ولا سيما ما يتعلق منها ببطالة الشباب وتنمية المهارات واستدامة البيئة وغيرها. ولعل أفضل المشاريع الناشئة وأكثرها استدامة هي التي تعمل لتحقيق أهداف اجتماعية وبيئية أيضاً. ومن هذا المنطلق، نستمر في الهلال للمشاريع بدعم منصة "غزة سكاي غيكس"، وهو مسرع أعمال مقره في فلسطين يعمل بقيادة القطاع الخاص من أجل تمكين المجتمعات التي أضنتها الحروب والنزاعات ويوفر لأفرادها فرص التعليم التكنولوجي تعزيزاً لفرص توظيفهم في هذا المجال.

وصحيح أن مستقبلنا يعتمد على تحديد التحديات الخاصة التي يواجهها عالمنا العربي وإيجاد حلول لها، إلا أن العديد من المشكلات التي تهدف المشاريع الناشئة إلى معالجتها ليست إقليمية حصراً بل تنتشر أيضاً في مناطق ودول أخرى. فأينما كنت في العالم، سواء كنت هنا أو في الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا أو الشرق الأقصى، ستجد أن نماذج الأعمال التقليدية تتأثر بصورة هائلة بالثورة الصناعية الرابعة وموجة الرقمنة، والمشاريع الناشئة الناجحة أياً كان موقعها هي التي تستوعب خصوصيات منطقتها وتلبيها بنموذج أعمال فريد مكيف ليناسبها – ولا يعتبر هذا تقليداً بل هو ممارسات مهنية رشيدة.

هناك العديد من الشركات الناشئة الناجحة في منطقتنا التي تمكنت من تكييف الحلول لتلبية التحديات المحلية، فشركة "كريم" على سبيل المثال تفوقت على أوبر بتوفير نطاق أوسع لوسائل الدفع بما فيها النقدي لتتماشى مع التوجه السائد محلياً، وتعاونت أيضاً مع المجتمعات التي تعمل ضمنها لتوفير فرص العمل لأفرادها.

ومن أصعب التحديات التي تواجهها مجتمعات هذه المنطقة هي الحصول على رعاية صحية منتظمة. ومن هذا السياق انبثقت شركة "فيزيتا"، وهي شركة ناشئة استثمرنا مؤخراً بها توفر منصة رقمية لحجز المواعيد الطبية وتتيح للمرضى إيجاد الأطباء وحجز المواعيد بغضون دقائق، وتوفر نطاقاً واسعاً من الخدمات الصحية. وبصورة خاصة، توفر "فيزيتا" للمرضى المجال لاختيار الطبيب الذي يرغبون بزيارته وفقاً لمعايير مختلفة في حين يستطيعون ترك تعليقاتهم بخصوص تجربتهم على المنصة، لتكون "فيزيتا" بذلك قد غيرت طبيعة العلاقة ما بين المرضى ومقدمي الخدمات الصحية. وقد تمت عبر منصة "فيزيتا" التي تأسست في مصر 3 ملايين من الحجوزات الطبية، وتعمل الشركة حالياً على التوسع في المملكة العربية السعودية.

لا نقتصر في توجهنا على معالجة التحديات المحلية لوحدها بالطبع، فمن أهم المعايير التي ننظر بها عند الاستثمار في الشركات الناشئة هي مدى قدرة هذه الشركات على التوسع عالمياً. فعلى سبيل المثال، استثمرنا في شركة "كيتوبي"، وهي شبكة مطابخ ذكية تتولى إعداد وتوصيل الوجبات والطلبات بالنيابة عن المطاعم. ولدعم سلاسل المطاعم في سعيها لتكثيف خدمات التوصيل، تساعد "كيتوبي" المطاعم على إضافة أفرع تختص بالتوصيل بصورة سريعة ومعقولة التكلفة. وقد بدأت الشركة بالتوسع في المملكة المتحدة وغيرها من الأسواق الدولية.

ما نحتاج إليه في المنطقة هو نوع جديد من مراكز الابتكار التي تركز على الفرد أو ما أسميه "بمراكز الأهداف."

أطلقت الهلال للمشاريع مؤخراً ذراعاً لرأس المال الاستثماري المؤسسي بهدف دعم الشركات والمشاريع الناشئة عبر كافة مراحلها. ما هو الأثر التي تتوقع أن تحدثه من خلال هذه المنصة المؤسسية الجديدة وما هي الرؤية التي تمتلكها للمنصة على المدى البعيد؟ وما المعايير التي تتبعها عند استثماركم في شركة ناشئة بأولى مراحلها في المنطقة؟

اتخذنا على عاتقنا في أواخر عام 2017 تكثيف استثماراتنا في المشاريع والشركات الناشئة عالية التأثير على مستوى العالم واعتزمنا أيضاً تنويع محفظة أعمالنا، وذلك من خلال ذراعنا لرأس المال الاستثماري المؤسسي، الهلال للمشاريع الناشئة، مع التركيز على الشركات القائمة على التكنولوجيا والابتكار. يقدم رأس المال الاستثماري المؤسسي للشركات القائمة مدخلاً إلى الأسواق الجديدة ويساعدهم على تنويع محفظة أعمالهم وإدخال أحدث التطورات والابتكارات التكنولوجية إلى مجالهم، كما يعزز أداءهم فيما يتعلق بالاستدامة ويوفر لهم بديلاً حيوياً لنماذج البحث والتطوير التقليدية المتبعة لديهم. وبالنسبة للشركات والمشاريع الناشئة، لا تقتصر إيجابيات رأس المال الاستثماري المؤسسي على التمويل الرأسمالي الذي يتسم بالفعالية والمرونة والصبر، بل وتتمثل أيضاً بمساعدة هذه الأعمال على تحقيق أعلى مستويات الجودة بفضل ما تقدمه الشركات المستثمرة من خبرات وفرصٍ لطرح خدمات ومنتجات هذه المشاريع الناشئة لعملاء محتملين.

تستهدف الهلال للمشاريع الناشئة في استثماراتها عدداً من المجالات التكنولوجية الرئيسية ومن بينها الرعاية الصحية والتكنولوجية المالية وإدارة سلاسل التوريد والتكنولوجيا الاستهلاكية والحلول التكنولوجية الجديدة، حيث تعتزم استثمار 150 مليون دولار بحلول 2020. وقد تعهدنا أيضاً بتخصيص 50 بالمئة من مجموع رأس المال لدعم الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لإيماننا بأهمية ما تشكله هذه الشركات الناشئة من أهمية لتنشيط الاقتصادات المحلية ومعالجة تحديات المستقبل.

ونركز في توجهنا على الشركات التي تشكل أهمية استراتيجية لمحفظة أعمالنا الحالية. فعلى سبيل المثال، استثمرنا بشركة مقرها "وادي السيليكون" تختص بتكنولوجيا الطائرات بلا طيار وتستخدم تكنولوجيا الرؤية الحاسوبية لاستنباط البيانات على مسافات قريبة ومراقبة البنية التحتية بدقة باستخدام روبوتات جوية، وهي تكنولوجيا يمكن تطبيقها في الشركات العاملة تحت مظلتنا في مجال البنية التحتية للطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية. ونحن حريصون أيضاً على التوسع في الأسواق وقطاعات العمل الجديدة ونسعى إلى توسيع مدخلنا إلى أحدث الابتكارات والتطورات في القطاع التكنولوجي ونماذج الأعمال.

وقد استثمرت الهلال للمشاريع الناشئة 61 مليون دولار أميركي لدعم 20 شركة ناشئة وصندوق رأس مال استثماري في الولايات المتحدة الأميركية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا. ومن بين الشركات التي استثمرنا فيها مؤخراً "فريش تو هوم" التي تعد أكبر متجر إلكتروني للحوم الطازجة والأغذية البحرية في الهند، والتي تدعم الصيادين واللحامين المحليين بمنحهم منفذاً إلى قاعدة عملاء أوسع. واستثمرنا أيضاً بشركة ColubrisMX التي تعمل على تطوير روبوت متطور يختص بإجراء العمليات الجراحية الدقيقة ويحد من التدخل الجراحي، وXCath التي تبتكر الجيل القادم من أجهزة القسطرة الروبوتية الدقيقة والقابلة للتوجيه – وقد يكون لهذين الابتكارين دور محوري في معالجة الأمراض والحالات الصحية المهددة للحياة. وتقدم الهلال للمشاريع الناشئة أيضاً الدعم لشركة EdCast وهي شركة مقرها في "وادي السيليكون" تساعد الشركات والمشاريع في تبني حلول التعلم القائمة على الذكاء الاصطناعي، ونستطلع في الوقت الحالي فرص توسع هذه الشركة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

استثمرت الهلال للمشاريع الناشئة في 20شركة ناشئة وصندوق رأس مال استثماري في الولايات المتحدة الأميركية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وفقاً لمقال صدر عن "هارفارد بزنس ريفيو"، تظهر الدراسات أن التحدي الأكبر الذي يواجهه قطاع ريادة الأعمال لم يعد يتمثل بالتمويل، بل بغياب "الجدوى". هل تجد أن هذا ينطبق أيضاً على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

صحيح أن مسألة التمويل ما تزال مشكلة شائكة بالنسبة للمشاريع الناشئة، إلا أننا نلاحظ بلا شك تزايد مستويات التمويل في المنطقة. ففي العام الماضي، ارتفع إجمالي الاستثمارات في المشاريع الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفاعاً حاداً بنسبة 31 بالمئة فوصلت إلى 893 مليون دولار، لتكون المنطقة قد وصلت لأعلى مستويات تمويل حققتها على الإطلاق وفقاً لبيانات MAGNiTT. يُبرِز تزايد مبادرات رأس المال الاستثماري المؤسسي في المنطقة إدراك القطاع الخاص لأهمية دعم مجال ريادة الأعمال. تستفيد المشاريع الناشئة في المنطقة أيضاً من سعي الحكومات على المستوى الإقليمي لتنويع اقتصاداتها والحد من اعتمادها على القطاع النفطي وكذلك لجعل الابتكار عنصراً محورياً في الاستراتيجيات الوطنية، وخير مثال على ذلك الخطط التنموية التي تتبناها الحكومات مثل "رؤية الإمارات 2021″ و"رؤية المملكة العربية السعودية 2030" والتي تساعد على خلق بيئات محفزة للابتكار.

وأعتقد أنه حتى وإن أصبح الحصول على التمويل أسهل مما كان سابقاً، ما يزال رواد الأعمال الناشئون بحاجة إلى إقناع المستثمرين بجدوى الاستثمار بأفكارهم ومشاريعهم، وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للعديد منهم، فمن بالغ الأهمية صياغة خطة واضحة مدروسة لاستقطاب الدعم والتمويل، وهناك العديد من المشاريع الناشئة التي تفشل لأنها لا تركز على تلبية احتياجات معينة في السوق أو أنها لا تعمل على حل مشكلة محددة أو لا تمتلك ما يكفي لتتميز عن غيرها من المنافسين.

يتعين على المشاريع الناشئة أن تتحلى بالقدرة على التطور والتميز في سوق مزدحمة بالمشاريع والأفكار. لذا، أطلقت الهلال للمشاريع حاضنتها المؤسسية الهلال للمشاريع الابتكارية في 2015 بهدف ابتكار أعمال وتطويرها لتصبح شركات قادرة على تحقيق الأرباح وخلق آثار اجتماعية مستدامة. وعلاوة على ذلك، نطمح إلى تطوير أعمال تتجاوز الحدود الجغرافية وتلبي الاحتياجات الإقليمية ولديها القدرة على النمو والتوسع على المستوى العالمي.

"كافا آند تشاي" هي من أوائل المشاريع الناشئة التي أسستها الهلال للمشاريع الابتكارية، تختص بمجال الأغذية والمشروبات وتصبو إلى الاحتفاء بأصالة الثقافة العربية المرتبطة بشرب القهوة ونشرها على نطاق عالمي، وتعتمد على توظيف التكنولوجيا والموارد المسؤولة لتضمن استمرارية أعمالها وتقديم خدمات تلبي احتياجات عملائها. أطلقت الشركة في 2018 ثلاثة فروع وتعمل حالياً على إطلاق فرعين جديدين قريباً. وبهذه الإنجازات والمساعي، تسعى "كافا آند تشاي" إلى الارتقاء بالثقافة العربية عالمياً عبر التوسع في الأسواق الدولية بما فيها المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

"إيون" هي شركة أخرى أسّستها الهلال للمشاريع الابتكارية بالتعاون مع مؤسسة "بيئة"، وهي شركة تختص بتوفير وسائل النقل المستدامة قامت بنشر أساطيل من المركبات الكهربائية لتعزيز شبكة النقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيضم هذا المشروع المشترك الذي يتم تنفيذه على مراحل والذي سيُستَكمل في 2020 توفير دراجات سكوتر ودراجات كهربائية، ويتماشى مع مبادرة تأسيس إطار عمل تنظيمي يوجه مساعي نشر وسائل النقل المستدامة في الأسواق المستهدفة. وقد طورت حاضنتنا المؤسسية كذلك مشروع "شمال" الذي يبتكر ألبسة تناسب القطاعات الصناعية وتعتمد على حسّاسات تراقب مستويات أداء وصحة عمّال البناء الذين يعملون في المناخات الحارة كالتي تتسم بها منطقة الشرق الأوسط. وتتيح هذه الحساسات لفِرَق الإدارة مراقبة العلامات الحيوية لعمّالهم والتجاوب بسرعة مع الحالات الخطرة فور وقوعها.

لقد أشرت في مقال سابق لك إلى أهمية تعاون قطاع الأعمال مع المؤسسات التعليمية، وكان مثالك على ذلك نقل مقر شركة "جنرال إلكتريك" إلى بوسطن المعروفة بجامعاتها. وبالنظر إلى خبرتك وتعاونك الوثيق مع الجامعة الأميركية في الشارقة، بم تنصح قطاع الأعمال في المنطقة للتوفيق ما بين مخرجات التعليم والمتطلبات المهنية في سوق العمل؟

أرى أن هناك حاجة مُلحّة لتكثيف التعاون بين قطاع الأعمال والمؤسسات الأكاديمية على المستوى الإقليمي لتحديد احتياجات رأس المال البشرية في المستقبل والمساهمة في توفير الخبرات التعليمية التي ستمكن طلاب اليوم من تلبيتها. وبالتكيّف مع الأسواق المتغيرة، سيصبح بالإمكان فتح آفاق الحوار بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، مما سيساعد على توفير بيئة تدعم الابتكار وتتجاوب مع الاحتياجات المتغيرة في السوق.

تقدم الهلال للمشاريع الدعم لعدد من المبادرات بالتعاون مع الجامعة الأميركية في الشارقة التي تهدف إلى سد الفجوة بين المجال الأكاديمي و"الواقع المهني" وإلى دعم ريادة الأعمال الاجتماعية. ومن ضمن هذه المبادرات مبادرة ريادة أعمال الشباب لدى الجامعة الأميركية في الشارقة التي نقدم في سياقها خبراتنا لطلاب الجامعة من خلال ورشات عمل وندوات، ونشارك أيضاً في لجنة تحكيم مسابقة يعرض فيها الطلاب أفكارهم ومشاريعهم الناشئة ويحصل الفائزون فيها على التمويل الأولي لتطوير أفكارهم.

وتعاونّا كذلك مع "شراع"، وهو مركز لريادة الأعمال في الجامعة الأميركية في الشارقة يقدم الدعم للطلاب الذين يتحلون بالشجاعة والروح التواقة لريادة الأعمال والابتكار. ويعكف البرنامج المختص بريادة الأعمال الاجتماعية لدى المركز على بناء بيئة محلية وإقليمية تحتضن ريادة الأعمال المستدامة والشمولية. ويضم هذا البرنامج التجريبي الذي سيستمر لعامين عشر أنشطة توجيهية لرواد الأعمال الشباب وثلاثة تحديات تشجع الطلاب على التعاون في تطوير تطبيقات مبتكرة لخدمة المجتمعات. وبالإضافة إلى ذلك، ينظم مركز "شراع" برامج "آيدياثونز" لابتكار الأفكار المتميزة، وهي برامج تستمر لأسبوعين يشارك فيها رواد الأعمال الطموحين ليختبروا أفكارهم ويبرزوا جدواها وفعاليتها، مما يساعدهم على صقل أفكارهم وتحسينها وتطوير نماذج تجريبية متطورة لمشاريعهم.

ومن الأمثلة التي تجسد الدور الجوهري الذي تؤديه الجامعات في تعزيز ريادة الأعمال مركز "دروزة لإدارة الابتكار وريادة الأعمال" في الجامعة الأميركية في بيروت والذي أشارك في عضوية مجلسه الاستشاري الدولي. يهدف هذا البرنامج إلى رفع مستوى الابتكار في مجتمع الأعمال الإقليمي وإلى دعم رواد الأعمال الشباب والطموحين من خلال إقامة مسابقة سنوية تمكنهم من طرح أفكارهم ومشاريعهم. وبالإضافة إلى ذلك، وبصفتي عضواً في المجلس الاستشاري "لكلية جادج للأعمال" في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، لمست الأثر العظيم لمركز ريادة الأعمال في الكلية الذي يدعم رواد الأعمال الطموحين في تطوير مشاريعهم الناشئة ضمن محيط كامبريدج وخارجه أيضاً.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى "استراتيجية دبي للمناطق الجامعية الحرة" التي أطلقها الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، والتي تعتبر مبادرة يحتذى بها ستساهم بدفع عجلة ريادة الأعمال في المؤسسات الأكاديمية ودعم الإمكانيات الابتكارية الفذّة التي يمتلكها قادة المستقبل.

وقد أسسنا في 2013 شراكة مع مؤسسة "التعليم من أجل التوظيف"، وهي شبكة دولية من منظمات غير ربحية تسعى لخلق فرص التوظيف للشباب العاطلين عن العمل في المنطقة. وبصفتنا مؤسسين وداعمين من منطقة الخليج، نقدم لهذه المنصة التوجيه الاستراتيجي المتواصل ونساعدها في بناء العلاقات والصلات، ونستطلع كذلك سبل تعاونها مع مجموعة شركات الهلال لتوفير فرص العمل والتدريب للشباب العرب.

الجمعيات الخيرية مازالت تفتقر للإفصاحات العامة والحوكمة في منطقتنا ونعمل عبر مبادرة بيرل أيضاً لتشكيل مجلس خليجي للأعمال الخيرية

بدر جعفر، تعتبر مناصراً قوياً لترسيخ الحوكمة المؤسسية في القطاع الخاص، من الشركات الناشئة وحتى الإمبراطوريات المؤسسية الضخمة. لم أنت مهتم بتعميم ثقافة الحوكمة في منطقتنا؟

غالباً ما يُنظر للحوكمة المؤسسية على أنها أداة تُفاقِم البيروقراطية. صحيح أنها منظومة من إجراءات المراقبة والموازنات، إلا أنها أيضاً مورد تنظيمي مهم جداً ومصدر جوهري لخلق القيمة في أي منظمة كانت. وبصفتنا عضواً مؤسساً وشريكاً بمبادرة بيرل، تلتزم الهلال للمشاريع بمهمة التشجيع على تبني معايير الحوكمة المؤسسية الرشيدة في المنطقة.

إن طُبقت الحوكمة المؤسسية بفعالية، قد تكون عاملاً محورياً لتعزيز تنافسية الشركات أياً كان نوع أو حجم أعمالها. وعلاوة على ذلك، يمكن للحوكمة المؤسسية أن تشكل منظومة ريادة أعمال فعالة في المنظمات وأن تضمن لها بنفس الوقت الاستخدام الصحيح لرأس المال. ويجب أن تكون الحوكمة المؤسسية حجر الأساس الذي يعتمد عليه نجاح أي شركة، بما فيها الشركات الناشئة، بل وهي أشد أهمية في المراحل الأولى من أي شركة أو مشروع إذ أنها تضمن إرساء روافد صحيحة وراسخة تمكّن هذه الشركات من النمو بعزم وترنو بها إلى أعلى مستويات النضج والبراعة المهنية.

وفي منطقة الشرق الأوسط، تُعتبر الحوكمة المؤسسية عنصراً بالغ الأهمية بالنسبة للشركات العائلية التي تولد 85% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي على المستوى الإقليمي. وكما كنت قد أشرت سابقاً، ستنتقل ممتلكات وثروات الشركات العائلية، والتي تزيد قيمتها على ترليون دولار، للجيل التالي في غضون السنوات الخمس إلى العشر المقبلة. وإن لم يكن لهذه الشركات نظام راسخ وقوي من ممارسات الحوكمة المؤسسية، فمن المحتم إذن أن تتمخض عن ذلك مشاكل ونزاعات وضياع حاد للقيم.

واليوم، ومع مبادرة بيرل، أضحت الحوكمة المؤسسية موضوع نقاش محوري بالنسبة للعديد من قادة الأعمال في المنطقة. وتمكنت المنظمة من تحديد أهم التحديات في مجال الحوكمة التي تؤثر على مجتمع الشركات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات غير الربحية، وتمكنّت أيضاً من تناول الصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص، من التنوع وحتى النزاهة والفساد. وقد أسست مبادرة بيرل إلى اليوم ما يقارب 40 شراكة مع منظمات ومؤسسات عالمية وإقليمية تعمل في قطاعات متنوعة، منها "أرامكو السعودية" و"سابك" و"بيبسي" و"تداول" و"سيمنز" و"بي دبليو سي" والكثير غيرها.

هناك عدد كبير من الشركات والمشاريع الناشئة التي كانت تمتلك مقومات كبيرة للنجاح إلا أنها فشلت بسبب افتقارها لأنظمة الحوكمة في مراحل نموها.

وبالنظر إلى مجتمع الشركات الصغيرة بالتحديد، هناك عدد كبير من الشركات والمشاريع الناشئة التي كانت تمتلك مقومات كبيرة للنجاح إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في النمو والتوسع بسبب افتقارها لأنظمة واضحة للتعامل مع صعوبات الحوكمة في مراحل نموها. ومن هذا المنطلق، تولي مبادرة بيرل اهتماماً خاصاً بتعزيز الحوكمة المؤسسية في الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة نظراً لدور هذه الشركات الجوهري في خلق فرص العمل ودفع عجلة النمو. وهي تعكف في الوقت الحالي على تنفيذ برنامج يستمر لثلاث سنوات يهدف إلى الارتقاء بتنافسية الشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة.

لقد خصصت مبادرة بيرل برنامجاً للحوكمة المؤسسية للقطاع الخيري وغير الربحي بالتعاون مع مؤسسة "بيل ومليندا غيتس فونديشن" يهدف إلى مساعدة قطاع الأعمال الخيرية على حصد نتائج أفضل في المنطقة. برأيك، ما مدى صعوبة إحداث التغيير في قطاع لطالما عمل من دون نظام حوكمة مناسب؟ وكيف تُخطط للمضي قدماً في هذا البرنامج وتطويره؟

يواجه قطاع العطاء تحديات صعبة تعرقل مسار التغيير فيه – ولكنه من جهة أخرى مليء بالفرص الواعدة. يتميز مجتمع هذه المنطقة برغبة شديدة تدفعه إلى فعل الخير، ومن العطاءات الخيرية التي يتم تقديمها من هذا المنطلق ما يُمنح ضمن السياق الديني بصورة زكاة المال، بالإضافة إلى الصدقات التي تساهم بها غالبية العائلات الثرية في الخليج. وتصل قيمة التبرعات الخيرية الممنوحة من أكبر 100 شركة عائلية في الخليج إلى 7 مليارات دولار سنوياً، في حين تبرز دولة الإمارات من ضمن الدول التي تسجل أعلى نسبة تبرعات وعطاءات عن كل فرد. تُسْتَثمر في الوقت الحالي مبالغ ضخمة لتنفيذ أعمال ومبادرات خيرية في المنطقة، وإن عَمِلنا على تعظيم نتائجها، قد نتمكن من إحداث تغييرات جذرية في أهم القطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف.

ومن جهة أخرى، أبرز استبيان نشرته مباردة بيرل العام الماضي مستويات القلق لدى مجتمع المانحين بسبب ميول المنظمات الخيرية وغير الربحية لمشاركة معظم معلوماتهم داخلياً فقط، وعدم مشاركتها مع الجهات المانحة والعامة، كتقارير سنوية وإفصاحات على المواقع الإلكترونية مثلاً. وقد اعتبر أكثر من 80 بالمئة من المانحين أن وجود مجلس فعال في المنظمة المتلقية للتبرعات معيار رئيسي عند اختيارهم لمنظمة خيرية للتبرع.

وقد أطلقت مبادرة بيرل برنامج "الحوكمة المؤسسية في قطاع العطاء" العام الماضي انطلاقاً من إيمانها بأن ارتفاع مستويات الثقة والشفافية يساهم بتعزيز الآثار التي تثمر عن المبادرات الخيرية. لذلك، هدف هذا البرنامج الممتد على مدى ثلاث سنوات إلى تأسيس أطر حوكمة مؤسسية فعالة وعالية الكفاءة في بيئة الأعمال الخيرية والمنظمات غير الربحية في منطقة الخليج، وإلى تقييم آثار هذا المجال من خلال اكتساب فهم واف للدوافع والطرق التي توجه الأفراد والشركات والشركات العائلية والجمعيات وغيرها من المنظمات، في تبرعهم وتنفيذهم للمبادرات والبرامج الخيرية.

أما المرحلة الثانية من البرنامج، فترمي إلى مشاركة المعارف العملية ووجهات النظر فيما يتعلق بتنفيذ أطر متينة للحوكمة المؤسسية والتحفيز على تبنيها في هذا القطاع. وتسعى مبادرة بيرل إلى تحقيق ذلك عبر إقامة ورشات عمل وتوفير أدوات وتوجيهات إرشادية من شأنها أن تساعد المنظمات على تحسين الممارسات التي تتبعها في هذا السياق. وتعمل مبادرة بيرل أيضاً على تشكيل مجلس خليجي للأعمال الخيرية يضم أهم وأبرز الشخصيات الفعالة بهذا المجال ليكونوا أمثلة يحتذى بها في تبني أفضل الممارسات التي ستعزز من فعالية مجال العطاء على المستوى الإقليمي.

كيف يمكن لقطاع الأعمال والمستثمرين التعامل مع ظروف السوق الحالية المتغيرة بسرعة في ظل تحديات الاقتصاد الكلي المنتشرة على مستوى العالم، وما هي تطلعاتك بالنسبة للبيئة الاقتصادية المستقبلية؟

يشهد العالم تغيرات سياسية واقتصادية وتكنولوجية بمستويات ووتيرة لم نشهد لها مثيلاً. ومع النزاعات التجارية المتصاعدة والتوجهات الشعبوية والقومية وما يتمخض عنها من توترات جيوسياسية في مناطق متعددة، فلا شك إذن بأن الاقتصاد العالمي سيواجه تحديات وعقبات جمّة على المديين القصير والمتوسط.

ولكن في المقابل، يمكن الاستفادة من هذه الظروف وتحقيق عوائد مستقرة من خلال الاستثمار في القدرات الأساسية والبنية التحتية الاستراتيحية، وفي حال تدهور الاقتصاد، تستطيع الأعمال الحصيفة تدارك الوضع والتجاوب معه بفطنة وسرعة لتحافظ على مستويات نموها.

إن التقلبات الاقتصادية واقع لا مفر منه، لكنني استنتجت أن الحفاظ على منهجية استثمار منظمة طويلة الأمد تقوم على أهداف وقيم مستدامة غالباً ما يؤدي إلى نتائج إيجابية. وإنه لمن بالغ الأهمية للأعمال أن تركز على أمرين: الحفاظ على مرونتها على المدى القصير وتحقيق القيم على المدى البعيد. وصحيح أن ردود الأفعال عند تدهور الأوضاع قد تكون في الغالب دفاعية، إلا أن هذه الظروف الصعبة قد تشكل بحد ذاتها فرصاً للتقدم تستطيع الشركات الاستفادة منها بنبذ الموقف الدفاعي والسعي بفعالية لتحسين مستويات كفاءتها وتسريع وتيرة التغيير المطلوب وتبني منظور تنافسي طويل الأمد.

لا يغيب عنا أن التوقعات الاقتصادية ليست بالإيجابية، لكن علينا ألا ننسى أننا في خضم تحولات جذرية تحدث على نطاق عالمي وبمستويات غير مسبوقة، لاسيما مع ما نشهده من ابتكارات وتطورات تكنولوجية تعيد رسم معالم جميع القطاعات الاقتصادية. وإن تمكنّا من تبني هذه التطورات بفعالية ووضعنا في قلب استراتيجياتنا المهنية أهدافاً لخدمة مجتمعاتنا، سننجح عندها بتسخير التكنولوجيا من أجل تحقيق أفضل النتائج من مواردنا الحالية وبتحريك إمكانياتنا الكامنة وخلق القيمة عبر اقتصاداتنا كافة، وهذه برأيي خطوات إيجابية وواعدة للسعي قدماً نحو مستقبل من النمو المستدام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!