تابعنا على لينكد إن

في مرحلة ما من حياتك، تتعرض لبعض المصادفات في العمل، يُعهد إليك فيها تطبيق استراتيجية ما، وهذه الاستراتيجية قام بتطوريها شخص آخر سواك. حينها تكون وظيفة المدير تطبيق تلك الاستراتيجية، والتأكد من أنّ فريقه أو وحدته أو قسمه ينفذها بشكل جيد. لكن ماذا إن راودك الشك حيال الاستراتيجية التي يُطلب منك تطبيقها، وشعرت بأنها تشتمل على خلل ما؟، سيجعلك ذلك تعتقد بأنّ الاستراتيجية لن تحقق النتائج المطلوبة، أو يتعدى الأمر إلى شيء أسوء، ويُعرض الشركة للخطر. وبغض النظر عن قلقك الشديد، وواجبك الذي يحتم عليك التعبير بوضوح عن الأخطاء تلك، لا يُعتبر أمراً مستحباً دائماً في مثل هذه الحالات إطلاق إنذار الخطر المباشر لسحب الاستراتيجية، فربما يُصنفك ذلك على أنك إنسان مثير للقلق. لذا من الهام جداً أن تُعبّر عن هذا القلق بطرق إيجابية. كما يجب عليك التصرف بحرص ودراية، وبذلك تجعل الجميع يُصغي إليك، وفي الوقت ذاته، تُنقذ فريقك، ووقت الشركة، وطاقتها، وأموالها.

ما يقوله الخبراء

يُعتبر تطوير الاستراتيجية من العمليات الصعبة، التي تستلزم وقتاً مكثفاً، وتتسم بالفوضوية غالباً. ولا تكون النتائج فيها بذلك الكمال المرجو. من جهة أُخرى، أنت مُلزم كموظف صالح ضمن مؤسستك التصرف في حال لاحظت خللاً ما في استراتيجيتها. فتقول ليندا هيل ( Linda Hill) الأستاذة الجامعية الحاصلة على امتياز والاس بريت دونهام لإدارة الأعمال، في كلية هارفارد للأعمال، ومؤلفة كتاب “أن تصبح مديراً: كيف يتغلب المدراء الحديثون على تحديات القيادة” (Becoming a Manager: How New Managers Master the Challenges of Leadership): “على أي شخص يشعر بالالتزام تجاه مؤسسته، أن يطرح الأسئلة ويُزيل الالتباس”. من ناحية ثانية، أنت بحاجة للتقدم في هذا الصدد بحذر. حيث يُحذر دون سول (Don Sull) الأستاذ الجامعي في تطبيق الإدارة ضمن الإدارة العالمية  والاستراتيجية، ومدير التعليم التطبيقي في كلية لندن للأعمال ومؤلف كتاب “الاتجاه الصاعد للاضطرابات” (The Upside of Turbulence) قائلاً: “إنّ قولك: “هذا غباء، وهذا خطأ، لن يساعدك على الإطلاق”. فقبل أن تصرخ قائلاً: “هذه استراتيجية خاطئة”، اتبع الخطوات التالية، لتفهم حقاً، ما هي الأمور التي على المحك، وتكتشف حقيقة دوافعك:

1التشخيص: فهم الصورة كاملة

عادة ما تتشرب استراتيجية المؤسسة المشاكل السياسية المعقدة. لذلك قبل أن تُعبّر بوضوح عن الأخطاء، حاول تفهم الوضع الذي طُورت فيه الاستراتيجية. فكما يشير غاري نيلسون (Gary Neilson) الشريك الرئيسي في مؤسسة بوز وشركاه (Booz&CO)، ومؤلف مشارك لكتاب “نتائج: حافظ على ما هو جيد، وأصلح ما هو خاطئ، وأطلق العنان للأداء العظيم” (Results: Keep What’s Good, Fix What’s Wrong, and Unlock Great Performance) قائلاً: “العديد من الأشخاص ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يُعتبرون هم فقط الاستراتيجيين المعنيين للشركة”. لذا لا تفترض بأنك تعرف كيف أو لماذا طُورت الاستراتيجية. واستخدم شبكة معارفك، لتعرف أكثر عن العملية والافتراضات التي اُستخدمت في تطوير هذه الاستراتيجية. أما بالنسبة لهيل، فإنّ شبكة المعارف الجيدة سوف تعود بمعلومات ونصائح مفيدة، إذا كانت تشتمل على مجموعة متنوعة من الأشخاص، الذين يتمتعون بوجهات نظر مختلفة، وهذا ما تدعوه هيل: “مجلس الإدارة الشخصي”. إذن، قم بإرسال مستطلعين ليحصلوا على مزيد من المعلومات حول الخلفيات وراء هذه الاستراتيجية لمعرفة الغرض المقصود منها. واعمل على فهم المشكلة، التي يريد قادة الشركة حلها، عن طريق الاستراتيجية الحالية، وما إذا كان هناك تحول في الأولويات، لم تعلم بها مسبقاً. فاكتساب لمحة حول ما دخل في تطوير هذه الاستراتيجية، يساعدك في تحديد الأسباب الكامنة  وراء مخاوفك تلك.

2 التفكير بإمعان: ضع قلقك ضمن حدوده الواقعية

عندما يتعلق الأمر بالاستراتيجية، فإنّ فكرة الخطأ والصواب تتعلق بوجهة نظر صاحبها نفسه تجاه الأمر. إذ يقول سول: “عند تطبيق استراتيجية على مستوى عال من الجودة وبأسلوب ممتاز، ينتج لدينا استراتيجية لا تحقق من جودتها في الواقع ولا في أقصى الحالات، سوى نسبة تسعة من عشرة”. ومنه، ولعدم وجود استراتيجية منيعة، ستشعر دوماً بتلك الأشياء التي يجب أن تكون مختلفة بشكل ما. على الرغم من ذلك، لا تتطلب منك تلك الأشياء التمرد بالضرورة . ويشجع نيلسون الموظفين المعنيين  ليسألوا أنفسهم: “هل توقعت توجهاً مختلفاً في الاستراتيجية؟، أو تعتقد بأنّ التحليلات، والحقائق، والعمليات، التي استخدمتها الشركة تشتمل على خلل ما؟”. عليك معرفة أنّ مهمتك تتمثل في فهم أيّ من الأسباب التي تُولّد قلقك وتُعتبر حاسمة، وأيّ منها تُعد مجرد نتيجة اختلاف في الآراء.

ومن المهم أيضاً، أن تسأل نفسك ما إذا كان استخدامك لاعتراضاتك تلك مجرد مبرر كي تتجنب الخوض بشيء صعب. فيقول سول: “يستخدم المدراء الفرعيون الاستراتيجيات غير الكاملة، كعذر من أجل ألا يتخذوا المبادرة فيها”. كما يُعد مسبب قلقك الأول، هو رفضك للتغيير، أو انزعاجك لعدم شملك في عملية تطوير الاستراتيجية. ولعله من الأفضل أن تعرف السبب الحقيقي لقلقك قبل أن تُعبر عنه بوضوح وبشكل معلن. وإذا استمر قلقك بعد قيامك بعملية بحثك كاملة وتحديدك لدوافعك الحقيقية، فقد حان الوقت المناسب للتعبير عن قلقك هذا كلامياً.

3التعبير بوضوح: تقدم بحذر

توجه إلى مديرك المباشر، وشاركه مخاوفك، ربما لا يكون مديرك جزءاً من عملية تطوير الاستراتيجية، لكن نأمل أن يكون على علم بخلفية الاستراتيجية. وعليك التأكد من إجراء هذه المحادثة بخصوصية تامة ( انظر إلى تجربة ليندا هيل في دراسة الحالة رقم 2 في الأسفل).

خذ وضعية الاستجواب وقم بطرح الأسئلة، إذ يمكنك عن طريق مساعدة مديرك، فهم السبب الحقيقي لاختيار المؤسسة هذه الاستراتيجية، حيث تستطيع  طرح أسئلة مثل: “ما هي الفرضيات وراء هذه الاستراتيجية؟، أو هل يمكنك تفسير لماذا يُعد هذا الجزء من الاستراتيجية  مهماً؟، أو ما المدى الذي يسمح لنا بتعديل الاستراتيجية خلاله لتناسب واقع السوق المحلي؟

من المهم عندما مشاركة مخاوفك تقديم بيانات تدعم أسئلتك المطروحة في الدرجة الأولى خلال قيامك ببحثك، وأن تكون هذه البيانات جاهزة. كما يمكنك جعل هذه المحادثة ناجحة عن طريق طرح حلول بديلة تساعد في تخفيف المخاطر التي تراها في الاستراتيجية. وإياك أن توجه الاتهامات لمديرك، أو تحمله المسؤولية. بل يجب أن توضح له بأنك لا تضع منصبه محل استجواب، لكن تحاول أن تفهم بشكل أفضل الاستراتيجية التي طُلب منك تطبيقها.

متى يجب أن تتمسك برأيك، ومتى يجب أن تتخلى عنه؟

بعد القيام بكل الخطوات السابقة، إذا استهجن الجميع مخاوفك أو تسببت بالخلافات، يكون حان الوقت لحسم معركتك. إذ يقول سول: “إنّ الشك مفيد إلى حد كبير بالنسبة لمؤسستك، لكن ليس من الجيد التصلب الشديد بالأفكار”. فلا يكنّ الناس الكثير من الاحترام للأشخاص الذين يقاتلون بشراسة ضد العيوب في الاستراتيجيات. لكن ربما عليك الوثوق بمديرك أو رؤسائك الآخرين، خاصة عند احتمال وجود قضايا لا يملكون حرية البوح بها. فتقترح هيل: “في هذه الحالات، يمكن أن تقول: “إذا كنتم حقاً تظنون بأنه الاتجاه الصحيح، سأقوم بهذه الاستراتيجية”.

كما يُشير سول إلى أنّ هناك حالات نادرة، حينما تكون الشركة معرضة لخطر كبير بسبب الاستراتيجية، فقد تكون مضطراً فيها لترك الشركة. حالات كهذه، حيث توجد مخاوف أخلاقية، أو تواجه الشركة الفشل إذا استمرت العمل بالاستراتيجية الحالية  دون تطوير. فإذا واجهت استراتيجية فيها خلل كبير، أو شعرت بأنك لن تستطيع دعمها كما يجب، ربما عليك حينها التفكير بالاستقالة.

يقول نيلسون: “عند وجود أخطاء مستندة على حقائق، كأن يكون قرار الاستراتيجية هو نتيجة تسوية تفاوض عليها مديران تنفيذيان بينهما خلاف قائم، وأرادا الحفاظ على مواقعهما في الشركة. عندها يتوجب على المدير أن يتساءل لمصلحته ولمصلحة الشركة على حد سواء، هل يجب أن يبقى حقاً في الشركة؟”. إذا كنت هذا المدير وقررت المغادرة فعلياً، لا تُخفي مخاوفك، وقم بتوجيه رسالة للرئيس التنفيذي مهما كان موقعك في الشركة، تشرح فيها قرارك والمخاطر التي تراها في الاستراتيجية.

مبادئ عليك تذكرها

قم بالخطوات الآتية:

– افهم السبب الحقيقي لمخاوفك.

– قم بالبحث في المدخلات والافتراضات التي تتضمنها الاستراتيجية.

– عبّر عن مخاوفك لمديرك المباشر أولاً.

تجنب الخطوات الآتية:

– الإلحاح الشديد ليتم الإصغاء لمخاوفك.

– الافتراض بأنك تعرف الافتراضات والأسباب وراء الاستراتيجية.

– القيام بالاستجواب حول الاستراتيجية في جلسة عامة.

دراسة حالة رقم 1: عندما تكون الفائدة التنافسية مضرة

في عام 2005، انضمت رولا إلى مؤسسة اتصالات استراتيجية، قام بتأسيسها زميلان سابقان لها. وعُينت رولا كمديرة لتطوير الأعمال، من أجل المساعدة في نمو المؤسسة ذات العام الواحد، وكانت رولا متحمسة لوظيفتها الجديدة، وللعمل من أجل مستقبل الشركة. إذ قامت الشركة على أسلوب فريد من نوعه، فقد كانت معظم شركات الاتصالات تعتمد على محررين عن بعد ليقوموا بالكثير من العمل ، ولا يعرف العملاء الكثير عنهم. فقرر زملاء رولا تغيير ذلك الأسلوب، عن طريق تعيين أمهات يعملن من منازلهن، واللواتي تركن العمل ليحظين بوقت أكبر مع عائلاتهن. ولقد شعروا في المؤسسة أنّ هؤلاء الأمهات مصدر غير مستغل بعد، كما أنهن يتمتعن بالخبرة، وفي حال تم الاعتماد عليهن  بشكل مناسب، يمكن أن يشكلن فائدة تنافسية للمؤسسة الفتية. حيث أنشأت المؤسسة علامتها التجارية اعتماداً على طريقة التوظيف هذه، وحققت نجاحاً في سنتها الأولى ضمن السوق.

من جهة أُخرى ، بعد فترة وجيزة من قبول رولا العمل، اكتشفت بأنّ العناوين التي كانت تتعقبها، لم تعد توجهها إلى المواقع المطلوبة. وكانت قادرة على استلام المراجعات للتشاور حولها، ولكن عندما ذهب العملاء الجدد إلى المواقع، كان أصحابها يُبدون عدم الاهتمام. وقامت رولا بسؤال العملاء المفترضين، ما السبب وراء تغيير رأيهم؟، فبرروا بأنّ هدفهم لم يكن إيجاد عمل لأمهات يجلسون في المنزل. وبيّن العديد منهم أنّ ذلك لم يكن شيئاً مناسباً لهم. وأكملت رولا قائلة: “أراد العملاء أفضل المحررين الذين يمكنهم الحصول عليهم، وقاموا بالتالي، الاعتماد على مؤسسة للاتصالات، لتقوم بتوظيف أفضل الكفاءات في مؤسساتهم. ولم يكونوا مهتمين حقاً بمن يقوم بالعمل، طالما أنّ العمل يتم بشكل رائع”. شعرت رولا حينها بتضارب في الأفكار، لأنها آمنت بالعلامة التجارية، وشعرت بالود تجاه المؤسسين، وظنت أنّ ذلك سيساعدهم في البروز ضمن سوق نيويورك المزدحم. لكن الأدلة أظهرت شيئاً مختلفاً. حيث شاركت رولا ما توصلت إليه مع زملائها ووضحت لهم على الرغم من إيمانها الشديد بالمبدأ أنّ ما حصل يُعتبر عقبة يجب تجنبها. وكان مؤسسو الشركة متفاجئين، لكنهم بذات الوقت منفتحين تجاه رأي رولا بسبب ما قدمته من أدلة بالدرجة الأولى، متضمنة أراء العملاء، ورسائلهم الإلكترونية. كما كان لحديث رولا أثره الكبير، إذ تعمل هي والمؤسسين  معاً، مع مستشار استراتيجيات، لإعادة التفكير بعلامتهم التجارية.

دراسة حالة رقم 2: إجراء الاستجواب حول الاستراتيجية بشكل منفتح

تعمل ليندا هيل كعضو في كلية هارفارد للأعمال وكان جزء من وظيفتها المساهمة في استراتيجيات مختلفة لكلية الأعمال وتطبيقها. ومنذ عدة سنوات، عقد عميد الكلية اجتماعاً لمناقشة عدة مواضيع. وفي هذا الاجتماع، أعلن العميد استراتيجية جديدة، للتعامل مع المشاكل المفهومة بشكل عام. وكانت ليندا مشوشة بخصوص ما اقترحه العميد، فقامت بسؤاله لماذا اختار تلك الاستراتيجية بالتحديد؟. حيث لم يبدو التدبير الذي اقترحه العميد بالنسبة لليندا حلاً للمشكلة التي يحاول معالجتها. فكان رد العميد عليها: “أنت محقة، لكنني لا أستطيع التصريح بالمشكلة كاملة”. وعمّ التوتر الغرفة، وعرفت ليندا فوراً بأنها أحرجت العميد.

اكتشفت ليندا لاحقاً، بأنّ المشكلة الفعلية التي يحاول العميد حلها، لم تكن ذاتها التي طرحها أمامهم. واكتشفت أيضاً أنها عرّضت علاقتها بالعميد للخطر عندما استجوبته في وضع عام كهذا. علماً أنّ العميد أخبر زملائه بأمانيه بوجود أشخاص كثيرين بصراحة وصدق ليندا، لكنها جرحت مشاعره حقيقة. فقالت ليندا: “عندما استرجع الأحداث، أفكر بأنني كنت لن أقوم بذلك بالطريقة نفسها، كنت سأقوم بسؤاله وجهاً لوجه بشكل خاص”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz