“كانت الخمسينات من عمري العقد الأكثر إثارة في مسيرتي المهنية إلى الآن” تقول بابيت بيترسون، “ويبدو أن الخيارات أمامي لا تنفك تصبح أفضل مع دخولي سن الستين.” بابيت هي واحدة من عدد متزايد من الأشخاص –خاصة النساء- الذين تسارعت مسيرتهم المهنية مع اقترابهم مما يعتبر سن التقاعد.

قضت بيترسون سنوات منتصف مسيرتها المهنية مع شركة داو كورنينغ. مكنّها امتداد مسيرتها المهنية على مدى 22 عاماً، من ضمنها الثلاثينات والأربعينات من عمرها، من “التقدم رويداً رويداً وخطوة خطوة مع المحافظة على توازن معقول بين الحياة والعمل” بينما كانت تعمل على تنشئة أولادها. لكن الخمسينات تحديداً شهدت تغيراً كبيراً. أولاً، تم اقتناصها من قِبل شركة دوتش دي إس إم (Dutch DSM)، وهي شركة علمية عالمية، لتكون إحدى النساء القليلات ضمن فريق هيئة الإدارة التنفيذية للشركة. انضمت بعدها ببضع سنوات إلى شركة ناشئة اسمها “بيو آمبر” (BioAmber) تنتج الوسائط الكيميائية باستخدام السكر بدل الوقود العضوي. وقد كانت تلك نقلة مؤثرة سمحت لها بالدفع نحو بدائل للبتروكيماويات أكثر استدامة. “كأنني عشت مسيرتي المهنية سائرة من الوراء إلى الأمام،” تقول ضاحكة “أتى كل التغيير واكتسبت خبرة العمل مع الشركات الناشئة في النهاية بدل أن يحدث ذلك في البداية”.

ليس المسار “التقليدي” في العمل إلا مسار عمل “ذكوري تقليدياً”. معظم الشركات ترى في حوالي الثلاثينات من العمر الوقت المناسب للتركيز على تطوير وتسريع المواهب الواعدة من خلال التنقل الوظيفي والانتدابات الموسعة- وكأنَّ المسار المهني يُصنع (أو لا) قبل سن الأربعين. لكنَّ هذا النهج لم يخدم النساء (أو الآباء والأمهات) في يوم من الأيام. فمع امتداد معدل الأعمار إلى حد المئة عام (انظر الكتاب القادم ’حياة المئة عام‘ لليندا جراتون وأندرو سكوت) قد يكون هناك حاجة لإعادة تعريف سن الخمسين على أنها فعلاً النقطة في منتصف المسيرة المهنية.

تدرك بعض الشركات أن توازناً أكثر بين الجنسين في مخزون المواهب لديها يتطلب إعادة التفكير في مراحل المسار المهني، لهذا تقوم هذه الشركات بتمديد العمر التعريفي للموهبة من العشرينات إلى الأربعينات.

في شركة يونيليفر، أطلقت لينا ناير في مرحلة سابقة من مسارها المهني- هي مسؤولة الموارد البشرية في مجموعة يونيليفر حالياً- برنامجاً في الهند اسمه ’مسار مهني على مقاسك‘ Career By Choice. يسمح البرنامج للموظفين –الآباء والأمهات من الشباب خاصة- العمل كاستشاريين داخليين لفترة من الزمن بتوفير أوقات عمل مرنة لهم. “يهمنا كثيراً إدارة دورات المسار المهني للموظفين بحيث تكون مرنة وتسلك مساراً منحنياً غير خطي، هذا يسمح لموظفينا الاستمرار بالنمو والتطور بينما يوازنون أولوياتهم الشخصية التي تختلف صلتها بحياتهم من مرحلة إلى أخرى. وقد وجدنا أنَّ خيار المرونة لاقى رواجاً أكثر لدى النساء اللواتي يُنشئن عائلات واللاتي سيعملن على تسريع مسارهن الوظيفي في مرحلة لاحقة.”

عُيِّنت أوديل دي داماس نوتين في عمر 52 عاماً نائباً أول لشؤون الموارد البشرية في قسم التسويق والخدمات في مجموعة توتال للبترول، ثم رُقّيت لتنضم إلى فريق التنفيذيين في مجموعة توتال (32 عضواً) بعمر 54 عاماً. عندما تعود أوديل للوراء بالذاكرة إلى الشكل الذي اتخذه مسارها المهني، تقرُّ بأنه كان الأنسب لها. أولاً، كان هناك منحنى تعليمي متنوع جداً ومُسرَّع في الجانب التجاري من عملها في العشرينيات من عمرها، تبعته “مرحلة مستقرة” في الثلاثينيات أشرفت فيها على تدريبات عمليات الشركة في فرنسا عندما كان لديها 3 أولاد. تذكر أوديل كيف رفضت عرضاً للانضمام لبرنامج تعزيز المقدرات القيادية قبيل ولادة طفلها الثالث. “لم يكن الوقت مناسباً” تقول أوديل وتعترف بالدعم الكبير الذي تلقته من مدرائها حينها، فقد رحبوا بالفكرة عندما عادت في سن الثامنة والثلاثين وطلبت منهم إرسالها إلى ذلك البرنامج الحصري وهو الأمر الذي أعاد تسريع مسيرتها المهنية. أوديل الآن في سن ال56، وهي عضو في فريق الإدارة العليا في أحد كبرى شركات النفط في العالم وتتطلع قدما لبلوغ مناصب قيادية أوسع في العقد القادم الأكثر تحدياً في مستقبل المجموعة. شهيتها للقيادة آخذة بالتزايد أكثر، وهي تتطلع بسعادة إلى الستينات لنقل خبرتها إلى مجالس إدارة شركات أخرى أيضاً.

بالنسبة للنساء والرجال على حد سواء، ليست الحياة العملية وحدها التي تبلغ أوج عطائها في الخمسينيات من العمر. فبعد مضي سنوات منتصف العمر المتوترة، تُظهر البيانات أن مستوى السعادة يرتفع في بداية الخمسينات، وتبرز مهارات عقلية جديدة. “لدى الأشخاص الأكبر سناً مشاكل أقل ويأتون بحلول أفضل للصراعات” كما ذكرت الإيكونومست في عام 2010 في استعراضها للبحوث في هذا الموضوع، “هم أفضل بالتحكم بعواطفهم وأفضل في تقبل العثرات وأقل عرضة للغضب.”

لقد عرف أبناء الخمسينات كيف يلعبون اللعبة، وكيف يمكنهم التأثير في مردود العمل بدل الشعور بالتعب والتقدم بالسن. وبينما لا زال كثيرون يدَّعون أنَّ المسار المهني يبلغ نهايته بشكل أو بآخر بعمر الخمسين فإن عصبة أبناء الرخاء (المولودون في فترة طفرة المواليد بين أعوام 1946 و 1964) يعيدون كتابة القوانين. لقد اجتمعت لديهم عوامل عديدة منها منزلٌ خالي من الأبناء وسمعة قوية وعقارات اكتمل سداد مستحقاتها، ما يعني أن هذا العقد الفضي يوفر مزيجاً غير متوقع من النفقات المخفضَّة والمرونة وحتى وفرص عمل جديدة مثيرة بالنسبة للبعض. وهذا كله يشكل مفاجأة سارة لم تكن بالحسبان. “تصبح الأمور أسهل” تقول بيترسن، “لديك وقت أكثر للتفكير ومرونة أكثر للتحرك وطموح أكبر من أي وقت مضى. لم أتوقع هذا أبداً.”

على أية حال، هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أنَّ النساء والرجال قد يسلكون مسارات مختلفة خلال هذا العقد من الحياة. فمع الانخفاض المطرد في معدلات الزواج والطلاق على حد سواء خلال العقود القليلة السابقة بين المتعلمين في الولايات المتحدة، فإن الزواج والطلاق يشهدان ازدهاراً لدى عصبة ما بعد الخمسينات. والنساء هنًّ من يقدنَ هذا التوجه الجديد حيث أنَّ ثلثا من يهجرون علاقة زوجية استمرت لعقود هم من النساء. فمع بلوغهن أوج عطائهن في العمل، تبدأ النساء بالبحث عن شريك داعم لهن- أو لا شريك- يُمكّنهن من الاستفادة من أقصى إمكاناتهن. أما المسار المهني لأزواج هؤلاء النساء فعادة ما يكون مساراً مهنياً كلاسيكياً وخطياً، الرجال فيه على وشك إبطاء عجلة تطورهم في الوقت الذي يكون المسار المهني لزوجاتهم قد أقلع لتوه. “يُصاب ]الأزواج[ بالإنهاك بعد أن أعطوا كل ما لديهم خلال العقود الماضية. كل ما يريدونه هو لعب الجولف”. بهذه الكلمات وصفت أحد المديرات التنفيذيات هذه الحالة.

لكن ما الفائدة أصلاً من اتخاذ المسار المهني للرجال والنساء الشكل نفسه؟ ألن يكون من المجدي أكثر للشريكين الأبوين لو يتخذ مسارا علمهما نمطاً تكاملياً؟ على الأزواج الشباب الأذكياء التخطيط لعائلات أكثر شمولية وذات مسار مهني مزدوج بدل مسارات فردية بحيث يكون مسار كل شريك مختلفاً قليلاً عن الآخر لكن داعماً له في نفس الوقت. على هذا الأساس فقد يعمل شريكٌ من سن 30 إلى 50، ليأتي آخر ويكمل الماراثون الأطول.

غالباً ما تعتقد النساء (وبعض الرواد من الرجال) اللواتي أخذن استراحة خاطفة من عملهن في الثلاثينات ليصبحن أمهات أنهن آذين أنفسهن بهذا الفعل. لكنهن لو سرّعن من مسارهن المهني في الأربعينات، ووجدن شركات مستعدة للاحتفاظ بهن في العمل، سيجدن أنفسهن أمام فرص من النخب الأول في الخمسينات من عمرهن فما بعد. ليس بالاكتشاف الجديد، حيث دافعت فيليس سشوارتز عن المرونة في العمل منذ عام 1989، كذلك أعادت آن مارس سلاوتر تجديد النقاش مع بداية هذا القرن. كل ما في الأمر هو أنَّ الأرقام والضغط على النساء يستمران بالنمو مع تحول النساء إلى الأغلبية في القوة العاملة المثقفة-وتحول الرجال للعب دور أكبر في تربية الأولاد.

لطالما كانت النساء تقليدياً المربّي الأساسي للأبناء، إلا أنَّ هذا النمط آخذ بالتغير مع بدء الشركات والدول باستبدال إجازة الأمومة بإجازة أبوّة للأب والأم تسمح لهما بتقرير خيارات مسارهم المهني وأسلوب عنايتهم بأولادهم. في هذه الأثناء، هناك موجة متصاعدة بطلاتها نساءٌ ذوات تعليم ومهارة عالية تظهرن الجانب الآخر من أزمة العائلة، وهنّ أكثر طموحاً من أي وقت مضى. تُبدي اليوم بعض الشركات ما يكفي من المرونة لتمكين الموظفات اللواتي تأخر (نسبياً) عطاؤهن، وهو ما يسمح لهذه الشركات الاستفادة من قوة عاملة جديدة فعّالة على المستوى العالمي. ومن يدري، قد يعود هذا العقد الفضي بالذهب على أصحاب الأعمال المبتكرين والأذكياء هؤلاء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!