إذا أردتم اكتشاف المخاطر في وقت أبكر، استثمروا في عملية تحليل البيانات

5 دقائق
عملية تحليل البيانات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تساعد عملية تحليل البيانات في طرح الأسئلة الصائبة والتعلم في وقت أسرع.

لعلكم قد سمعتم قادة الشركات يبررون غباءهم الصريح في أزمة ما عبر زعمهم أن كل مؤسسة تسير معصوبة العينين في الأوقات المحفوفة بقدر كبير من عدم اليقين. بيد أن بعض القادة، في واقع الأمر، يعرفون بالضبط إلى أين هم ذاهبون. وهم يفهمون ما هو مطلوب لشق طريقهم وسط سوق عاصفة ومضطربة، وقد تمكنوا من بناء مؤسسات تعي بمنتهى الدقة أين هي بالضبط في كل لحظة من اللحظات.

عندما يتعلق الأمر بتطوير القدرة على تحديد الاتجاه الذي تسير فيه الأمور والتجاوب برشاقة مع البيئة المتغيرة، فلا شيء أهم من عملية تحليل البيانات. لكن المؤسف في الأمر هو أن تحليل البيانات (الذي يُعرف أيضاً بالتنقيب عن البيانات أو ذكاء الأعمال) أصبح في السنوات القليلة الماضية الربيب غير المحبوب لعلوم البيانات، حيث طغى عليه كل من تعلّم الآلة وعلم الإحصاء. ويضيف هذان الفرعان العلميان طبقة من التعقيد الرياضي على أحد أسس الحدس البشري، ويخلقان وهماً جذاباً من الموضوعية والقدرة على التوجيه البارع. لكن المفارقة تكمن في أن من بين هذه الفروع العلمية الثلاثة، يظل تحليل البيانات هو الاختصاص الأكثر جوهرية للتعامل مع الأزمات.

تُبلي الحلول المستندة إلى الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة بلاء حسناً خلال الأوقات التي تتسم بالاستقرار لكنها تتهاوى عند حصول الكوارث. فهذه التكنولوجيات تؤتمت المهام من خلال استنباط الأنماط من البيانات وتحويلها إلى تعليمات. ويمكن لهذه النماذج أن تتقادم بسرعة عندما تتغير المعطيات المدخلة إلى النظام. أما تحليل البيانات، في المقابل، فهو ينبهكم عندما يحصل أي تغير في قواعد اللعبة. ودون هذا النوع من التحذير، فإن حلول الأتمتة يمكن أن تضل السبيل، لتترككم بذلك عرضة للصدمات الخارجية.

عند حصول صدمة شديدة، قد تصبح مصادر بياناتكم التاريخية متقادمة. عندها، ليس مهماً كم كانت معلوماتكم جيدة في الأمس. فأنتم بحاجة إلى معلومات جديدة.

يعاني علم الإحصاء من العيب ذاته في أوقات الأزمات. فالإحصائيون يساعدون صناع القرار في الحصول على إجابات صارمة. ولكن ماذا لو كانوا يطرحون الأسئلة الخاطئة؟ فرغم أن المهارات الإحصائية مطلوبة لاختبار الفرضيات، إلا أن المحللين يمتلكون المعارف والخبرات التي تسمح لهم بطرح الفرضيات الصائبة في المقام الأول. وإذا حاولت إجراء الإحصاءات دون القدرة على تحليل البيانات، فإنك ستكون بحاجة إلى ثقة عظيمة بافتراضاتك – وهذه الثقة من النوع الذي يُعتبر ضرباً من الحماقة عندما تسحب أزمة ما البساط من تحت قدميك.

تحليل البيانات في أوقات الغموض

يعيش المحللون أفضل أيامهم خلال الأوقات المحفوفة بالغموض. وتتمثل موهبتهم في الاستكشاف الذي يجعلهم بارعين في التنبؤ بالأزمات والتجاوب معها. ومن خلال بحث المحللين ضمن مصادر البيانات الداخلية والخارجية عن المعلومات الحرجة والمهمة، فإنهم يظلون مطلعين على كل ما هو حاصل.

فهم يستعملون تقنية مسح الأفق بحثاً عن الاتجاهات ويصيغون الأسئلة المتعلقة بما هو كامن وراءها. وتتمثل وظيفتهم في إلهام التنفيذيين عبر طرح احتمالات ممكنة تثير التفكير لكنها منطقية ومعقولة. وبعد أن يكون القادة قد وضعوا قائمة مختصرة بالفرضيات التي تحظى بالأولوية القصوى، يكون الوقت قد حان للاستعانة بمتخصص في الإحصاء لاختبارها تحت الضغط وفصل المرئيات عن المعلومات المضللة أو المشتتة للانتباه. وفي السراء وأوقات الرخاء، تبني المؤسسات الرائدة قدراتها في مجال تحليل البيانات من أجل تعزيز قدرتها على الابتكار. كما أن قدرة المحللين على العثور على الأدلة التي تشير إلى أشياء من قبيل التحولات الحاصلة في أذواق المستهلكين يمكن أن تساعد الشركات في اغتنام الفرص قبل أن يغتنمها المنافسون الأقل دراية ومعرفة. أما عندما تشتد وطأة الأحداث، فإن الأشياء التي بدا من اللطيف امتلاكها يوماً وتساعد في تعزيز الابتكار تتحول لتصبح شبكة أمان ضرورية لا بد من الحصول عليها. من المؤكد أن هناك أحداثاً يستحيل التنبؤ بها سلفاً – والمقصود هنا البجعات السوداء الحقيقية – إلا أن معالجة تبعاتها هي لعبة من الأفضل أن يلعبها المرء بعيون مفتوحة.

لكن المؤسف في الأمر هو أن من الصعب جداً إنشاء قسم ناضج لتحليل البيانات خلال فترة زمنية قصيرة. فالمهارات التقنية التي تسمح للمحللين باستيعاب البيانات بسرعة البرق تزيد ببساطة من حجم المعلومات التي يواجهونها. واستخراج الجواهر منها يحتاج إلى أشياء إضافية. فدون امتلاك المحللين للمعرفة بالمجال المعني، والخبرة التجارية، والحدس القوي بالقيمة العملية للأمور المكتشفة – إضافة إلى امتلاك مهارات التواصل المطلوبة لإبلاغها إلى صناع القرار بفاعلية – فإنهم سيُعانون في إثبات الفائدة من وجودهم. وهم يحتاجون إلى بعض الوقت ليتعلموا كيف يحكمون على الأمور المهمة، إضافة إلى الأمور المثيرة للاهتمام. ولا يمكنكم أن تتوقعوا منهم أن يوفروا حلاً فورياً يرسم لكم مسار الخروج من أحدث أزمة تعصف بكم. عوضاً عن ذلك انظروا إليهم بوصفهم استثماراً في رشاقتكم المستقبلية.

كما أن ضمان إمكانية الوصول إلى مصادر البيانات الواعدة التي يحتاج إليها المحللون يستغرق وقتاً أيضاً. وفي الحالة المثالية، لن ينتظر قادة الشركات حتى تحصل زعزعة كبيرة ليبدؤوا ببناء العلاقات مع بائعي البيانات، وشركائهم في القطاع الذي يعملون فيه، والمتخصصين في تجميع البيانات. تذكروا أنكم عندما تواجهون صدمة شديدة، فإن مصادر بياناتكم التاريخية قد تصبح متقادمة. فإذا كان فهمكم للماضي يفشل في منحكم فرصة للإطلال على عالم الغد – ربما لأن جائحة غيّرت كل شيء – فليس مهماً كم كانت معلوماتكم جيدة في الأمس. أنتم بحاجة إلى معلومات جديدة. بعد الانهيار المالي الذي حصل في 2008، على سبيل المثال، أدركت البنوك في أنحاء العالم أن هناك ميزة ربما قد تكون في تحليل الإشارات غير التقليدية المتعلقة بالجدارة الائتمانية، مثل البيانات المأخوذة من بطاقات الولاء الخاصة بمتاجر البقالة (السوبرماركت)، بيد أن الجميع لم يكونوا قادرين على الحصول على هذه البيانات على قدم المساواة.

إضافة إلى ما سبق، فإن مصادر بياناتكم الداخلية قد تحتاج إلى معالجة خاصة قبل أن يكون المحللون قادرين على التنقيب عنها. لذلك من الجدير التفكير في تعيين مهندسي بيانات داعمين. فإذا ما كان تحليل البيانات هو الفرع العلمي المتخصص بجعل البيانات مفيدة، فإن هندسة البيانات هي الفرع العلمي المتخصص بجعل البيانات قابلة للاستعمال؛ فهو يوفر في الكواليس البنية التحتية التي تجعل سجلات الآلات ومخازن البيانات الضخمة متوافقة مع أدوات تحليل البيانات.

ماذا تمثل عملية تحليل البيانات؟

عندما بدأتُ أتحدث في المؤتمرات عن أهمية تحليل البيانات، وجدت أن إقناع الجمهور بقيمته كان الجزء الأسهل. لكن المزاج تغيّر عندما شرحت تبعات تطبيق هذه العملية، فتحليل البيانات هو استثمار للزمن. فليس بوسعكم التعويل على الحصول على شيء مفيد من كل هجمة على مجموعة من البيانات. فلكي تنجح مؤسستكم في عملية الاستكشاف، فإنها بحاجة إلى ثقافة تحليل بيانات غير مقيدة وغير خاضعة لشروط. وبوصفك قائداً، فإنك مسؤول عن تحديد النطاق (ما هي مصادر البيانات التي يجب أن تخضع للمراجعة)، والإطار الزمني (“لديكم أسبوعان لاستكشاف قاعدة البيانات هذه”). بعدها يجب أن تضمن عدم معاقبة المحللين عندما يعودون خاليي الوفاض.

بعد أن يقبل قادة الشركات وقطاع الأعمال فكرة أن عملية تحليل البيانات تمثل استثماراً قد لا يؤتي أكله بالكامل، أصل إلى العقبة التالية، ألا وهي أن الشركات الكبيرة والمعقدة تكنولوجياً مثل ألفابيت (Alphabet) فقط هي القادرة على تحمل تكاليفها. وهذا الكلام لا معنى له. فبحسب تجربتي، فإن احتمال ازدهار عملية تحليل البيانات في الشركات الناشئة أعلى بكثير مقارنة بالشركات الضخمة الراسخة.

فالشركات الناشئة تستثمر بطبيعة الحال في تحليل البيانات في معرض سعيها إلى شق طريقها ضمن سوق جديدة، حيث يكون لعدد من الأشخاص من أصحاب التخصص العام ممن يمتلكون معارف عامة نصيب من عملية الاستكشاف. بعدها، ومع نمو المشروع، تتغير الثقافة. فالثقة في العاملين تتراجع، ويتعرضون لمساءلة أكبر عن العوائد التي تحققها جهودهم، بينما تلجأ الإدارة ذات الحماسة المفرطة إلى خنق الفرص التي تسمح لعملية تحليل البيانات بالازدهار. ونادراً ما يستمتع المحللون الذين يُعينون للعمل ضمن هذه الثقافة بالجزء الأكثر إمتاعاً في عملهم، ألا وهو الاستكشاف، ويتحولون عوضاً عن ذلك إلى محركات بحث بشرية ومستخدمين معنيين بمراقبة لوحات التحكم. وفي المحصلة، يغادر العديد منهم عملهم بدافع الإحباط لتضيع بذلك إمكانياتهم وتتبدد.

يحتاج إنشاء ثقافة تسمح لعملية تحليل البيانات بالازدهار إلى قيادة صاحبة فكر. فمع نمو الشركات وتحولها إلى مؤسسات أكثر رسوخاً، فإن أكثر الأشخاص رؤية فقط هم من يمتلكون شجاعة تعزيز قسم حقيقي لتحليل البيانات وضمان قدرة القادة على الاستفادة منه والتأثر به. وستكون القطاعات التي سبق لها أن لُدغت في أزمة سابقة، والمثال الجيد على ذلك هو قطاع البنوك، أميل على الأغلب إلى الاستثمار في عملية تحليل البيانات وتطبيقها في إدارة المخاطر.

يحتاج تبوؤ القيادة في تحليل البيانات إلى الالتزام بمنح الثقة للمحللين وإعطائهم المساحة الكافية لإنجاز عملهم. فوظيفتهم، في نهاية المطاف، تتمثل في كشف النقاب عن التهديدات التي لم تتخيلوا قط أن تظهر لكم. وهذا النوع من العمل لا يمكن إدارته باستعمال ساعة توقيت وقائمة تدقيق.

تذكّرنا الأزمات، مثل الجائحة – عندما لا يكون لدى أحد إجابات وعندما تكون حالة عدم اليقين مرتفعة – بأهمية طرح الأسئلة الصائبة. فتحليل البيانات يمنح الشركات التفوق في التعلم والتكيف. وعندما ينقلب العالم فجأة رأساً على عقب، فإن الأسرع قدرة على التعلم هم أكثر المهيئين للنجاح. والشركات الذكية سوف تستثمر في تحليل البيانات اليوم لكي تتفوق في كل ما سيحصل مستقبلاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!