من العام 1870 إلى العام 1911، أنشأ جون روكفلر ما يمكن وصفه بأنه المؤسسة التجارية الأكثر إثارة للإعجاب في التاريخ: ستاندرد أويل (Standard Oil)، حيث كانت الاستراتيجية التجارية لروكفلر تتمثل في التوحيد العمودي لكل جانب من جوانب صناعة النفط (من التنقيب إلى التطوير والخدمات اللوجستية وحتى التسويق) لضمان ميزة تنافسية مستمرة لشركته. ولم تكن الطرق الخاصة به للقيام بذلك تقتصر في عمليات الدمج والاستحواذ، مع أنه قام بالكثير منها على امتداد تاريخ الشركة. بدلاً من ذلك، قام روكفلر بإنشاء مجموعة متشابكة من الصناديق الائتمانية، والشراكات والتحالفات التي صممت لتوفير المرونة والتحكم. ومع أن أحداً لا يتوقع أو يدعو لإعادة سلوكيات شركة ستاندرد أويل الاحتكارية. إلا أنّ بعض العناصر الاستراتيجية التي كان يطبقها روكفلر تعود إلى الرواج بين الشركات التجارية. وبالنظر إلى الاتجاهات الحالية في عمليات الدمج والاستحواذ، نجد الشركات تسعى لتكون أسرع وتيرة وأكثر ابتكاراً. وهي تدرك أنها غالباً ما تحتاج إلى كفاءات جديدة لتحقيق هذه الأهداف. ولذلك نجد أنّ المزيد من الصفقات التجارية تركز أكثر على الاستحواذ على هذه الكفاءات. ووفقاً لأبحاث من مصادر معلومات مغلقة، نجد أنّ صفقات التوسع التقليدية لا تمثل إلا النصف من إجمالي عمليات الدمج والاستحواذ. تكمن القضية هنا في أنّ الكفاءات نجدها جزئياً في الأشخاص، والمثل السائر في مجال الدمج والاستحواذ يقول إنك لا تستطيع شراء الأشخاص، فهم أحرار أن يغادروا شركتك وقتما أرادوا. (وقطاع الاستشارات الذي نعمل فيه نموذج مثالي على هذه الظاهرة)، لذلك يمكننا أن نستثني ذلك، وبالإضافة إلى عمليات الدمج والاستحواذ العادية، نلاحظ أنّ المستقبلية منها تتكون من مزيج من المشاريع المشتركة، وحصص المستثمرين غير المسيطرين، والتحالفات والاستثمارات التي تتخذ شكل حاضنات (للشركات الناشئة)؛ وما إليها من الأمور التي تساعد الشركات على الاحتفاظ بالأشخاص الكفوئين المنتجين، وهذا ما يبدو مشابهاً جداً لاستراتيجية روكفلر. وبطبيعة الحال، سنسمع بعض الاعتراضات الصادرة من قدامى المحاربين في قطاع عمليات الدمج والاستحواذ التقليدية، والتي سيكون أحدها ولا شك متمثلاً في عبارة "جربنا سابقاً ولم ننجح". والاعتراض الآخر سيكون "كيف ستتمكن حتى من إدارة شركة بهذا الشكل؟". لكننا نخبرهم بأن الأمور تغيرت بشكل دراماتيكي خلال الأعوام العشرين الماضية. وأول هذه الأمور هو أنّ الإحصائيات تخبرنا أنّ إجمالي الصفقات التجارية الناجحة لا زال يواصل تحسنه. وثانيها أنّ الرؤساء التنفيذيين أصبحوا أكثر كفاءة في عمليات شراء ودمج الشركات التجارية. وفي هذا السياق، لم تعد المقولة القديمة "أنّ معظم الصفقات التجارية تدمر القيمة الاقتصادية" صحيحة. وبهذا الصدد، أظهرت بحوث شركة باين آند كومباني أنّ معدلات نجاح الصفقات غير التقليدية في تحسن هو الآخر، بل وأكثر بكثير مما يظن المدراء عادة. وإذا أخذنا المشاريع المشتركة، على سبيل المثال، سنجد أنها تجني بالفعل عائدات مماثلة لأفضل عمليات الاستحواذ التي نعرفها. وبالمثل، أثبتت شركات الطيران أنّ التحالفات المبنية بشكل جيد تمثل منهجية قوية لترسيخ مكانتها في السوق والاستفادة من التوسع التجاري. هكذا ندرك أنّ الوجه الجديد لعقد الصفقات سيتخذ مجموعة متنوعة من الأشكال. وإذا أخذنا شركة جوجل (إلى جانب شركتها الأم ألفابت) على سبيل المثال، فسنجد أنها معروفة باكتساب المواهب والكفاءات عن طريق الاستحواذ، حيث تعتبر شركة جوجل شركة كثيرة الاستحواذ بالفعل. أما أفضل الشركات في مجالها، مثل إنتل (عن طريق الشراكات التقنية) وشركة تايسون (Tyson) (من خلال حاضناتها للمنتجات الجديدة)، فقد طورت الأدوات المناسبة لدمج العديد من الأشكال المختلفة في عقد الصفقات التجارية. وفي هذا السياق، نجد شركة ديسكفري (Discovery)، شركة التأمينات الجنوب إفريقية، قد أبرمت تحالفات استراتيجية مع رواد قطاع التأمينات حول العالم وذلك في سعيها لترخيص منتجها المنصة الحيوية (Vitality platform)، حيث تمثل هذه التحالفات طريقة سريعة ومنخفضة التكلفة للوصول إلى أسواق جديدة. لا تقتصر استفادة شركة ديسكفري على الوصول للأسواق الجديدة فحسب، بل حصلت كذلك على جميع البيانات من هؤلاء المستخدمين، ما أتاح لها تحسين منتجها "المنصة الحيوية". يمكنك أيضاً أن تتأمل حالة الشركات الرقمية مثل علي بابا وشركة تينسنت في الصين. كلتا الشركتان انخرطتا في قطاع التجارة الإلكترونية باستخدام مختلف الآليات، بما فيها عقد الشراكات (شراكة تينسنت مع جيه دي دوت كوم JD.com)، وعمليات الاستحواذ (علي بابا وشركة إيلي دوت مي Ele.me)، وامتلاك أسهم خاصة جزئية (شركة تينسنت ومتجر مواد البقالة يونغ هوي Yonghui) في هذا الجانب، وقامت شركة تينسنت بتوسيع شراكتها مع جيه دي دوت كوم شيئاً فشيئاً، بدأتها بالاستثمار في الأسهم، ثم انتقلت إلى مشاركة البيانات من أجل إنشاء رؤى تجارية أفضل، ومن ثم عقد استثمارات مشتركة مجملها أكثر من 6 مليارات دولار في شركة البيع بالتجزئة الإلكترونية فيب شوب (Vipshop) ومشغل المراكز التجارية واندا كومرشل (Wanda Commercial). وكما فعل روكفلر، سيسعى صناع الصفقات التجارية في المستقبل إلى عقد أي ترتيبات تسمح لشركاتهم بتنمية الكفاءات والقدرات، بدل التركيز على الاستحواذ والسيطرة الكلية على الشركات أو المنتجات المعنية. لأنه من المرجح أن تعمل تلك الشركات والمؤسسات الجديدة بشكل مختلف تماماً عن الشركات التقليدية. وفي تلك البيئة المستقبلية، سنجد أنجح صناع الصفقات قد وضعوا أهدافاً مشتركة واضحة وقاموا بروح ريادية بتمكين أسلوب إداري يركز على النتائج أكثر من السيطرة. في ما سيقتنع المدراء بأنه ليست جميع الأفكار ستكتسح السوق، لأنك إذا لم تجرب فلن تعرف. إنّ الفشل التجاري لا يعني بالضرورة سوء الإدارة، وينبغي على المسؤولين في الموارد البشرية أن يتعلموا الفصل بين النتائج التجارية وتقييمهم للمدراء المعنيين. وفي هذا السياق، تدرك شركة أمازون هذا المفهوم جيداً: الجميع معجب بنجاحات الشركة الكبيرة، إلا أنه من المهم أيضاً أن نلتفت إلى السرعة التي كانت تتصرف بها الشركة لغلق الوحدات والشركات التابعة الضعيفة مثل فاير فون ( Fire Phone) وأمازون ديستنيشن (Amazon Destinations). وفي عالمنا اليوم، تتيح سهولة الحصول على التمويل حافزا مالياً قوياً لاستثمار رؤوس الأموال في محفظة متنوعة من الأفكار والكفاءات البشرية. وبهذا الصدد، ينبغي على الشركات التركيز أكثر على الأفكار والمشاريع الناجحة والتصرف بسرعة في ما يخص الأفكار والمشاريع الفاشلة. وبالنظر إلى ما هو أبعد من ذلك في المستقبل، قد نرى الشركات تختلف أكثر وأكثر عن شركات اليوم. تأمل مؤسسات إيلون مسك مثلاً: شركة تيسلا وسبيس إكس وسولار سيتي وبورينغ كمبني (Boring Company)، التي تمثل شركات ذات رؤى مختلفة لكنها تأتي من مصدر واحد وتتميز بالكثير من التداخلات المؤسساتية. (شركة تيسلا وسولار سيتي مثلاً اندمجتا مؤخراً؛ فيما تستخدم شركة سبيس إكس تقنيات كلتا الشركتين)، وبهذا الصدد، نلاحظ أنّ هذه الاستراتيجية تشبه في بعض جوانبها العودة إلى المفاهيم التجارية المعروفة مثل منهجية "كيرتسو" اليابانية أو "تشايبول" الكورية. وبالعودة إلى روكفلر، نجد أنّ الحكم الشهير الذي أصدرته المحكمة العليا الأميركية عام 1911 قضى بتفكيك شركة ستاندرد أويل إلى 34 شركة مختلفة. ومع أنّ الكثير من اللغط والنزاع أثير حينها، إلا أنّ هذا التفكيك تبين أنه نعمة للمستثمرين والمساهمين، حيث خلق هذا الانقسام مجموعة شرسة من المنافسين جمعت ثروة هائلة. وبالمثل، يظهر بحثنا أنّ نشاطات تصفية الاستثمارات وعمليات الانفصال المستمرة ينبغي أن تكون جزءاً رئيسياً من منهجية عملية الدمج والاستحواذ. وفي هذا السياق، نجد أنّ أفضل الشركات أداء تجري العديد من عمليات الدمج والاستحواذ الرامية إلى اكتساب الكفاءات، إلا أنها تصفي محفظتها وتتخلص من الاستثمارات غير الملائمة بشكل منتظم وصارم. وختاماً، نجد أنه في العديد من الجوانب، يمكن توقع أنّ عملية الدمج والاستحواذ المستقبلية قد تبدو مشابهة كثيراً لما هي عليه في الماضي، لكن ليس الماضي القريب، بل الماضي البعيد. وعلى خطى روكفلر، سنجد أنّ صنّاع الصفقات المستقبليين يتبعون استراتيجية مكونة من التحالفات والمشاريع المشتركة والشراكات التي تتوحد مع بعضها البعض مؤقتاً أو بشكل دائم لخلق القيمة الاقتصادية.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!