لماذا فاز ترامب بالانتخابات؟ علم السلوك يجيب

6 دقائق
سر فوز ترامب في الانتخابات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليك هذا الحوار الذي يتناول سر فوز ترامب في الانتخابات تحديداً. كان القلق ينتاب ليزلي جون حين وصلت إلى مقر عملها صباح يوم الانتخابات الرئاسية الأميركية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون. ليزلي هي أستاذة مشاركة في كلية “هارفارد للأعمال”، وهي أيضاً خبيرة في مجال بحوث القرار السلوكي، وتدرس أيضاً العيوب المختلفة والتحيزات الفطرية التي تُعيق العقل البشري. وباعتبارها من أنصار كلينتون، تساءلت جون عن سر فوز ترامب في الانتخابات وعما إذا كانت نفس الفخاخ المعرفية التي تدرسها في المختبر يمكن أن تؤدي إلى الثقة المفرطة حول احتمال فوز كلينتون. تقول جون: “كل من تحدثت إليه أشار إلى استطلاعات الرأي الديمقراطية والجمهورية والأسواق المالية”. “في الأساس، توقع جميع المتنبئين في السجل العام فوز كلينتون. وعلى الرغم من ذلك، ها قد فاز ترامب”.

في صباح اليوم التالي للانتخابات، تحدثت مع ليزلي لفهم كيف يمكن لرؤى من العلوم السلوكية أن تساعد في تفسير واحدة من أكبر الاضطرابات المفاجئة في تاريخ الانتخابات الديمقراطية وسر الجاذبية لدى مُرشح ظنّ قلة من المعلقين الخبراء أنه سيفوز.

هارفارد بزنس ريفيو: ليزلي جون، إن استطلاعات الرأي قبل الانتخابات وتكهنات الخبراء لم تكن صحيحة فقط. بل كان معظمها مغلوطاً بقسوة. لكن، قيل لنا إننا نعيش في عصر توفر فيه تحليلات البيانات رؤية غير مسبوقة إلى المستقبل. ما الذي أدى إلى قطع الاتصال إذاً؟

جون: إنه أمر مذلٌ للغاية، أليس كذلك؟، نحن نميل إلى الاعتقاد بأن استخدام الخوارزميات والتنبؤات التي يُولدها الحاسوب روتينياً في أيامنا هذه، سيُؤدي إلى نتائج غير مُنحازة. ولكن هناك مشكلتان في هذا التفكير. الأولى هي أنه في نهاية المطاف، البشر هم من بنوا الخوارزميات. وبالتالي، يمكن إدخال جميع أنواع التحيزات في مرحلة البناء. ويمكن القول في هذه الحالة، إن مدخلات عملية الاقتراع كانت معيبة. أنا أعي أن أنصار ترامب، الذين هم أيضاً مناهضين للمؤسسة، نظروا إلى مسؤولي الاقتراع على أنهم جزء منها، وبالتالي رفضوا التعامل معهم. هناك عامل آخر يؤدي إلى تحيز الاستجابة في الاقتراع هو ما يسميه علماء السلوك “الاستجابة المرغوبة اجتماعياً”، يمكنك أن تتخيل النساء وهن مترددات في الاعتراف بأنهن ذاهبات للتصويت لصالح ترامب بعد ظهور لقطات من المفاخرة له عن الاعتداء الجنسي، على سبيل المثال.

فإذاً المُعلّقين الخبراء -على جانبي الممر- كانوا يعملون مع معلومات الاقتراع السيئة. ما الذي قد يكون عتّم رؤيتهم؟

جون: عند سؤالك هذا، تتوارد الثقة المفرطة إلى الأذهان. هناك طن من البحوث التي تبين أن الناس يبالغون في الثقة بمعتقداتهم. نحن نعتقد أن قدرات التنبؤ لدينا أفضل مما هي عليه حقاً. وإذا ما أضفنا الرغبة في تحقيق نتائج معينة إلى الثقة المفرطة فإنها تُضخم المشكلة. على سبيل المثال، أظن أن أكثر المُعلّقين النخبة لا يناصرون ترامب.

هناك ورقة بحث كلاسيكية في علم النفس الاجتماعي بعنوان “الاستيعاب المُنحاز واستقطاب الموقف”، وجد البحث فيها أنه عندما تريد أن تصدق شيئاً، وتقدّم الأدلة لك، أنت تفسر تلك الأدلة على أنها دعم لاعتقادك المرسوم مسبقاً. في هذه الدراسة، فرز الباحثون المشاركون إلى مجموعتين على أساس ما إذا كانوا يؤيدون عقوبة الإعدام. وبعد ذلك عرضوا على كلتا المجموعتين قسمين من الأدلة، أحدهما يدعم عقوبة الإعدام والآخر ضدها. وجد الناس أن الأدلة التي أكدت اعتقادهم أكثر إقناعاً بكثير من الأدلة الأخرى. في نهاية المطاف، انتهت التجربة باستقطاب كلتا المجموعتين نحو موقفهم أكثر، بالضبط عكس ما تتوقع حدوثه عند تقديم “كلا الجانبين” من الحجة.

من المثير للاهتمام، خلال الحملة، أن العديد من المعلقين سخروا من أنصار ترامب بسبب النقاط العمياء لديهم ولم يروا الأمور بوضوح، ولكن اتضح أن هؤلاء المُعلقين كانوا عرضة للتحيزات المعرفية نفسها.

جون: تماماً. مثلما وجدت أنه أمر مثير عندما كثرت إشارات وسائل الإعلام إلى التناقضات والأكاذيب في تصريحات ترامب، فكثر معها تحفيز مُشاركة أتباعه. وحدد الأكاديميون ظاهرة تسمى “التفاعل النفسي”. عندما نشعر أن شخصاً ما يحاول أن يملي علينا ما نفكر أو نفعل، تكون ردة فعلنا عكس ما نشعر بما يُقال إنه يجب علينا فعله.

هناك حبل آخر كامل من البحوث حول ما نتحدث عنه هنا. أظهر كل من كاميرون أندرسون، ودون مور، في “جامعة كاليفورنيا” ببيركلي، أن الثقة الزائدة تدفع الناس إلى النظر إليك على أنك أكثر كفاءة من الآخرين، وتتيح لك أيضاً مكانة أعلى ونفوذاً. لقد أظهرا أيضاً أنه حتى عند عرض الثقة المفرطة للآخرين، ما زال الناس لا يُعاقبون اجتماعياً. عند الجمع بين ثقة ترامب وعروض الهيمنة الخاصة به، (على سبيل المثال، عدم توقفه عن مقاطعة كلينتون خلال المناقشات)، يمكن أن نفهم لماذا سوف يصدقه الناس.

كانت الثقة قضية كبيرة لدى كلينتون ولكن ليس بالقدر نفسه لدى ترامب. هل لديك أي فكرة لماذا؟

جون: أجريت بحوثاً تُبين أن الناس الذين يكشفون عن معلومات يُنظر إليهم دائماً على أنهم أكثر جدارة بالثقة من الناس الذين يرفضون الكشف عن المعلومات، حتى لو كانوا يعترفون بفعل مخالفات. لدينا ورقة بحث تبين لنا فيها أن المرشحين للوظائف الذين يكشفون عن حقيقة ارتكابهم لجريمة، عندما يُسألون عنها في نموذج طلب الوظيفة، يُنظر إليهم على أنهم أكثر جدارة بالثقة من الناس الذين يختارون عدم الإجابة عن السؤال نفسه في النموذج. مع كلينتون كان هناك الكثير من الأمثلة، حيث أنها لم تكن مُقبلة على البوح بالأمور، الذي أعتقد أنه يفسر جزئياً سبب اعتبارها غير جديرة بالثقة من قبل العديد من الأميركيين.

في الوقت نفسه، كان ترامب أيضاً متكتماً جداً حول بعض الأمور، مثل عوائد الضرائب الخاصة به. لكن في حالته، كان لديه عدد قليل من الأعمال الرئيسية التي كُشف عنها، وربما ذلك أدى إلى أن ينسى الناس الحالات التي امتنع عن الكشف فيها. وما هو أكثر من ذلك، شعر الناس أنه “قال الحقيقة كما هي”. في الأساس، لقد كان واضحاً حتى في البوح عن المعتقدات التي تُكسبه وصمة عار اجتماعية، ما عزّز سمعته حول جدارته بالثقة. في الواقع، قول أمور تحمل شيئاً من المجازفة يمكن أن يمنح المزيد من الدّوي لرميتك عندما يتعلق الأمر بالثقة. على الرغم من ذلك ،وبطبيعة الحال، هذا أمر يحمل مخاطره الخاصة.

المثال الذي وضع هذين المنهجين المختلفين معاً في ذهني هو عندما كانت كلينتون تُعاني من الالتهاب الرئوي. كانت مريضة بوضوح، لكنها لم تعالجة هذه القضية قط، ونفت أنها ليست على ما يرام إلى أن ظهر شريط فيديو لها في لحظة الإغماء. ترامب، من ناحية أخرى، أصدر مسبقاً أجزاء من سجلاته الطبية.

صحيح، ولكن تلك السجلات الطبية كانت مُنسقة للغاية وغير مكتملة.

جون: تماماً، هناك عيب معرفي آخر مثير للاهتمام في موضع اللعب هناك. نحن لا نشك في مصدر المعلومات عند وضعه بين أيدينا، ولسنا متطورين للغاية في فهم أنه يجب النظر جيداً في مصدر المعلومات. على سبيل المثال، عادة لا يأخذ منا التدقيق في المعلومات من مصدر مُنحاز الوقت والتدقيق الإضافي الذي يستحقه. بدلاً من ذلك، نحن نميل إلى الحصول على الأدلة بالقيمة الاسمية. هذا جزء من اتجاه أوسع للتفكير بنطاق ضيق عند تقييم المعلومات واتخاذ القرارات.

على سبيل المثال، إذا أراد ترامب تقديم عرض دقيق عن صحته، فعليه أخذ عينات عشوائية من سجله الصحي والكشف عنها، أو يُفصح عن تاريخه الطبي بأكمله. لكن ليس هذا ما فعله، بل اختار من المعلومات ما يفيده. وأطلق ما أسماه سجلّه الصحي، ولكن كان من الواضح أنه ليس سجلاً كاملاً. إلا أن هذا ليس ما أدركه الناس. لقد حسبوا أنه كان مُقبلاً على الإفصاح وكانت كلينتون تتبع الإخفاء، وبالتالي ليست جديرة بالثقة.

لذلك، ما هي الرسالة هنا لأولئك الذين شعروا بالإذلال من هذه النتيجة؟، هل يمكنهم تجنّب إعادة تجربة الصدمة في المستقبل؟

جون: هناك بعض البحوث الجيدة حول ما يجعل المتنبئين جيدين وكيفية تحسين التنبؤ. لكن إحساسي العام هو أن التحيزات قوية جداً. ومن الصعب حقاً التخلص من الثقة المفرطة. لقد طلب الباحثون في إحدى الدراسات من المشاركين الإجابة عن أسئلة تافهة تتطلب جواباً محدداً، (على سبيل المثال، “ما هو عدد الأميركيين الذين يملكون جواز سفر”، كانت المهمة تحديد فترات الثقة مراراً وتكراراً، فترات ثقة الناس كانت ضيقة جداً). هذا هو التحيز المفرط الكلاسيكي. لكن في هذه التجربة، حاول الباحثون التدخل بقوة: قالوا للناس إن فترات ثقتهم ضيقة جداً ويجب جعلها تمتد على نطاق أوسع. إلا أن الناس ظلوا يبالغون في تقدير دقة إجاباتهم. إذن، هناك حل واحد حازم لهذا الأمر هو تفويض القرارات لأشخاص ليس لديهم مصلحة في النتيجة.

ما يمكن أن يتوقعه مناصرو كلينتون وترامب في الأيام القادمة؟

جون: تبيّن البحوث أن الأمور السيئة تؤثر علينا أكثر من الأشياء الجيدة، ونحن نشعر بكثير من اليأس في الأخبار السيئة أكثر من الفرح في الأخبار الجيدة. من خلال هذا المنطق، فإن هذه النتيجة ستحمل ألماً لأنصار كلينتون أكثر من الفرح لأنصار ترامب. ولكن، ربما يكون هناك عوامل تعويضية، مثل حقيقة أن الناس يعيشون تجربة فرح أعظم عندما يشاركونها مع الآخرين بدلاً من عيشها بمفردهم. ومن الواضح أن أنصار ترامب لديهم خبرة مُبهجة للمشاركة. وأعتقد أن كل ما يمكننا قوله بالتأكيد هو أن الكثير من الناس، حتى الكثير من مؤيدي ترامب، سيظلون مستغربين لهذه النتيجة. وأشعر كأنني علمت أن هذه النتائج ستحصل، لكن في نهاية اليوم، يجب أن أحلل الحدث بعد وقوعه مع القليل من الحذر. أنا لست في مأمن من النزعة البشرية التي تجعلك تعتقد أنك كنت تعرف كل ذلك منذ البداية، وهي ما يسمّيها العلماء بسلوكيات التحيّز بعد فوات الأوان.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!