تابعنا على لينكد إن

كان القلق ينتاب ليزلي جون حين وصلت إلى مركز عملها صباح يوم الانتخابات الرئاسية الأميركية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون. ليزلي هي أستاذة مشاركة في كلية هارفارد للأعمال، وهي أيضاً خبيرة في مجال بحوث القرار السلوكي، كما تدرس مختلف العيوب والتحيزات الفطرية التي تُعيق العقل البشري. وكمؤيدة لكلينتون، تساءلت جون عما إذا كانت نفس الفخاخ المعرفية التي تدرسها في المختبر يمكن أن تؤدي إلى الثقة المفرطة حول احتمال فوز كلينتون. تقول جون: “كل الذين تحدثت معهم أشاروا إلى استطلاعات الرأي الديمقراطية والجمهورية وإلى أسواق المال. أساساً كل المُتنبئين في السجل العام كانوا يتوقعون فوز كلينتون. وعلى الرغم من ذلك ها قد فاز ترامب”.

في صباح اليوم التالي للانتخابات، تحدثت مع ليزلي لفهم كيف يمكن لرؤى من العلوم السلوكية أن تساعد في تفسير واحدة من أكبر الاضطرابات المفاجئة في تاريخ الانتخابات الديمقراطية وسر الجاذبية لدى مُرشح ظنّ قلة من المعلقين الخبراء أنه سيفوز.

هارفارد بزنس ريفيو: ليزلي جون، إنّ استطلاعات الرأي قبل الانتخابات وتكهّنات الخبراء لم تكن صحيحة فقط. بل كان معظمها مغلوطاً بقسوة. لكن، قيل لنا أننا نعيش في عصر توفر فيه تحليلات البيانات رؤية غير مسبوقة إلى المستقبل. ما الذي أدّى إلى قطع الاتصال إذاً؟

جون: “إنه أمر مذل للغاية، أليس كذلك؟، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ استخدام الخوارزميات والتنبؤات التي يُولدها الحاسوب بشكل روتيني في أيامنا هذه، سيُؤدي إلى نتائج غير مُنحازة. ولكن هناك مشكلتان في هذا التفكير. الأولى هي أنه في نهاية المطاف، البشر هم من قاموا ببناء الخوارزميات. وبالتالي، فإنّ جميع أنواع التحيزات يمكن إدخالها في مرحلة البناء. ويمكن القول في هذه الحالة، أنّ مدخلات عملية الاقتراع كانت معيبة. أنا أعي أنّ أنصار ترامب، الذين هم أيضاً مناهضين للمؤسسة، نظروا إلى مسؤولي الاقتراع على أنهم جزء من المؤسسة، وبالتالي رفضوا التعامل معهم. ومن العوامل الأُخرى التي تؤدي إلى تحيّز الاستجابة في الاقتراع هو ما يسميه علماء السلوك “بالاستجابة المرغوب فيها اجتماعياً”، يمكنك أن تتخيل النساء وهنّ مترددات في الاعتراف بأنهن ذاهبات للتصويت لصالح ترامب بعد ظهور لقطات من المفاخرة له عن الاعتداء الجنسي مثلاً”.

فإذاً المُعلّقين الخبراء -على جانبي الممر- كانوا يعملون مع معلومات الاقتراع السيئة. ما الذي يكون قد عتّم رؤيتهم؟

جون: “عند سؤالك هذا، تتوارد الثقة المُفرطة إلى الأذهان. هناك طن من البحوث التي تُبين أنّ الناس يبالغون في الثقة بمعتقداتهم. نحن نعتقد أنّ قدرات التنبؤ لدينا هي أفضل مما هي عليه حقاً. وإذا ما أضفنا الرغبة في تحقيق نتائج معينة إلى الثّقة المفرطة فإنها تُضخّم المشكلة. على سبيل المثال، أظن أنّ أكثر المُعلّقين النخبة لا يُناصرون ترامب”.

“هناك ورقة بحث كلاسيكية في علم النفس الاجتماعي بعنوان “الاستيعاب المُنحاز واستقطاب الموقف”، وجد البحث فيها أنه عندما تُريد أن تُصدق شيئاً، ويتم تقديم الأدلة لك، أنت تقوم بتفسير تلك الأدلة كدعم  لاعتقادك المرسوم مُسبقاً. في هذه الدراسة، قام الباحثون بفرز المشاركين إلى مجموعات على أساس ما إذا كانوا يؤيدون عقوبة الإعدام. وبعد ذلك عرضوا على كلا المجموعتين قسمين من الأدلة، واحد يدعم عقوبة الإعدام وواحد ضدها. ووجد الناس أنّ الأدلة التي أكدت اعتقادهم أكثر إقناعاً بكثير من الأدلة الأُخرى. في نهاية المطاف، فإن التجربة انتهت باستقطاب كلا المجموعتين نحو موقفهم أكثر، بالضبط عكس ما تتوقع حدوثه عند تقديم “كلا الجانبين” من الحجة”.

من المثير للاهتمام أنه خلال الحملة العديد من المُعلّقين سخروا من أنصار ترامب بسبب البقع العمياء لديهم فلا يرون الأمور بوضوح، ولكن اتضح أنّ هؤلاء المُعلّقين كانوا عرضةً لنفس التحيزات المعرفية.

جون: “تماماً. وكما أنني وجدت أنه أمر مثير عندما كثرت إشارات وسائل الإعلام إلى التناقضات والأكاذيب في تصريحات ترامب، فكثر معها تحفيز مُشاركة أتباعه. وحدد الأكاديميون ظاهرة تسمى “التفاعل النفسي”. عندما نشعر أنّ شخصاً ما يحاول أن يملي علينا ما نفكر أو نفعل، تكون ردة فعلنا عكس ما نشعر بما يُقال أنه علينا القيام به”.

“هناك حبل آخر كامل من البحوث التي تخص ما نتحدّث عنه هنا. وأظهر كل من كاميرون أندرسون (Cameron Anderson) ودون مور (Don Moore)، في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، أنّ الثقة الزائدة تؤدي إلى أن ينظر الناس إليك على أنك أكثر كفاءة من الآخرين كما تُتيح لك مكانة أعلى ونفوذاً. كما أنهما أظهرا أنه حتى عند عرض الثقة المفرطة للآخرين، ما زال الناس لا يُعاقبون اجتماعياً. عند الجمع بين ثقة ترامب وعروض الهيمنة الخاصة به، (على سبيل المثال، عدم توقّفه عن مقاطعة كلينتون خلال المناقشات) يمكن أن نفهم لماذا سوف يصدقه الناس”.

كانت الثقة قضية كبيرة لدى كلينتون ولكن ليس بالقدر نفسه لدى ترامب. هل لديك أي فكرة لماذا؟

جون: “قمت ببحوث تُبين أنّ الناس الذين يكشفون عن معلومات يُنظر إليهم دائما على أنهم أكثر جدارة بالثقة من الناس الذين يرفضون الكشف عن المعلومات، حتى لو كانوا يعترفون بفعل مخالفات. لدينا ورقة بحث تبيّن لنا فيها أنّ المرشحين للوظائف الذين يكشفون عن حقيقة ارتكابهم لجريمة، عندما يُسألون عن ذلك في نموذج طلب الوظيفة، يُنظر إليهم على أنهم أكثر جدارة بالثقة من الناس الذين يختارون عدم الإجابة عن نفس السؤال في النموذج. مع كلينتون كان هناك الكثير من الأمثلة، حيث أنها لم تكن مُقبلة على البوح بالأمور، حتى أنها عبرت لاعبة دور المختبئة، الذي أعتقد أنه يفسّر جزئياً لماذا كان يُنظر إليها على أنها غير جديرة بالثقة من قبل العديد من الأميركيين”.

“وفي الوقت نفسه كان ترامب أيضاً متكتّماً جداً حول بعض الأمور، مثل عوائد الضرائب الخاصة به. لكن في حالته كان لديه عدد قليل من الأعمال الرئيسية التي تم الكشف عنها، وربما ذلك أدّى إلى أن ينسى الناس الحالات التي امتنع عن الكشف فيها. وما هو أكثر من ذلك، شعر الناس أنه “قال الحقيقة كما هي”. بشكل أساسي، لقد كان واضحاً حتى في البوح عن المعتقدات التي تُكسبه وصمة عار اجتماعية، ما عزّز سمعته حول جدارته بالثقة. في الواقع، قول أمور تحمل شيئاً من المُجازفة يمكن أن يمنح المزيد من الدّوي لرميتك عندما يتعلق الأمر بالثّقة. على الرغم من ذلك ،وبطبيعة الحال، هذا أمر يحمل مخاطره الخاصة”.

“المثال الذي وضع هذين المنهجين المختلفين معاً في ذهني هو عندما كانت كلينتون تُعاني من الالتهاب الرئوي. كانت مريضة بوضوح، لكن لم تقم بمعالجة هذه القضية قط، ونفت أن تكون ليست على ما يرام إلى أن ظهر شريط فيديو لها في لحظة الإغماء. ترامب، من ناحية أُخرى، أصدر مسبقاً أجزاء من سجلاته الطبية”.

صحيح، ولكن تلك السجلات الطبية كانت مُنسقة للغاية وغير مكتملة.

جون: “آه، هناك عيب معرفي آخر مثير للاهتمام في موضع اللعب هناك. نحن لا نشك في مصدر المعلومات عند وضعه بين أيدينا، ولسنا متطورون للغاية في فهم أنه يجب النظر جيداً في مصدر المعلومات. على سبيل المثال، عادة لا يأخذ منا التدقيق في المعلومات من مصدر مُنحاز الوقت والتدقيق الإضافي الذي يستحقه. بدلاً من ذلك، نحن نميل إلى الحصول على الأدلة بالقيمة الإسمية. هذا جزء من اتجاه أوسع للتفكير بشكل ضيّق عند تقييم المعلومات واتخاذ القرارات”.

“على سبيل المثال، إذا أراد ترامب تقديم عرض دقيق عن صحته، عليه أن يأخذ عينات من سجله الصحي بشكل عشوائي و يُفصح عنها، أو يُفصح عن تاريخه الطبي بأكمله. لكن هذا ليس ما فعله، بل اختار من المعلومات ما يفيده . وأطلق ما أسماه سجلّه الصحي، ولكن كان من الواضح أنه ليس سجلاً كاملاً. إلا أنّ هذا ليس ما أدركه الناس. لقد حسبوا أنه كان مُقبلاً على الإفصاح وكانت كلينتون تتبع الإخفاء، وبالتالي ليست جديرة بالثقة”.

لذلك، ما هي الرسالة هنا لأولئك الذين شعروا بالإذلال من هذه النتيجة؟، هل يمكنهم تجنّب إعادة تجربة الصدمة في المستقبل؟

جون: “هناك بعض البحوث الجيدة حول ما يجعل المتنبئين جيدين وكيفية تحسين التنبؤ. لكن إحساسي العام هو أنّ التحيزات قوية جداً. ومن الصعب حقاً التخلّص من الثقة المفرطة. لقد طلب الباحثون في إحدى الدراسات من المشاركين الإجابة على أسئلة تافهة تتطلب جواباً محدداً، (على سبيل المثال، “ما هو عدد الأميركيين الذين يملكون جواز سفر”، كانت المهمة تحديد فترات الثقة مراراً وتكراراً، فترات ثقة الناس كانت ضيّقة جداً). هذا هو التحيز المفرط الكلاسيكي. لكن في هذه التجربة، حاول الباحثون التدخل بقوة: قالوا للناس أنّ فترات ثقتهم ضيقة جداً ويجب جعلها تمتد على نطاق أوسع. إلا أنّ الناس ظلّوا يبالغون في تقدير دقة إجاباتهم. إذن، هناك حلّ واحد حازم لهذا الأمر هو تفويض القرارات لأشخاص بلا مصلحة في النتيجة”.

ما يمكن أن يتوقعه مناصرو كلينتون وترامب في الأيام القادمة؟

جون: “تُبيّن البحوث أنّ الأمور السيئة تؤثر علينا أكثر من الأشياء الجيدة، ونحن نشعر بكثير من اليأس في الأخبار السيئة أكثر من الفرح في الأخبار الجيدة. من خلال هذا المنطق، فإنّ هذه النتيجة ستحمل ألماً لأنصار كلينتون أكثر من الفرح لأنصار ترامب. ولكن، ربما يكون هناك عوامل تعويضية، مثل حقيقة أنّ الناس يعيشون تجربة فرح أعظم عندما يشاركونها مع الآخرين بدلاً من أن يعيشوها وحدهم. ومن الواضح أنّ أنصار ترامب لديهم خبرة مُبهجة للمشاركة. وأعتقد أنّ كل ما يمكننا قوله بالتأكيد هو أنّ الكثير من الناس، حتى الكثير من مؤيدي ترامب، سيبقون مستغربين لهذه النتيجة. وأشعر كأنني علمت أنّ هذه النتائج ستحصل، لكن في نهاية اليوم، يجب أن أُحلّل الحدث بعد وقوعه مع القليل من الحذر . أنا لست في مأمن من النزعة البشرية التي تجعلك تعتقد أنك كنت تعرف كل ذلك منذ البداية، وهي ما يسمّيه العلماء بسلوكيات التحيّز بعد فوات الأوان”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz