كيف تبني علاقات مهنية مع زملاء من مختلف الثقافات العالمية؟

7 دقيقة
الشعور بالاختلاف
فريق عمل هارفارد بزنس ريفيو، سيري ستافورد/ جوناثان نوليز/فيجوال سبيس/توماس ليتينن/غيتي إميدجيز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: لا يراعي معظمنا تأثير الثقافة في افتراضاته حول بناء العلاقات مع الآخرين، لكن الأبحاث تُظهر أن تنشئتنا الثقافية تؤثر بشدة في طرق تكويننا لعلاقاتنا مع الآخرين وحفاظنا عليها. تتحدث هذه المقالة عن 6 عناصر أساسية لقواعد بناء العلاقات وهي: المكان المناسب لإقامة العلاقات، ومَن يمكنه المبادرة في إقامة العلاقات ومع مَن، وأنواع العلاقات، وأنواع المعلومات الشخصية التي يتبادلها الموظفون، وكيف يقدمون أنفسهم في المراحل الأولى من التعارف، ومدى سرعة الوصول إلى شعور حقيقي بالثقة والألفة. لهذه العناصر دور كبير في تجنب الارتباك وسوء الفهم اللذين يحدثان من محاولة الموظفين من ثقافات مختلفة إقامة علاقات فيما بينهم. سيفهم الموظفون في بيئات العمل العالمية أسباب “الشعور بالاختلاف” عند التعرف إلى زملائهم من خلال مراعاة العناصر الستة هذه، وقد يكتشفون أن لديهم قواسم مشتركة مع زملائهم أكثر مما كانوا يظنون.

بينما كان بارثا شاه يتفقد بريده الإلكتروني للمرة الـ 100، لم يصدق ما رأته عيناه، فقد تلقى عرض عمل من إحدى شركات التكنولوجيا العالمية المدرجة في قائمة “فورتشن 100” التي كان يحلم بالعمل فيها منذ أن بدأ دراسة إدارة الأعمال. كان قبوله في الوظيفة أمراً مستبعداً، إذ كان يفتقر إلى مهارات التحليل الكمي التي كانت الشركة تبحث عنها؛ لكن بارثا كان يتمتع بالعديد من المزايا الأخرى، مثل التدريب الداخلي الذي تلقاه في مجال التسويق، ومهارته في الاستراتيجية والتصميم، وقدرته على التفاعل بسلاسة مع الثقافات الأخرى. نشأت الموهبة الأخيرة لديه بالفطرة، إذ كان من السهل عليه تكوين صداقات مع طلاب من كل القارات تقريباً، وكان يتابع مبتكري الأعمال من جميع أنحاء العالم ليبقى على اطلاع على التوجهات العالمية، وكان يغتنم أي فرصة للسفر إلى الخارج. ونظراً لاهتمامه الشديد بالثقافات المختلفة القريبة والبعيدة، لم يقلقه جانب تعدد الثقافات في وظيفته الجديدة.

لكنه فوجئ بصعوبة بناء العلاقات مع زملائه الجدد، فهم ليسوا مثل أترابه من دول العالم المختلفة الذين بنى معهم صداقات ناجحة في الكلية. شعر بأن زملاءه غرباء عنه حتى بعد أسابيع عدة من العمل، ووجد التواصل معهم مُحرِجاً ومصطنعاً وغير عفوي؛ كانت تلك أول مرة يشكّل التعامل مع زملاء من ثقافات أخرى مشكلة لبارثا. كان الوضع مربكاً، خاصة أنه لم يستطع معرفة سبب اختلاف بناء العلاقات عما اعتاد عليه، والأسوأ من ذلك أنه لم يتوصل إلى حل للمشكلة، فسلبته المتعة من حياته في العمل وخشي أن تؤثر في مستقبله المهني.

الواقع أن المؤسسات العالمية التي انضم بارثا إلى إحداها لا تعطي الأولوية للوعي الثقافي أو تقدير الاختلافات الثقافية بالدرجة المطلوبة: يعمل 89% من موظفي الشركات الكبرى في فريق عالمي واحد على الأقل بحسب إحدى الدراسات الاستقصائية، و62% منهم لديهم زملاء من 3 ثقافات أو أكثر. يجب أن يمتلك هؤلاء الموظفون القدرة على بناء علاقات فعالة مع زملاء من ثقافات أخرى وتجاوز الاختلافات الثقافية. وستزداد أهمية ذلك نظراً لاستمرار الشركات في نهج العولمة والتنوع، ولا يقتصر الأمر على الشركات الكبيرة التي تتجه نحو العالمية فحسب، إذ تخطط نسبة 75% من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم لزيادة عدد موظفيها الدوليين وفقاً لدراسة استقصائية حديثة.

لا يراعي معظمنا أثر الثقافة في توقعاتنا وافتراضاتنا حول بناء العلاقات، وليس بارثا استثناء. ولكن وفقاً لأبحاثنا التي أجريناها مع أكثر من 100 موظف حول العالم، تؤثر نشأتنا الثقافية على طريقة تكويننا للعلاقات مع الآخرين وحفاظنا عليها إلى حد بعيد. في كتابنا الجديد “بناء العلاقات في القوى العاملة العالمية” (Forging Bonds in a Global Workforce)، نحدد 6 عناصر أساسية لقواعد بناء العلاقات، وهي المكان المناسب لإقامة العلاقات، ومَن يمكنه المبادرة في إقامة العلاقات ومع مَن، وأنواع العلاقات، وأنواع المعلومات الشخصية التي يتبادلها الموظفون، وكيف يقدمون أنفسهم في المراحل الأولى من التعارف، ومدى سرعة الوصول إلى شعور حقيقي بالثقة والألفة. لهذه العناصر دور كبير في تجنب حالات الارتباك وسوء الفهم والتقدير التي تحدث عندما يحاول أشخاص من ثقافات مختلفة إقامة العلاقات فيما بينهم.

سيفهم الموظفون في بيئات العمل العالمية، مثل بارثا، أسباب “الشعور بالاختلاف” عند التعرف إلى زملائهم من خلال مراعاة العناصر الستة هذه، وقد يكتشفون أن لديهم قواسم مشتركة مع زملائهم أكثر مما كانوا يظنون. سنقدم في هذه المقالة العناصر الستة الأساسية لقواعد بناء العلاقات، وهي المكان، والسلطة، والهدف، والخصوصية، والتقديم، والوتيرة.

المكان

ينجح بناء العلاقات في أماكن تختلف باختلاف الثقافات، لذا من المهم معرفة المكان المناسب لتكوين العلاقات مع زملائك المنتمين إلى الثقافات الأخرى حتى تتمكن من اغتنام الفرصة المناسبة. فمثلاً يقتصر بناء العلاقات بين الموظفين في اليابان، خاصة مع المدراء، على اللقاءات خارج مكان العمل، في أماكن مثل مقاهي “الكاريوكي”. ينبغي للموظفين الدوليين في اليابان أن يدركوا الفرصة الفريدة لبناء العلاقات التي توفرها مقاهي الكاريوكي، خاصة إذا كان هذا المكان بالتحديد لا يتمتع بالقيمة نفسها في ثقافة بلادهم. في المقابل، قد تُبنى العلاقات في كندا داخل مكان العمل في مساحات مثل قاعة الاستراحة أو الردهة قبل الاجتماع أو بعده، أو في أثناء فترة الغداء أو خلال استراحة العمل؛ في هذه الحالة إذا أجّلت محاولة إقامة علاقاتك إلى مناسبات خارج مكان العمل فلن تحظى بفرصة أبداً. في ثقافات أخرى، مثل الهند، ترتفع إمكانية بناء العلاقات في المناسبات التي لا تتعلق بالعمل، مثل المهرجانات المحلية أو الاحتفالات العائلية التي يمكن أن يدعوك زميلك إلى منزله فيها؛ في حال لم تلب الدعوة فستوجه إهانة لزميلك وتجد صعوبة في تكوين علاقة معه في العمل.

السلطة

ترسم السلطة الحدود المفترضة للعلاقات وبدرجات متفاوتة بحسب الثقافة، ولا سيما فيما يتعلق بمن يمكنه إقامة علاقات مع مَن، وعلى أي مستوى، ومَن يتولى القيادة. تخيل أنك تنحدر من ثقافة هرمية مثل ثقافة كوريا الجنوبية، حيث ستنشأ على ضرورة احترام الأكبر سناً في العائلة والمدرسة وفي السياقات الدينية، وبالتالي في مكان العمل، ثم تخيل أنك شاب حديث العهد تعمل في شركة ناشئة في الولايات المتحدة، حيث يعد بناء العلاقات مع المدراء أمراً طبيعياً ومطلوباً؛ ففي حال وجدت نفسك في قاعة الاستراحة بين اجتماعين، وكان الموظفون من مختلف المستويات الوظيفية يتبادلون الأحاديث الجانبية ويتمازحون ويضحكون، سيكون من الصعب عليك أن تمازح مديرك؛ بل قد تشعر بأن ذلك غير لائق وغير محترم.

لنقلب الأدوار الآن، ماذا لو نشأت في ثقافة عمل مسطحة (ذات مستوى واحد) تقلل من شأن التسلسل الهرمي مثل ثقافة العمل في السويد وهولندا وذهبت للعمل في الصين أو ماليزيا؛ عليك حينها إظهار الاحترام لمديرك والانتظار بصبر حتى تظهر منه إشارات تدل على إمكانية بدء بناء العلاقة معه. قد تكون هذه الإشارات غير مباشرة، مثل البوح بتفاصيل شخصية صغيرة أو إظهار لفتة لطف صغيرة، لذلك احرص على التنبه لأي إشارة. في العمل العالمي، ستمنحك مراعاة عنصر السلطة فرصة أفضل لتعزيز العلاقات بطريقة تبدو مناسبة وفعالة ومهنية.

الهدف

لا تبنى العلاقات المهنية جميعها للهدف نفسه؛ فبعضها له فوائد على الصعيد العملي أو له عوائد استراتيجية مثل تأمين صفقة مع عميل مهم بالنسبة لمستشار مستقل، ويقدم بعضها الآخر فوائد على الصعيد الشخصي، مثل روح الزمالة والتقدير الذي تحصل عليه نتيجة تعاونك مع زملائك. قد يُفضل الموظفون في دول مثل ألمانيا الفصل بين هذين الهدفين، فليس عليك أن تكون ودوداً مع زميلك في العمل هناك، وقد يبدو ذلك تطفلاً أو انتهاكاً لخصوصيته. ولكن في ثقافات أخرى مثل ثقافة العمل في البرازيل، تُعتبر العلاقات في مكان العمل قيمة في حد ذاتها، ويصبح الزملاء أصدقاء في معظم الأحيان ويجتمعون في عطلة نهاية الأسبوع لقضاء وقت ممتع. وفي بعض البلدان مثل الولايات المتحدة، نرى مزيجاً من هذا وذاك، إذ يستمتع الناس ببناء علاقات شخصية، ولكن بهدف تحفيز الفريق والعمل بفعالية وإنجاز العمل بسرعة أكبر. ترتبط مفاهيم الهدف بتفسيرات مفهوم “المهنية” المختلفة، وفي حال لم ننتبه إلى ذلك فقد نشعر بالانزعاج أو خيبة الأمل أو الارتباك أو الحيرة، ونتسرع في إصدار الأحكام عندما يخالف الزميل توقعاتنا.

الخصوصية

ينطوي بناء جميع العلاقات على البوح بأمور شخصية بدرجة معينة، ولكن المعلومات التي تكشفها وسرعة البوح بها تختلفان بشدة من ثقافة إلى أخرى (ومن شخصية إلى أخرى). أخبرتنا موظفة برازيلية أجرينا مقابلة معها بأنها تناقش المواضيع كلها تقريباً مع زملائها في العمل، وترى أنه من غير اللائق أن يضع الناس جدراناً مصطنعة حول حياتهم الشخصية في أماكن عملهم، أين المشكلة في ذلك؟ فنحن بشر في النهاية. وقالت إنها إذا حاولت التعرف على شخص ما عدة مرات ولم يتجاوب معها بانفتاح في النهاية، فستفترض أنه متكبر أو غير اجتماعي وستتوقف عن المحاولة. والآن فكر في وجهة نظر مختلفة تماماً من مدير تايواني أعرب عن استيائه من الأسلوب الأميركي التقليدي الذي يطرح أسئلة شخصية أكثر من اللازم. “يقولون أشياء مثل ‘أخبرني عن نفسك’ أو يطرحون أسئلة عن أصلي وعائلتي، وأقول لنفسي: ‘ما خطبه، لقد تقابلنا للتو! فلنتحدث عن أشياء أقل خصوصية أولاً'”. من السهل أن نرى أن هذه الاختلافات في المعايير الثقافية تؤدي بسهولة إلى إساءة زميلين في العمل الحكم على أسلوب تعامل كل منهما مع الآخر، وقد يفترضان أن العلاقة ميؤوس منها لكن الحقيقة هي أن معاييرهما لما يتبادلانه وتوقيته مختلفة.

التقديم

عندما تقابل أحدهم أول مرة، كيف تقدم نفسك إليه؟ هل تبتسم له وتحييه بنبرة ترحيبية دافئة متفائلة إيجابية؟ هل تحاول إنشاء إحساس من الألفة بينكما بتبنّي سلوك غير رسمي وخلق أجواء مريحة؟ أم ستتبع نهجاً متحفظاً وتظهر بوجه متجهم وتركز على الرسميات أكثر من البشاشة؟ نقصد “بالتقديم” في هذه المقالة أسلوب التواصل اللفظي وغير اللفظي الذي تستخدمه وتتوقع أن يستخدمه الطرف المقابل خلال تفاعلاتك الأولية معه، وله مثل العناصر الأخرى جذور ثقافية قوية، ما يجعله سبباً لسوء الفهم.

أُقيمت فعالية لبناء العلاقات المهنية بين موظفين أميركيين وفرنسيين، وكانت مثالاً جيداً على الاختلاف الثقافي حول مفهوم التقديم. أخبرنا الذين قابلناهم من الفرنسيين بأنهم حاولوا جاهدين أن يتركوا انطباعاً جيداً من خلال التحلي بالأدب والوقار واللياقة والتحفظ إلى حد ما في البداية، كما حاولوا إظهار ذكائهم وكفاءتهم من خلال مناقشة مواضيع فلسفية عميقة تبدو لهم مجالاً مهنياً آمناً، لكنهم بدوا غير ودودين ومتعجرفين بالنسبة لنظرائهم الأميركيين الذين لا يرغبون عادةً في النقاشات المتعمقة بل يبحثون عن علامات البشاشة والانسجام. أما الأميركي الذي يتحدث عما يعتبره “مواضيع يومية” مثل الرياضة والفن وأخبار المشاهير وهو يبتسم ابتسامة عريضة ويقف بطريقة غير رسمية فيبدو للفرنسيين سطحياً وغير ناضج ويفتقر إلى الرزانة. يمكن أن تؤدي هذه الإشارات المتضاربة إلى تعريض العلاقة للخطر حتى قبل أن تبدأ، ليس بسبب عدم القدرة على تفهّم الاختلافات بل لأن تفسيرات كل طرف لمعناها تدفعه إلى الظن بأن الشخص الآخر لا يستحق بناء علاقة معه.

الوتيرة

هل تفضل التعرّف إلى الآخرين بسرعة أم أخذ الأمور بروية؟ لعنصر الوتيرة الذي يتشابه في طبيعته مع عنصر الخصوصية دور في العلاقات المهنية بين الموظفين من ثقافات مختلفة، لأن بعض الثقافات (والشخصيات) تسارع لبناء ثقة العمل الأولية ثم تشرع في العمل على الفور، في حين أن البعض الآخر بطيء في الانفتاح. في ألمانيا على سبيل المثال، يستغرق الأمر بعض الوقت للشعور بالراحة الكافية مع زميل عمل جديد لتبادل المعلومات الشخصية معه، وهذا يتوضح في أن الألمان ينتظرون فترة طويلة قبل استخدام الصيغة الأكثر ألفة للضمير “أنت” وهي بالألمانية (du) ويستخدمون الصيغة الأكثر رسمية (sie) حتى يحين الوقت المناسب. لا يمكنك عادةً تسريع وتيرة بناء العلاقات الشخصية في ألمانيا كما هي الحال في الولايات المتحدة أو بعض دول أميركا الجنوبية، وبالمثل، سمعنا من مغترب ياباني في الأردن أنه اعتاد تناول الكثير من الشاي والحلويات باعتبارها جزءاً من طقوس التعارف المحلية، وكان يرى أن سلسلة المحادثات التمهيدية غير ضرورية بالنظر إلى المهام التي كان يؤديها، ولكنه حاول أن يتماشى مع التيار لأنه كان يفهم قاعدة الوتيرة.

لا يُقصد بهذه العناصر الأساسية لبناء العلاقات بين الثقافات المختلفة أن تكون صيغة للتنبؤ بتصرفات أشخاص ينتمون إلى ثقافة معينة، كما أنها لا تهدف إلى تعليم الموظفين الدوليين مثل بارثا طرقاً محددة لبناء علاقات مع زملائهم المنتمين إلى مختلف الثقافات، لكنها تهدف إلى مساعدة الموظفين الذين يعملون مع زملاء من ثقافات مختلفة على فهم “قواعد” بناء العلاقات الخاصة بهم، وتنمية إدراكهم لأساليب الآخرين، والأهم من ذلك معرفة أوجه الاختلاف والتطابق الرئيسية بين الأساليب وتوقعها. بعد معرفة ذلك تتمثل الخطوة التالية في العثور على أفضل الطرق للتعامل في ظل هذه الفوارق حتى لا توءد العلاقات الواعدة في مهدها، سيقرر الموظف في النهاية مدى تكيفه مع قواعد الطرف الآخر أو تفهم الاختلاف ببساطة، ولكن فهم الاختلاف هو الخطوة الأولى الحاسمة في بناء العلاقة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .