نعيش في حقبة من الزمن يكاد فيها كل منتج أو خدمة أن يُفصّلا تفصيلاً ليُلبيا احتياجات الزبائن ورغباتهم. وباتت المؤسسات أيضاً تسعى على نحو متواتر إلى مواءمة بيئة العمل مع تطلعات وطموحات موظفيها، من خلال توفير ترتيبات عمل خاصة أو ما تسمى عادة "اتفاقات العمل الخاصة". وكانت دينيز روسيو أول من ابتكرت هذه التسمية لتصف بها ترتيبات العمل الفريدة التي يتفاوض بشأنها الموظفون مع إداراتهم والتي يتم تفصيلها لتلبي احتياجاتهم الشخصية. ولعلّ المفردة الأساسية هنا هي "الفريدة" على اعتبار أنّ هذه الترتيبات، بالتعريف، تنطبق على شخص واحد فقط ضمن الفريق أو ضمن بيئة العمل الأوسع ويمكن أن تنطوي على ترتيبات مالية فريدة (كالعلاوات والمزايا وما إلى ذلك)، وترتيبات بيئة عمل مرنة (كالمرونة في ساعات العمل أو إمكانية العمل من المنزل)، وتغييرات في حجم أعباء العمل.

وعلى مدار السنوات العشر الماضية، أظهرت الأبحاث أنّ إجراء مثل هذه الترتيبات إنما هي طريقة جيدة ومفيدة لتحفيز الموظفين وتعزيز انتمائهم للمؤسسة. فاتفاقات العمل الخاصة، شأنها شأن المنتجات والخدمات المفصلة تفصيلاً حسب رغبات الزبائن، تجعل الموظفين يشعرون أنهم مميزون وفريدون وتُلبى احتياجاتهم ورغباتهم، فضلاً عن أنّ هذه الترتيبات تعزز ثقة الموظفين بأنفسهم. بالمحصلة، يغدو هؤلاء الموظفون أكثر التزاماً بأعمالهم ويضاعفون جهودهم فيها. أفلا يبدو هذا حلماً بالنسبة للمدراء؟ لكن لسوء الحظ، ليس الأمر دائماً على هذا النحو. فيمكن لهذه الترتيبات أن تنقلب بسهولة إلى كابوس بالنسبة لأولئك المدراء ما لم يُحققوا قدراً كافياً من المساواة والعدل بين الموظفين ضمن فرقهم. إذ منح أحد أفراد الفريق دون زملائه شروط عمل مفصلة لتلبي رغباته الخاصة، يمكن أن يُنظر إليه من باب التفضيل أو التمييز، ما لم يُدار بحذر وحكمة. ومن شأن ذلك أن يوقظ مشاعر الحسد بين الموظفين ويقوّض إنتاجيتهم.

ماذا يتعيّن على المدراء أن يفعلوا إذا ما أراد أحد موظفيهم الحصول على اتفاق عمل يلبي رغباته الخاصة؟ هل ينبغي عليهم الموافقة؟ وإذا فعلوا، كيف بوسعهم إدارة أي تداعيات لمثل هذا الاتفاق وضمان تقبّل الزملاء؟ تُظهر أبحاثنا أنّ على المدراء أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة الثلاثة الآتية.

ما الذي يطلبه الموظف ولماذا؟

ليست جميع الاتفاقات الخاصة متساوية. فمنح أحد الموظفين امتيازات مالية إضافية ربما يكون إشكالياً، لأن الزملاء في العمل من المرجح أن ينظروا إلى ذلك الاتفاق بوصفه تمييزاً وتفضيلاً لزميلهم عليهم. فاتفاقات كهذه يمكن اللجوء إليها فقط في حال كان الموظف المعني نجماً مطلقاً وماهراً جداً في عمله ويطلب مكافأته على أداء استثنائي حققه. وعندما يمكن إثبات فرادة هذا الأداء المتميز للآخرين بموضوعية، يخلق ذلك نوعاً من التبرير والمشروعية لذلك الاتفاق الخاص، ويشكّل أيضاً حافزاً للآخرين لتحسين أدائهم بهدف التأهل لاتفاق مشابه في المستقبل. أما الاتفاقات الخاصة الأخرى التي تلبي الاحتياجات الفردية الخاصة للموظفين (بدل منحهم مكافآت مالية)، يمكن تمريرها بسهولة أكبر من دون أن تخلق إحساساً بالظلم لدى الآخرين. خذ على سبيل المثال المعيلة الوحيدة لطفلها التي تطلب ساعات عمل مرنة بهدف إحداث نوع من التوازن بين واجباتها في العمل وواجباتها تجاه طفلها، أو الموظف الذي يعاني من مشاكل صحية ويطلب تخفيضاً مؤقتاً لأعباء العمل الملقاة على عاتقه ريثما يستعيد صحته وعافيته، في مثل هذه الحالات من المرجح أن يتفهّم الزملاء الأمر وينظرون إلى هذه الاتفاقات الخاصة بوصفها منصفة بما أنهم لا يعانون من نفس الظروف الصعبة.

هل أشعر بالراحة وأنا أخبر باقي أعضاء الفريق بهذا الاتفاق؟

إذا كان الجواب بالنفي، من المرجح أن يجد الآخرون الاتفاق مثيراً للريبة. وفي هذه الحال يميل المدير لأن يبرم الاتفاق مع الشخص المعني دون إخبار الآخرين به، غير أنّ هذه الاستراتيجية صعبة التبرير، ونادراً ما تبقى الأسرار طيّ الكتمان. فقد أظهرت أبحاث نانسي داي حول موضوع سرية الأجور أنّ مجرد الطلب من الموظفين ألا يناقشوا موضوع الأجر مع زملائهم لا يضمن على الإطلاق أن يبتعدوا بأنفسهم فعلاً عن الحديث حول الموضوع. وفضلاً عن ذلك من الصعب إبقاء الاتفاق طيّ الكتمان حينما تكون بعض عناصره بادية للعيان (كأن يرى الموظفون على سبيل المثال أنّ أحد زملائهم يأتي ويذهب إلى العمل متى يشاء). وعندما يكتشف الآخرون ذلك الاتفاق، سيكون إقناعهم بأنك لم تكن تميّز بين موظفيك وبأنك تستحق ثقتهم من جديد أمراً بالغ الصعوبة.

هل هنالك أي معيقات بنيوية؟

ربما يكون تطبيق الاتفاقات الخاصة مع بعض الموظفين صعباً ومحفوفاً بالمخاطر عندما يكون أولئك الموظفون جزءاً من فريق عمل متكامل يستدعي منهم العمل والتنسيق باستمرار مع باقي أفراد الفريق. إذ أنه في مثل بيئات العمل هذه تشكل تلك الاتفاقات أعباء إضافية على باقي أفراد الفريق الذين سيضطرون حينئذ لسد الفراغ الذي يتركه زملاؤهم أصحاب الاتفاقات الخاصة. فعندما يكون بمقدور أحد أفراد الفريق على سبيل المثال اختيار ساعات عمله كما يشاء في حين يجبر الآخرون على العمل وفق جدول زمني صارم، من المرجح أن تنشأ عن ذلك مشاكل وصعوبات في التواصل والتنسيق. وكذلك الأمر عندما ينجح أحد الموظفين بالاتفاق مع الإدارة على خفض نصيبه من أعباء العمل، ومن المؤكد أنّ على باقي أفراد الفريق العمل أكثر للتعويض عن النقص الحاصل. ولحل بعض هذه المشاكل، ويمكن نقل سلطة الموافقة على تلك الاتفاقات الخاصة إلى الفريق ككل، إذ من شأن ذلك أن يجعل الفريق ينظر إلى تلك الاتفاقات بوصفها أكثر إنصافاً ويتحمل نتائجها بصدر رحب، فضلاً عن أنّ ذلك سيمكنه من إيجاد الحلول المناسبة لأية مصاعب قد تنجم عن تلك الاتفاقات.

عندما لا تفكر ملياً قبل أن تُبرم الاتفاقات الخاصة مع بعض الموظّفين وعندما لا تُديرها بروية وبشكل مدروس، حينها تأتي بنتائج عكسية. لذلك يتعيّن عليك أن تخطو بحذر شديد لتتجنب التسبب بمشاعر الحسد الكيدي، ناهيك عن النزاعات والشكاوى والسلوكيات الهدامة وغير المنتجة في العمل ضمن فريقك. ولكن تذكر أنّ مشاعر الحسد ليست كلها سيئة، فبعض أفراد فريقك يشعر بما نُطلق عليه "الحسد الحميد"، أي إنهم ينظرون إلى الاتفاق الخاص الذي حصل عليه أحد زملائهم بوصفه عاملاً محفزاً لهم يدفعهم لتحسين أدائهم في مسعى منهم لتحصيل اتفاق مشابه أو لضمان موافقة المؤسسة على معاملتهم معاملة خاصة إذا ما دعت ظروفهم إلى ذلك. وهذه بالطبع بعض الآثار الجانبية الإيجابية للاتفاقات الخاصة. في المحصلة من مصلحة كل مدير أن يشكّل فريق عمله من أفراد معنوياتهم عالية ويشعرون بأن مؤسستهم تهتم لأمرهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!