شهد العقد الماضي تزايداً كبيراً في عدد اتفاقيات التعاون البحثي بين الشركات والجامعات. فقد توجهت الشركات، التي لجأت إلى تقليص إنفاقها على الأبحاث الأساسية في مراحلها الأولى على مدار العقود الثلاثة الماضية إلى الجامعات، لتؤدي ذلك الدور سعياً منها لامتلاك فرصة الوصول إلى أفضل العقول العلمية والهندسية في ميادين وقطاعات محددة. ومن جهة أخرى باتت الجامعات أكثر تجاوباً مع هذا التطور، كونها تواجه تخفيضاً مطرداً لدعم أبحاثها الأكاديمية من قبل الحكومات، وضغوطاً متزايدة لرفع إسهامها في الاقتصادات المحلية.

وبدلاً من الاتفاق على مشاريع محددة ولمرة واحدة، غدا الطرفان أكثر اهتماماً بعقد شراكات ومشاريع تعاونية طويلة الأمد. بيد أنّ كلاهما يواجهان معيقات معروفة، وخاصة في ما يتعلق بالتعامل مع اتفاقيات الحفاظ على السرية والوصول إلى اتفاقيات بحثية مرنة وبنّاءة، وذلك في إطار التعامل مع براءات الاختراع المحتملة.

ولقد شهدت كيف تتبلور مثل هذه الاتفاقيات والشراكات ليس فقط في مؤسسات البحث الكبرى ضمن مدينة بوسطن الكبرى (الولايات المتحدة الأميركية)، ومنها مؤسستي، وإنما أيضاً في كل أرجاء الولايات المتحدة. كما إنني أسمع عن تفاصيل تلك الشراكات باستمرار من الإداريين في الجامعات، ورؤساء الشركات التي تمول الأبحاث العلمية، والمدراء التنفيذيين في الشركات الرائدة. ولعل أكثر ما يتردد على مسامعي في أغلب الأحيان، يتمثل في أنّ أياً من الجانبين لا يريد نموذجاً للتعاون يستدعي خوض التفاوض في كل مرة تجري فيها دراسة مشروع بحثي جديد، بل إنهما يسعيان إلى علاقة شراكة حقيقية، علاقة مستدامة وتعاونية تمكّن الشركات من عقد شراكات مع الجامعات بطريقة تتيح لها البقاء على الدوام على اتصال بالبحوث في مراحلها الأولى، وتسرّع ترجمة تلك البحوث إلى منتجات جديدة من شأنها دفع النمو الاقتصادي قدماً. ولذلك يتعيّن على الشركات والجامعات أن تعمل على:

اختيار مكان عمل أقسام البحث والتطوير في الشركات بالقرب من أماكن تنمية المواهب

تُعدّ المزايا التي يوفرها وجود أقسام البحث والتطوير في المجمعات الصناعية الكبرى بالقرب من الجامعات والمراكز البحثية، معروفة بلا شك. لنأخذ على سبيل المثال مجمع “وادي السيليكون” الصناعي وقربه من ستانفورد وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي لطالما شكّل نموذجاً يحتذى به للنظم الإيكولوجية الإبداعية. وبالمقابل يستمر تجمع “مينيابوليس” الذي يضم جامعة مينيسوتا ومركز “إيرلباكن” لأبحاث الأجهزة الطبية التابع لها، في تطوير أحد أكبر مجمعات التكنولوجيا الطبية في العالم.

بيد أنّ الحركة باتجاه تلك الأماكن تسارعت خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الماضية، حيث أدركت الشركات أهمية القرب من مراكز الفعل. فقد اجتذبت بوسطن الكبرى التي تضم 55 مؤسسة للتعليم العالي، مجموعة كبيرة من الشركات العاملة في قطاع الرعاية الصحية وسواها، من بينها شركة فايزر (Pfizer) التي أسست أحد أكبر المراكز البحثية هنالك في العام 2014، وشركة فيليبس هيلث كير التي نقلت المقر الرئيس لقسم البحث والتطوير فيها بالولايات المتحدة إلى كامبريدج في العام 2015 بعد أن كان في مقاطعة ويستشيستر، في نيويورك، حيث كان طيلة السنوات الـ67 السابقة. كما أسست الشركات العملاقة أيضاً مثل فيسبوك، وتويتر، وأمازون لنفسها مقرات رئيسية على الساحل الشرقي وأقامت مكاتباً للهندسة والبحث والتطوير في المنطقة، منضمّة بذلك إلى قافلة جوجل، وآي بي إم، وشلومبرجر، ومايكروسوفت، وكومكاست، وأوراكل وغيرها. في ما نقلت شركة جنرال إلكتريك في العام 2016 مقرها الرئيسي العالمي إلى جانب 600 وظيفة تقنية إلى بوسطن، لكي “نكون في مركز أحد النظم الإيكولوجية التي تشاركنا تطلعاتنا”، حسبما صرّح مديرها التنفيذي جيفري إيملت.

زرع بذار البحث في مراحله الأولية

بدلاً من مجرد مراقبة المرحلة المبكرة من البحوث في الجامعات، وقنص أية فرصة جديدة تظهر ضمن دائرة اهتمام الشركات، يزداد ميل الشركات الذكية منها إلى زرع بذار تلك الفرص في مجالات البحث التي تهمها. لقد درجت بعض الشركات الكبرى في الماضي على تنفيذ برامج داخلية خاصة باستقطاب حملة شهادة الدكتوراه من دون وجود أية علاقة ملموسة بأية مجموعة بحثية أكاديمية، أو على تمويل طلاب الدكتوراه لدوافع خيرية لكن من دون أن تقحم نفسها بشكل مباشر في سير دراسة الطلاب.

غير أنّ نموذجاً مختلفاً أكثر جذباً بدأ يظهر الآن ويتمثل في تمويل الشركة أو إسهامها في تمويل دراسات الدكتوراه في الجامعات والوظائف البحثية في مرحلة ما بعد الدكتوراه التي تدرس المشكلات العلمية المستعصية أو تبحث في مجالات تكنولوجية جديدة تصب في خانة اهتمامات الشركة، وفي الوقت ذاته يسهم علماء الشركة ومهندسوها في الإشراف على أولئك الباحثين بالشراكة مع أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات. وإذا ما ظهر اختراع واعد، يجري تعزيز الدعم المالي إما بصورة مباشرة من الشركة، أو عبر تقديم الجامعة والشركة معاً مقترح تعاون إلى إحدى الهيئات الحكومية للحصول على دعم مالي منها.  

فقد عقدت كليتي مؤخراً على سبيل المثال، شراكة مع شركة شلومبرجر بهدف المساهمة في تمويل مشاريع طلبة الدكتوراه فيها، واستمرت الشركة في تمويل بعض تلك المشاريع التي بدت واعدة. كما إننا في مراحل مبكرة من زرع بذار مشروع جديد مع شركة فيليبس هيلث كير في مجال الرعاية الطارئة. ويتمثل الهدف من تلك الشراكة تقديم مشروع مشترك للحصول على تمويل من هيئة المراكز الصحية الوطنية في الولايات المتحدة. كما نعقد مباحثات ونقاشات مشابهة مع شركات أخرى تُعنى بالرعاية الصحية بهدف تقديم مشاريع مشتركة للحصول على التمويل من الهيئات الحكومية في المدى المنظور، وترجمة نتائج الأبحاث إلى منتجات مبتكرة على المدى الطويل.

رعاية المؤسسات، لا الأفراد فقط

لطالما كانت الشركات تسعى إلى التعاقد مع الجامعات على تنفيذ مشاريع منفردة ولمرة واحدة. أما الآن، برزت نماذج تعاون جديدة تمتد لفترات زمنية طويلة، وتمكّن الشركات من البقاء على صلة بمراكز البحث بهدف تعزيز العلاقات طويلة الأمد معها للتعاون على مشاريع بحثية محددة تقع ضمن نطاق الاهتمام الطارئ لتلك الشركات. فبعد أن انتقل مندوبون عن شركة فيليبس هيلث كير إلى بوسطن على سبيل المثال، التقوا مع أفراد عدة من كلية الهندسة التابعة لجامعة بوسطن وتعرفوا عليهم. وسرعان ما طوروا معاً مشروع تمويل يمتد على مدار عدة سنوات يركز على إحدى مسائل البحوث الأساسية في مجال “الطب الشخصي”. ولقد جرى التفاوض مسبقاً على اتفاقية خاصة بأمور الترخيص، تنص على أنّ أية براءة اختراع تنشأ عن هذا التعاون يجب أن تتحول إلى منتج خلال مدة محددة من الزمن، وإلا عادت ملكاً حصرياً للجامعة.

وتمثل شركة ريد هات مثالاً آخر، وهي شركة رائدة عالمياً في مجال حلول المصادر المفتوحة، قامت بافتتاح “مختبر الإبداع المفتوح” في مدينة بوسطن. وأقامت الشركة الآن شراكة بقيمة 5 ملايين دولار أميركي مع جامعة بوسطن لدعم الأبحاث والتعليم في مجال حلول المصادر المفتوحة والتكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، وتعلم الآلة والأتمتة، والبيانات الضخمة. ويشمل التمويل مختلف المجالات المختلفة من التشارك في الإشراف على طلاب الدكتوراه وطلاب ما بعد الدكتوراه حتى المشاريع المشتركة مع الكلية تحت مظلة ما يطلق عليه اسم “مبادرة الحوسبة السحابية المفتوحة”.

وهكذا ستعمل جامعة بوسطن وشركة ريد هات على ترخيص التكنولوجيا المطورة بالتعاون في ما بينهما على نحو مشترك، في حين يحتفظ كل طرف بحقوقه الحصرية ببراءات اختراعه المنجزة قبل التعاون. وعلاوة على ذلك، فإنّ براءات الاختراع المطورة من قبل أحد الطرفين فقط تبقى ملكاً للجهة المشغّلة للمخترع. ولا ينحصر هدف الشركة من هذه الشراكة في إقامة علاقة تعاون مديدة مع جامعة بوسطن تولد من خلالها براءات اختراع في مجال نجاح شركة ريد هات (ألا وهو تكنولوجيا وأنظمة الحوسبة السحابية)، بل يتخطاه إلى بناء مخزون احتياطي من الخريجين الجامعيين الذين سينظرون بجدية إلى العمل في الشركة مستقبلاً.

البحث خارج الإطار المعروف عادة

تعترف الشركات أيضاً أنّ المواهب المتميزة ليست حكراً على الكليات المشهورة التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. لقد حدد تصنيف “كارنيجي” لمؤسسات التعليم العالي 107 معاهد وجامعة بوصفها تمارس “أعلى مستويات الأنشطة البحثية”. وهكذا نجد الشركات تسعى إلى الاستثمار في الموارد الغنية التي توفرها هذه المعاهد والجامعات.

منذ أكثر من خمس سنوات بقليل قامت شركة بروكتر وغامبل بتمويل مركز النمذجة والمحاكاة لتطوير المنتجات في جامعة سينسيناتي الأميركية، والذي يركز أعماله على مشاريع التعاون البحثي والإشراف المشترك على طلاب الدكتوراه. وفي العام 2015 أعلنت جامعة كارولينا الشمالية في شابل هيل وعملاق صناعة الأدوية غلاكسو سميث كلاين عن إنشاء مركز استشفاء من مرض نقص المناعة البشرية (الإيدز)، وإطلاق شركة مملوكة على نحو مشترك من الطرفين تهدف إلى اكتشاف دواء شاف لمرض الإيدز. وهكذا انتقل فريق بحثي صغير من شركة غلاكسو سميث كلاين إلى شابل هيل كي يكون قريباً من باحثي جامعة كارولينا الشمالية.

إيجاد قواسم مشتركة في موضوع اتفاقيات الحفاظ على السرية

لا تزال طريقة عقد اتفاقيات الحفاظ على السرية تشكل عقبة أساسية على طريق تطوير التعاون البنّاء بين الجامعات والشركات، ما يؤدي إلى سوء فهم وفقدان ثقة لدى الطرفين. فمن المنطقي أن تبتغي الشركات من تلك الاتفاقيات إبقاء الاختراقات الإبداعية بعيدة عن متناول المنافسين. إلا أنّ الاتفاقات قد تصاغ بلغة عامة تبدو وكأنها تحرّم على الباحثين في الكلية أن يناقشوا مجالات بحث كاملة (كمجال الأنظمة اللاسلكية أو مجال الرعاية الطارئة على سبيل المثال) إلا مع مندوبي الشركة المعنية حصراً.

فضلاً عن ذلك، غالباً ما يتم عقد اتفاقيات الحفاظ على السرية من قبل أشخاص إداريين في الجامعة (كالعميد، أو نائب الرئيس لشؤون البحث، أو المستشار العام، أو رئيس قسم نقل التكنولوجيا)، لا من قبل الأشخاص العاملين في الكلية التي تخضع لتلك الاتفاقيات. وهذا ما يخلق فرصة خرق تلك الاتفاقيات عن غير قصد، واستعداء الشركة وعرقلة تطوير علاقة أكثر ديمومة معها.

كيف يمكن تفادي مثل حالات سوء الفهم هذه؟ يتعين على الأكاديميين إدراك أنّ الشركات نادراً ما ترغب فعلاً في فرض السرية الكاملة على مجالات بحث عامة. وعلى المسؤولين في الجامعات عن إبرام الاتفاقات أن يوضّحوا للكليات المختصة ما ستتبعه تلك الاتفاقات بالتفصيل.

وعلى الشركات أن تكون دقيقة ومحددة قدر المستطاع في لقاءاتها مع الجامعات، وأن توضح بدقة المعلومات التي تعدها خاضعة لاتفاقية الحفاظ على السرية. وهذا ما قامت به إحدى شركات الرعاية الصحية أثناء عقد اتفاق مع جامعة بوسطن مؤخراً. ففي حين نصت المسودة الأولية لمشروع الاتفاق (المقدمة من قبل الشركة) على أن تغطي اتفاقية الحفاظ على السرية طيفاً واسعاً من المواضيع العامة (كالتشخيص الطبي على سبيل المثال)، نص الاتفاق النهائي على أن توضّح الشركة في كل لقاء تعقده مع الجامعة المواضيع التي تعدها سرية وتدخل ضمن اتفاقية الحفاظ على السرية.

تطوير نماذج أكثر مرونة لترخيص براءات الاختراع

تظن الجامعات أحياناً أنّ الشركات إنما تبحث فقط عن براءات اختراع رخيصة، في حين غالباً ما تشعر الشركات أنّ لدى الجامعات تصوراً مبالغاً فيه حول القيمة التجارية لبراءات اختراعها. وفي الواقع يتعين على الجامعات إدراك أنّ براءة الاختراع ليست منتجاً تجارياً مكتملاً، إذ إنّ تحويل البراءة إلى منتج تجاري يشكل عملية طويلة ومكلفة يتعين على الشركة تحمل أعبائها، وليس من الضروري في نهاية المطاف أن تتحول كل براءات الاختراع إلى منتجات نهائية. وبالمثل: يتعين على الشركات إدراك أنه في حال نجح منتج ما، فمن المنطقي أن تطالب الجامعات صاحبة براءات الاختراع بحقها في أن تجزى بإنصاف وفقاً لمساهمتها في إنجاح المنتج.

ولحسن الحظ يتعزز تفهم واستيعاب كل طرف للطرف الآخر. ومن بين النماذج التي تلقى تجاوباً، السماح للشركة بامتلاك حقوق انتفاع حصرية بلا مقابل لبراءة الاختراع، مقابل أن تدفع للجامعة رسوم ترخيص أو مبالغ مقطوعة إذا ما تجاوزت إيرادات براءة الاختراع عتبة متفق عليها.

وبالطبع يبقى على الجامعة أن تتفاوض مع الشركة التي تتعاون معها حول المدة الممنوحة للشركة للاستفادة من براءة اختراع ما ولتحويلها إلى منتج قبل أن يعود ذلك الحق للجامعة، كما فعلنا في جامعتنا مع شركة فيليبس هلث كير. ويتعين على الجامعة أيضاً أن تتفاوض مع الشركة على تحديد القطاعات التي تمتلك الشركة فيها الحق لتطبيق براءة الاختراع، الأمر الذي يترك للجامعة الحق لعرض تلك البراءة على شركات من خارج تلك القطاعات. فبراءة الاختراع المرخصة لشركة معدات طبية على سبيل المثال، يمكن أن يكون لها تطبيقات أيضاً في مجال الروبوت الصناعي، وهو مجال بعيد جداً عن اهتمامات شركة المعدات الطبية.

إعادة التفاوض بحسن نية

في كثير من الأحيان يجري استثمار براءة الاختراع في منتج معقد يستثمر عدداً من براءات الاختراع الأخرى. فهنالك عدد كبير من براءات الاختراع قد يصل إلى المئات، يدخل في جهاز “آبل آيفون” على سبيل المثال، أو حتى في أجهزة تبدو أبسط بكثير كوسائل إعطاء الدواء والتشخيص. ويستحيل عملياً التحديد الدقيق لمساهمة إحدى براءات الاختراع في مثل هذه الأجهزة. إذاً، ما هي النسبة المئوية من قيمة جهاز آيفون ناتجة فعلاً عن المواد الخاصة المصنعة منها شاشته؟

وعادة ما تتفق الشركة والجامعة في البدء على شروط ريع خاصة باستثمار براءة اختراع محددة، ومن ثم تقومان بإعادة التفاوض على تلك الشروط في حال جرى صنع منتج جديد قائم على براءة الاختراع تلك إلى جانب غيرها من براءات الاختراع الكثيرة الأخرى، وباتت فرصه للنجاح جلية وواضحة. إلا أنّ مثل تلك المفاوضات غالباً ما تكون مضنية. فقد تشعر الجامعة أنّ الشركة تقلل من شأن براءة الاختراع التي أنتجتها، في حين ترى الشركة أنّ الجامعة مخدوعة حول إسهام براءة اختراعها في إنجاح المنتج.

ولعل مثل هذه النزاعات مرجحة للاندلاع أكثر في ظل النموذج القديم للتعاون لمرة واحدة، حيث إنّ علاقة التعاون بين الشركة والجامعة تكون قد توقفت عند إطلاق ثمرة ذلك التعاون على شكل منتج مكتمل. أما في ظل النموذج الجديد للتعاون فمن المتوقع تفادي الانجرار إلى تلك النزاعات، إذ إنّ أية من الجهتين لن ترغب في تعريض علاقة التعاون المثمر للخطر، والتي غالباً ما تكون أكثر قيمة للجهتين من براءة اختراع واحدة.

تجسير الهوة بين الثقافتين

لطالما شكّل التمييز بين مسألة التطوير التجاري لفكرة مبتكرة ومراحل الأبحاث الباكرة حولها اختلافاً أساسياً بين قيم ثقافة الشركة وثقافة الجامعة: فمن جهة يتم التركيز على الربح المادي، ومن جهة أُخرى يتم التركيز على تطوير المعارف وتأهيل الجيل المقبل من العلماء من دون حساب للربح. غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت تقارباً بين الجهتين والتقاء في منتصف الطريق من خلال تطوير مهام ورسالة كل جهة.

وتدرك الشركات على نحو متزايد أنها إذا ما أرادت اجتذاب أفضل المواهب وأكثرها تميزاً، يتعين عليها أن تخلق مؤسسات تهدف إلى الربح وتتفق في الوقت ذاته مع المبادئ والقيم السامية كتوفير العمل المجدي والمفيد اجتماعياً. وبالمثل باتت الجامعات ترى دورها يتخطى حدود التعليم والبحوث الأساسية ليواجه التحديات الاجتماعية ويسهم في النمو الاقتصادي. ولعل صوت جامعة ولاية أريزونا هو الأعلى في هذا الصدد، حيث ترفع كلية الهندسة فيها على سبيل المثال راية “الاكتشاف والتصميم والابتكار وريادة الأعمال والتأثير المجتمعي”.

لقد قمنا في مؤسستنا ببناء برنامجنا على أساس منهج خلق “المهندسين المجتمعيين” الملتزمين بتوظيف مقدراتهم الهندسية في خدمة المجتمع. وعوضاً عن الاختلاف حول ما إذا كان يتعين منح الأولوية للربح أم للمعرفة من أجل المعرفة، بوسع الشركات والجامعات الالتقاء حول قواسم مشتركة تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة.

تتأهب كل من الشركات والجامعات للاستفادة من التعاون طويل الأمد في ما بينهما، فمن ناحية ستحصل الشركات على فرصة أكبر للاطلاع على البحوث المتقدمة جداً في مجال عملها، في وقت تتعرض فيه موازنات البحث والتطوير في الشركات لضغوط متزايدة، ومن ناحية أخرى ستحصل الجامعات على فرصة أكبر لتلقي الدعم المالي وإيجاد الشركاء في مجال البحث، في وقت تتقلص فيه أموال الدعم الحكومي. والأهم من ذلك كله أنّ المجتمع سيستفيد من طيف واسع من الإنجازات غير المسبوقة (في مجالات علوم الحياة، والهندسة الطبية، والاتصالات، وعلوم البيئة، والذكاء الاصطناعي، وغيرها الكثير)، والتي من شأنها أن تدخل تحسينات كبيرة إلى حياة كل فرد من أفراد المجتمع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!