تطور خلال العقد الماضي دور منصات تحليلات الأعمال من مجرد دعم وظائف تكنولوجيا المعلومات والتمويل لتمكين المستخدمين من رجال الأعمال في مختلف أنحاء المؤسسة. لكن العديد من الشركات لا زالت تعاني بشأن تحقيق الاستفادة من الفرص التي تقدمها هذه المنصات. حيث وجدنا ثلاث مصاعب رئيسية تحول دون تحقيق استفادة كاملة من التحليلات كما وجدنا عقبات ترتبط بالأشخاص وليس بالتقنية وهي: هيكلية الشركة وثقافتها ومنهجها في حل المشاكل.

هيكلية الشركة

من هذه الناحية، يمكن لأقسام التحليلات في المؤسسة أن تمتد على طرفين متناقضين يشكل كلاهما تحدياً لا يقل أهمية عن الآخر. فمن جهة، هناك مجموعات علم البيانات الشديدة الاستقلالية عن الأعمال، والتي تميل لإنتاج أنماط معقدة ومثيرة لا تُثبّت إلا القليل من الرؤى التي يمكن العمل بمقتضاها.

خذ مثلاً تجربة أحد شركات الخدمات المالية للأفراد. كان قسم التحليلات فيها مكوناً من موظفين يستخدمون بشكل حصري باقات برمجيات متخصصة وأنماطاً وظيفية معقدة ومحددة كلما أمكن. وفي نفس الوقت، كانت المجموعة تتحاشى الأعراف التقليدية في الأعمال، مثل التواصل مع العملاء وتقديم النتائج في شكل رسوم بيانية أو شرح نتائج التحليلات في سياق الأعمال أو ربط النتائج المعقدة بالحكمة التقليدية. فكانت النتيجة فريقاً معزولاً غير مستجيب ولا يمكن الاعتماد عليه ولا الثقة به في المبادرات الحساسة.

ومن جهة أُخرى، هناك محللون هم جزء لا يتجزأ من أقسام الشركة ويملكون تحيزاً لإبقاء الأمور على حالها أو التماشي مع تفكير القيادة. حيث في إحدى شركات تأجير السيارات مثلاً، شاهدنا محللي فريق إدارة الأسطول يقدمون مزاعم استقصائية، تُظهر أن على الأسطول التوجه نحو السيارات الأحدث. إذ أكدوا أنّ تكاليف الصيانة المنخفضة تكفي لتغطية تكاليف الاستهلاك. وكانت تلك النظرة متماشية مع تفضيل نائب الرئيس للأسطول الأحدث.

لكن تبيّن أنّ المحللين اختاروا عيّنة متحيزة من السيارات الأقدم، وتكاليف صيانتها أعلى من المعدل مقارنة بسيارات أُخرى من نفس العمر. بينما لو أنهم اختاروا عينة غير متحيزة أو عينة تشمل جميع السيارات لاختلفت النتائج. بالطبع، ربما يكون هناك دافع للإبقاء على الأسطول حديثاً كرضا للعملاء أو لجعل الشركة علامة مميزة، على سبيل المثال، لكن تخفيض النفقات ليست من بين الدوافع.

ثقافة الشركة

تتبع المؤسسات شديدة الاعتماد على البيانات بشكل أعمى توصيات النماذج المعيبة حتى لو كانت تتحدى المنطق العام أو تخالف أهداف الشركة. وهذا ما حصل لشركة خدمات مالية، تفكر إدارتها في إجراء تغيير على نظام العمولات لفرق المبيعات من أجل تحويله من الاعتماد على النتائج الخام إلى الاعتماد على إمكانات سوق كل بائع.

واستجابة لذلك، طوّر المحللون نموذجاً مثيراً للإعجاب لتسخير البيانات، إذ يقارن آنياً مبيعات مختلف المنتجات مع الإحصاءات المالية والديموغرافية، ليتوصل في النهاية إلى مؤشر واحد يقيس كفاءة كل بائع مقارنة بأقرانه. حيث اعتقدوا أنّ هذا النموذج يجعل توزيع العمولة أكثر عدلاً، بينما في الواقع خفّض عمولة بائعين كانوا أقل كفاءة لكنهم يحققون قيمة أكبر على المدى البعيد، وهو ما جعلهم ينتقلون إلى شركات منافسة.

في المقابل، ترفض المؤسسات شديدة الاعتماد على الحدس تعديل افتراضاتها حتى لو أشارت البيانات بوضوح إلى أنها افتراضات خاطئة. مثلاً، كانت شركة تأجير السيارات المذكورة آنفاً مترددة كثيراً في تغيير مسارها حتى بعد اكتشافها أنّ البيانات لم تدعم ادعاءات تخفيض التكلفة.

منهج الشركة في حل المشاكل

تستمر الازدواجية حتى في المنهجية. فمن ناحية، نرى مجموعات التحليلات تخلق أنماطاً شديدة التعقيد بمهل زمنية طويلة وقدرة محدودة على التكيف مع المدخلات المتغيرة.

ومن الأمثلة على هذا، فريق لعلم البيانات يتألف من خبراء تأمين تم توظيفهم في شركة وطنية لتأمين السيارات. حيث أنشأ هذا الفريق نموذجاً مثيراً جداً لتخمين ما إذا كانت سيارة ما ستشكل خسارة كاملة أو جزئية بعد أول حادث لها. إذ تكوّن هذا النموذج المنسجم من غابة عشوائية من البيانات (random forest) وتحليل المكونات الأساسية ومصنفات بايز.

لكن لسوء الحظ، افتقرت الشركة للبنية التحتية اللازمة لتنفيذ النموذج التدريبي بشكل مباشر على بيئة الإنتاج، فقد كان صعباً على فريق تقنية المعلومات إنتاج النموذج بسبب تعقيده. كما تبين لاحقاً أنّ النتيجة نفسها تقريباً يمكن تحقيقها بمراجعة بسيطة للجانب اللوجستي.

ومن ناحية أخرى هناك فرق تضع نماذج بسيطة جداً لا تتناول جميع تفاصيل المشاكل التي تحاول حلها. إذ وقعت أحد شركات متاجر الموضة في هذه المشكلة عندما لاحظت أنّ بعض العروض الترويجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة عدد زوار المتجر. لكن ما فاتهم هو أنهم كانوا يقيمون هذه العروض أيام الجمعة والسبت. حيث تكون زيارات المتاجر بطبيعة الحال أعلى بكثير من باقي أيام الأسبوع.

عناصر المؤسسة التي تتميز تحليلاتها بالفعالية

في ظل هذه العقبات، نؤمن أنّ المؤسسات المتميزة بفعالية تحليلاتها توازن بين المعرفة الوظيفية وغريزة الأعمال وتحليل البيانات مع فلسفة تشغيلية تضيف التعقيد عندما يكون للرؤى الإضافية ما يبررها. ويتضمن هذا النوع من المؤسسات:

مركز عصبي للتحليلات. في الظروف المثالية، يكون هناك فريق صغير مستقل من محللي البيانات، يحملون عادة شهادات في الإحصاء والرياضيات وعلوم الحاسوب وما شابه ذلك. إذ يمارس هذا الفريق دور المركز العصبي للبيانات في المؤسسة. ويتضمن أيضاً محللين غير مختصين يتوزعون في مختلف الأقسام الرئيسية للشركة ويرفعون تقاريرهم للمركز.

بهذا التركيب، يحصل المحللون غير المختصون على المعرفة العميقة التي يحتاجونها لإطلاق وتطوير تحليلات يمكن العمل بمقتضاها. فهم يعتمدون على المركز العصبي من أجل الحصول على الدعم الإضافي والتدقيق في النماذج والتدريب، كما أنهم يعملون كصلة وصل بين علماء البيانات المستقلين وشركاء الأعمال في أقسامهم بفضل معرفتهم بكلا لغتي التحليل والأعمال.

ممثلون في الأعلى. إذ يترأس المركز العصبي رئيس شؤون التحليلات الذي يجلب معه التحليلات إلى اجتماعات كبار التنفيذيين حيث الكلمة الأولى للحدس. وعندما تجتمع التحليلات مع الحدس تصبح الاستراتيجية أقوى، لكن عندما يختلفان يمكن للبحث أن يكشف ما إذا كان العيب في النموذج التحليلي أو في افتراضات الأعمال.

منهج البطل والمتحدي. لإدارة المقايضة بين الرؤى والتعقيد في هذه الهيكلية المثالية، يركز المحللون مبدئياً على خلق شيء أشبه بمنتج يملك الحد الأدنى من السمات. إذ يكون هذا المنتج نموذجاً لحل المشكلة في المستويات الدنيا المقبولة وبأبسط صورة ممكنة. كما يُصبح هذا المنتج ذي الحد الأدنى من السمات "بطلاً" وينادي على من يتحداه ليضيف تعقيداً ويطيح به. فيمكن للمتحدي أخذ مكان البطل، بشرط موافقة أصحاب المصلحة في المشروع على أنّ ميزاته تستحق ما تضيفه من تعقيد. والمثير في منتج من هذا النوع هو أنه يُنتج دوماً شيئاً يمكن استخدامه، حتى ولو تمت مقاطعة العملية.

لقد جعلت التحليلات الحديثة للأعمال بالإمكان استخراج أنواع جديدة من الرؤى عبر كميات ضخمة من البيانات. فكانت النتيجة تحليلات أصبحت عاملاً جوهرياً في قدرة أي مؤسسة كبيرة على اتخاذ القرارات. حيث يتطلب توظيف هذه المقدرة بالشكل الصحيح إنشاء مؤسسة تعتمد على التحليلات، وتمتلك الهيكلية والثقافة ومنهجية حل المشاكل التي تزود قادة الأعمال بما يحتاجونه من أجل المنافسة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!