مرحباً بكم في عصر الفضاء التجاري

10 دقائق
عصر الفضاء التجاري
فريق عمل هارفارد بزنس ريفيو/شاترستوك/إف ستوب إميدجيز - كاسبار بنسون/غيتي إميدجيز
رحلات السفر الخاصة إلى الفضاء ليست سوى البداية.

ملخص: في مايو/أيار من عام 2020 دخلت شركة "سبيس إكس" (SpaceX) التاريخ بوصفها أول شركة خاصة ترسل البشر إلى الفضاء. وهذا ليس إنجازاً تقنياً هائلاً فحسب، ولكنه يُعد أيضاً أول مؤشر على أن قطاع "من الفضاء للفضاء" الجديد تماماً، أي السلع والخدمات المصممة للعملاء المتجهين إلى الفضاء، يمكن أن يكون في المتناول قريباً ويمكن القول مرحباً في عصر الفضاء التجاري. في المرحلة الأولى من هذا الاقتصاد الناشئ، يتعين على الشركات الخاصة أن تبيع خدماتها لوكالة ناسا وعملاء حكوميين آخرين، لأن هذه المؤسسات هي اليوم المصدر الوحيد للطلب في مجال الفضاء. ولكن كما أثبتت شركة "سبيس إكس"، ليس لدى الشركات الخاصة الرغبة في إرسال الأشخاص إلى الفضاء فحسب، بل لديها القدرة على ذلك أيضاً. وبمجرد وصول مواطنين عاديين إلى الفضاء، فإن "سبيس إكس" والشركات الأخرى ستكون مستعدة لتلبية الطلب الذي خلقه هؤلاء الأشخاص، ما سيخلق سوقاً يمكن أن تُضعف قطاع الفضاء الحالي الذي تقوده الحكومة (واقتصاد الأرض بأكمله أيضاً في نهاية المطاف). أمامنا فرصة عظيمة، ومهمتنا الآن هي اغتنامها ببساطة.

 

هناك ضجة كبيرة محيطة بقطاع الفضاء التجاري. وفي حين أن قادة الشركات التقنية يعدوننا ببناء قواعد على القمر ومستوطنات على المريخ، إلا أن اقتصاد الفضاء لا يزال حتى الآن محلياً بشكل واضح، على الأقل بالمعنى العالمي. ولكننا أحرزنا العام الماضي تقدماً مهماً: فلأول مرة في تاريخ البشرية تمكن البشر من الوصول إلى الفضاء من خلال مركبة فضائية ليست مملوكة ولا من تصميم أي حكومة بل شركة خاصة ركزت على بناء مستوطنات فضائية بأسعار معقولة. كانت هذه هي أول خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد في الفضاء ومن أجل الفضاء. ومن الصعب المبالغة في تقدير آثاره على الأعمال التجارية والسياسة والمجتمع بشكل عام.

في عام 2019، تحققت 95% من الإيرادات في قطاع الفضاء التي تقدر بنحو 366 مليار دولار من اقتصاد "من الفضاء للأرض": أي السلع أو الخدمات المنتَجة في الفضاء لاستخدامها على الأرض. ويشمل هذا الاقتصاد الاتصالات السلكية واللاسلكية والبنية التحتية للإنترنت وقدرات رصد الأرض والأقمار الصناعية المستخدمة في حماية الأمن القومي وغيرها الكثير. هذا الاقتصاد مزدهر، وعلى الرغم من أن البحوث أظهرت أنه يواجه تحديات تتعلق بالاكتظاظ والاحتكار التي عادة ما تظهر عندما تتنافس الشركات على مورد طبيعي نادر، فإن التوقعات بشأن مستقبله تدعو للتفاؤل. فقد أدى انخفاض تكاليف إطلاق الصواريخ والمعدات الفضائية بشكل عام إلى إغراء المنافسين الجدد للدخول إلى هذه السوق، وبدأت الشركات في مجموعة متنوعة من القطاعات بالفعل في الاستفادة من تكنولوجيا الأقمار الصناعية وإمكانية الوصول إلى الفضاء لدفع عجلة الابتكار وزيادة كفاءة منتجاتها وخدماتها الأرضية.

على النقيض من ذلك، فإن اقتصاد "من الفضاء للفضاء"، أي السلع والخدمات المنتجة في الفضاء لاستخدامها في الفضاء، مثل التعدين على سطح القمر أو في الكويكبات لاستخراج مواد يمكن من خلالها بناء موائل فضائية أو مستودعات للتزود بالوقود، كافح لكي ينطلق بقوة. تنبأت بحوث أُجريت بتكليف من وكالة ناسا في السبعينيات بظهور اقتصاد قائم على الفضاء سيلبي احتياجات آلاف أو حتى ملايين البشر الذين يعيشون في الفضاء، ما سيُضعف اقتصاد "من الفضاء للأرض" (واقتصاد الأرض بأكمله في نهاية المطاف). وتحقيق مثل هذه الرؤية من شأنه أن يغير كيفية قيامنا جميعاً بالأعمال التجارية وعيش حياتنا وحُكم مجتمعاتنا، ولكن حتى الآن لم يصعد أكثر من 13 شخصاً إلى الفضاء في وقت واحد، ما يجعل هذا الحلم مجرد ضرب من الخيال العلمي.

ولكن في الوقت الحالي هناك أسباب للاعتقاد بأننا قد نصل أخيراً إلى المراحل الأولى من اقتصاد حقيقي "من الفضاء للفضاء". فالإنجازات الأخيرة التي حققتها شركة "سبيس إكس" (SpaceX) (بالتعاون مع وكالة ناسا) بالإضافة إلى الجهود التي ستبذلها شركة "بوينغ" (Boeing) و"بلو أوريجين" (Blue Origin) و"فيرجن جالاكتيك" (Virgin Galactic) لوصول الأشخاص إلى الفضاء بشكل مستدام وعلى نطاق واسع، تؤذن ببداية فصل جديد من رحلات السفر إلى الفضاء بقيادة الشركات الخاصة. فهذه الشركات عازمة وقادرة على إرسال المواطنين العاديين إلى الفضاء بوصفهم مسافرين وسائحين، ومستوطنين في نهاية المطاف، ما يفتح الباب أمام الشركات لبدء تلبية الطلب الذي سيخلقه هؤلاء الأشخاص على مدى العقود العديدة القادمة من خلال توفير مجموعة من السلع والخدمات "من الفضاء لاستخدامها في الفضاء".

مرحباً بكم في عصر الفضاء (التجاري)

في بحثنا الأخير درسنا كيف أن النموذج الذي تم وضعه في الستينيات للأنشطة المركزية البشرية التي توجهها الحكومة في مجال الفضاء، مهّد الطريق على مدى العقدين الماضيين لوضع نموذج جديد وفيه تتوافق المبادرات العامة في مجال الفضاء مع أولويات القطاع الخاص على نحو متزايد. ستركز برامج الفضاء المركزية التي تقودها الحكومة حتماً على أنشطة "من الفضاء للأرض" تخدم المصلحة العامة، مثل الأمن القومي والعلوم الأساسية والفخر الوطني. وهذا أمر طبيعي؛ إذ إن الإنفاق على هذه البرامج يجب تبريره من خلال إظهار الفوائد التي تعود على المواطنين، والمواطنون الذين تمثلهم هذه الحكومات جميعهم (تقريباً) على كوكب الأرض.

شركات القطاع الخاص، على عكس الحكومات، متلهفة لإرسال الأشخاص إلى الفضاء لتحقيق مصالحها الشخصية، وليس مصالح الدولة، ثم تلبية الطلب الذي ستخلقه. وهذه هي الرؤية التي توجه "سبيس إكس" التي أحدثت في العشرين عاماً الأولى من وجودها تغييراً جذرياً في مجال إطلاق الصواريخ إلى الفضاء؛ فقد ضمنت 60% من السوق العالمية التجارية لإطلاق الصواريخ إلى الفضاء وقامت ببناء مركبات فضائية أكبر حجماً من أي مركبات سابقة ومصممة لنقل الركاب ليس فقط إلى محطة الفضاء الدولية، ولكن أيضاً إلى مدينتها الموعودة على كوكب المريخ.

في الوقت الحالي يقتصر سوق "من الفضاء للفضاء" على تزويد الأشخاص الموجودين بالفعل في الفضاء بما يحتاجون إليه؛ وهؤلاء الأشخاص هم العدد القليل من رواد الفضاء العاملين في وكالة ناسا والبرامج الحكومية الأخرى. في حين أن "سبيس إكس" لديها رؤى عظيمة لدعم أعداد كبيرة من المسافرين إلى الفضاء في رحلات خاصة، إلا أن أنشطتها الحالية في قطاع "من الفضاء للفضاء" كانت جميعها استجابة لطلب العملاء الحكوميين (أي وكالة ناسا). ولكن نظراً إلى أن خفض تكاليف الإطلاق يتيح لشركات مثل "سبيس إكس" الاستفادة من وفورات الحجم وإرسال المزيد من الأشخاص إلى الفضاء، فإن الطلب المتزايد في القطاع الخاص (من السائحين والمستوطنين أكثر من موظفي الحكومة) يمكن أن يحول مبادرات إثبات المفاهيم هذه إلى قطاع مستدام واسع النطاق.

هذا النموذج، المتمثل في بيع الخدمات لوكالة ناسا على أمل إنشاء سوق قطاع خاص أكبر حجماً والتوسع فيها، يتجلى في شركة "سبيس إكس"، لكن الشركة ليست بأي حال من الأحوال الجهة الفاعلة الوحيدة التي تتبع هذا النهج. على سبيل المثال، تركز "سبيس إكس" على النقل في قطاع "من الفضاء للفضاء"، إلا أن التصنيع يُعد مكوناً رئيسياً آخر لهذا القطاع الناشئ.

تحتل شركة "ميد إن سبيس" (Made In Space, Inc) مركز الصدارة في التصنيع "في الفضاء من أجل الفضاء" منذ عام 2014 عندما طبعت بطابعة ثلاثية الأبعاد مفتاح ربط على متن محطة الفضاء الدولية. واليوم تستكشف الشركة منتجات أخرى مثل كابلات الألياف الضوئية عالية الجودة التي قد يرغب العملاء في الدفع مقابل تصنيعها في وسط لا يخضع لقوى الجاذبية. لكن الشركة حصلت مؤخراً على عقد بقيمة 74 مليون دولار لطباعة دعامات معدنية كبيرة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في الفضاء لاستخدامها في مركبة الفضاء التابعة لوكالة ناسا، ومن المؤكد أن المركبات الفضائية التابعة لشركات القطاع الخاص سيكون لها في المستقبل احتياجات تصنيع مماثلة وتأمل "ميد إن سبيس" أن تكون في وضع جيد يؤهلها لتلبيتها. ومثلما بدأت "سبيس إكس" بتزويد وكالة ناسا بخدماتها مع أملها في خدمة سوق أكبر بكثير في القطاع الخاص، فإن عمل "ميد إن سبيس" الحالي مع وكالة ناسا يمكن أن يكون الخطوة الأولى على الطريق نحو دعم مجموعة متنوعة من تطبيقات التصنيع في القطاع الخاص التي ستكون تكاليف التصنيع على الأرض والنقل إلى الفضاء المرتبطة بها باهظة.

هناك مجال رئيسي آخر للاستثمار في قطاع "من الفضاء للفضاء" وهو الاستثمار في بناء وتشغيل البنية التحتية الفضائية مثل الموائل والمختبرات والمصانع. شركة "أكسيوم سبيس" (Axiom Space)، التي تتصدر هذا المجال في الوقت الحالي، أعلنت مؤخراً أنها ستطلق "أول رحلة خاصة بالكامل إلى الفضاء" في عام 2022 على متن كبسولة "كرو دراغون" (Crew Dragon) التي صنعتها شركة "سبيس إكس". فقد أُسند إلى شركة "أكسيوم سبيس"عقد دخول حصري إلى إحدى وحدات محطة الفضاء الدولية، ما سوف ييسر خططها لتطوير وحدات للنشاط التجاري على المحطة (وخارجها، في نهاية المطاف).

من المرجح أن تشجع هذه البنية التحتية على الاستثمار في مجموعة واسعة من الخدمات التكميلية لتلبية طلبات الأشخاص الذين يعيشون ويعملون فيها. على سبيل المثال، في فبراير/شباط عام 2020، منحت وكالة ناسا عقداً بقيمة 142 مليون دولار لشركة "ماسكار تكنولوجيز" (Maxar Technologies) لتطوير أداة بناء روبوتية سيتم تجميعها في الفضاء لاستخدامها في المركبات الفضائية في المدار الأرضي المنخفض. ولا شك في أن المركبات الفضائية أو المستوطنات التابعة لشركات القطاع الخاص ستحتاج إلى مجموعة متنوعة من أدوات البناء والتصليح المماثلة.

بالطبع لن يقتصر دور القطاع الخاص على توفير المنتجات الصناعية. فمن المنتظر أن تكون وسائل الراحة أيضاً من المجالات التي ستشهد نمواً سريعاً، فالشركات تسعى إلى دعم الجانب البشري من الحياة في بيئة الفضاء القاسية. على سبيل المثال، في عام 2015 تعاونت شركتا "أرغوتيك" (Argotec) و"لافازا" (Lavazza) لتصميم آلة لصنع القهوة يمكن أن تعمل في بيئة تنعدم فيها الجاذبية في محطة الفضاء الدولية، ما سيوفر القليل من الرفاهية للطاقم كل يوم.

من المؤكد أن الأشخاص كانوا يحلمون لمدة نصف قرن بالاستفادة من الفراغ وانعدام الوزن في الفضاء للحصول على أو صنع الأشياء التي لا يمكن صنعها على الأرض، ولكن لم تكن الجدوى التجارية تتحقق مرة تلو الأخرى. التشكك أمر طبيعي، ولكن تلك الإخفاقات كانت في تطبيقات "من الفضاء للأرض". على سبيل المثال، أدركت شركتان ناشئتان في العقد الثاني من الألفية الثانية، وهما "بلانيتاري ريسورسيز" (Planetary Resources, Inc.) و"ديب سبيس إندستريز" (Deep Space Industries)، إمكانات التعدين في الفضاء في وقت مبكر. ولكن، بالنسبة إلى الشركتين، فإن ندرة الفرص الاقتصادية "من الفضاء للفضاء" كانت تعني أن بقاءهما على المدى القصير يعتمد على بيع المواد المستخرجة، أي المعادن الثمينة أو العناصر النادرة، للعملاء الموجودين على الأرض. وعندما أصبح من الواضح أن الطلب لم يكن كافياً لتبرير ارتفاع التكاليف، توقف التمويل واتجهت الشركتان إلى مشاريع أخرى.

كانت هذه هي الإخفاقات في نماذج الأعمال "من الفضاء للأرض"، لكن الطلب على التعدين في الفضاء لاستخراج مواد البناء الخام والمعادن والماء سيكون هائلاً بمجرد أن يعيش البشر في الفضاء (وبالتالي ستصبح تكلفة تلبيته أقل بكثير). بعبارة أخرى، عندما يعيش الأشخاص ويعملون في الفضاء، من المحتمل أن ننظر إلى أولى شركات التعدين الفضائي هذه على أنها لم تكن فاشلة بقدر ما كانت سابقة لعصرها.

اغتنام الفرص التي يتيحها اقتصاد "من الفضاء للفضاء"

الفرص التي يتيحها اقتصاد "من الفضاء للفضاء" هائلة، ولكن يمكن بسهولة تفويتها. ولاغتنامها يتعين على واضعي السياسات توفير أطر تنظيمية ومؤسسية من شأنها تمكين المخاطرة والابتكار الضروريين لبناء اقتصاد لامركزي في الفضاء بقيادة القطاع الخاص. هناك 3 مجالات سياسية محددة نعتقد أنها ستكون ذات أهمية خاصة:

1. تمكين الأفراد العاديين من تحمُّل مخاطر أكبر مما يمكن لرواد الفضاء العاملين في الحكومة تحمُّلها

أولاً، ينبغي لواضعي السياسات النظر في السماح لسائحي الفضاء الخاصين والمستوطنين بأن يتحملوا طوعاً مخاطر أكثر مما تتحملها الدول فيما يتعلق برواد الفضاء العاملين في الحكومة، بوصفه جزءاً من التحول العام إلى قطاع الفضاء اللامركزي ذات التوجه السوقي. وعلى المدى الطويل سيصبح ضمان مستويات عالية من السلامة أمراً ضرورياً لإقناع أعداد أكبر من الأشخاص بالسفر إلى الفضاء أو العيش فيه، ولكن في السنوات الأولى من الاستكشافات سيؤدي العزوف الشديد عن المخاطرة إلى إيقاف التقدم من قبل أن يبدأ حتى.

تُعد الكيفية التي تعمل بها وكالة ناسا مع المتعاقدين معها شبيهة لذلك: ففي منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة انتقلت وكالة ناسا من استخدام عقود التكلفة الإضافية (التي تتحمل فيها وكالة ناسا جميع المخاطر الاقتصادية للاستثمار في الفضاء) إلى العقود محددة السعر (وفيها يتم توزيع المخاطر بين وكالة ناسا والمتعاقدين معها). ونظراً إلى القدرة الكبيرة للشركات الخاصة على تحمُّل المخاطر، أدى هذا التحول إلى زيادة النشاط في القطاع بدرجة كبيرة، ما يشار إليه أحياناً باسم "الفضاء الجديد". قد يكون من الضروري إجراء تحول مماثل في كيفية تعاملنا مع خوض رواد الفضاء في القطاع الخاص لغمار المخاطر طوعاً من أجل إطلاق اقتصاد "من الفضاء للفضاء".

2. تنفيذ اللوائح الحكومية وبرامج الدعم الحكومي بحكمة

ثانياً، ستعتمد تنمية اقتصاد فضائي مستقر على تنفيذ اللوائح الحكومية وبرامج الدعم الحكومي بحكمة، كما هو الحال في معظم الأسواق. كما أن تجديد التزام وكالة ناسا ووزارتي التجارة والخارجية  الأميركيتين مؤخراً "بخلق بيئة تنظيمية في [المدار الأرضي المنخفض] تساعد الأنشطة التجارية الأميركية على النجاح" هو علامة جيدة على أن الحكومة تسير في طريق التعاون المستمر مع القطاع، ولكن الطريق لا يزال طويلاً.

يجب أن تبدأ الحكومات بتوضيح الكيفية التي سيتم بها تنظيم حقوق الملكية على الموارد المحدودة مثل المياه على سطح المريخ أو الجليد على سطح القمر أو المواقع المدارية (أي "مواقف السيارات" في الفضاء). والخطوات التي اتُخذت مؤخراً تدل على أن الحكومة الأميركية مهتمة بوضع إطار تنظيمي لدعم التنمية الاقتصادية للفضاء، ومن بين هذه الخطوات: العرض الذي قدمته وكالة ناسا لشراء تربة وصخور قمرية، والأمر التنفيذي الذي صدر في أبريل/نيسان عام 2020 بشأن إدارة الموارد الفضائية، و"قانون التنافس التجاري في الفضاء" (Commercial Space Launch Competitiveness Act) الذي صدر عام 2015.

في عام 2017، أصبحت لوكسمبورغ أول دولة أوروبية تضع إطاراً قانونياً يضمن الحقوق الخاصة على الموارد المستخرجة من الفضاء، وقد تم اتخاذ خطوات مماثلة على المستوى المحلي في اليابان والإمارات العربية المتحدة. علاوة على ذلك، وقّعت 9 دول (على الرغم من غياب روسيا والصين بشكل ملحوظ) على "اتفاقيات أرتميس" (Artemis Accords) التي تضع رؤية للتنمية الدولية المستدامة للقمر والمريخ والكويكبات. هذه خطوات أولى مهمة، لكن لا يزال يتعين ترجمتها بوضوح إلى معاهدات شاملة تحكم الاستخدام العادل لموارد الفضاء النادرة وتوزيعها فيما بين جميع الدول الكبرى التي ترتاد الفضاء.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي للحكومات الاستمرار في سد الثغرات المالية في النظام البيئي الاقتصادي "من الفضاء للفضاء" الذي لا يزال في طور النضج من خلال تمويل البحوث العلمية الأساسية لدعم إرسال البشر إلى الفضاء، ومنح عقود للشركات الناشئة في مجال الفضاء. وبالمثل، في حين أن الإفراط في فرض القواعد التنظيمية سيقوض الصناعة، فإن بعض الحوافز الحكومية، مثل سياسات الحد من الحطام الفضائي، يمكن أن تساعد في تقليل تكاليف العمل في الفضاء للجميع بطرق سيكون من الصعب تنسيقها بشكل مستقل.

3. تجاوز المنافسات الجغرافية السياسية

أخيراً، لا يجب أن تقوض المنافسات الجغرافية السياسية، مثل تلك التي بين الولايات المتحدة والصين، تنمية اقتصاد "من الفضاء للفضاء". ستمتد هذه الصراعات إلى الفضاء حتماً، على الأقل إلى حد ما، وقد كان الطلب العسكري مصدراً مهماً للتمويل بالنسبة إلى شركات الفضاء الجوي منذ فترة طويلة. ولكن إذا لم يتم إبقاء هذه المنافسات تحت السيطرة، فهي لن تصرف الانتباه والموارد عن المساعي التجارية العابرة للحدود فحسب، بل ستخلق أيضاً حواجز ومخاطر تعرقل استثمارات القطاع الخاص.

لطالما كان النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص يربط بين الأشخاص الذين توجد خلافات بين دولهم. واقتصاد "من الفضاء للفضاء" المتنامي يوفر إمكانات استثنائية يمكنها بناء الوحدة بين الدول، ولكن مهمة حكومات العالم ألا تعترض الطريق. واتباع نهج تعاوني دولي لإرساء سيادة القانون وإنفاذها في الفضاء سيكون ضرورياً لتشجيع بناء اقتصاد صحي "من الفضاء للفضاء".

كانت الرؤى حول بناء اقتصاد "من الفضاء للفضاء" موجودة منذ بزوغ فجر عصر الفضاء في الستينيات. وحتى الآن لم تتحقق هذه الآمال إلى حد كبير، لكن هذه الفترة مختلفة. حيث أنه لأول مرة في التاريخ يتم توجيه رأسمال القطاع الخاص وقدرته على تحمل المخاطر وحافز ربحه صوب إرسال الأشخاص إلى الفضاء. وإذا اغتنمنا هذه الفرصة، فسوف ننظر إلى الوراء إلى عام 2020 باعتباره العام الذي بدأنا فيه مشروع التحول الحقيقي المتمثل في عصر الفضاء التجاري وبناء اقتصاد ومجتمع في الفضاء لخدمة البشر على الفضاء.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .