دفعت بنا التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي وتقنية الحاسوب إلى إعادة النظر في بعض الأسئلة الأساسية بشكل فعلي: ما هو تعريف الشركة؟ وما الذي بوسع الشركات أن تفعله على نحو أفضل من الأسواق؟ وما السمات المميزة للشركات في عالم العقود الذكية والذكاء الاصطناعي؟

بينما يحتدم النقاش كثيراً حول "ما الذي تبقى للبشر؟" بالتزامن مع تطور الذكاء الاصطناعي بمعدلات هائلة – والإجابة المعتادة عن هذا السؤال هي أنّ البشر بحاجة إلى التركيز على الأشياء التي يتميزون فيها بشكل متفرد، كالإبداع والحدس والتعاطف الشخصي – أعتقد أنّ علينا الآن أن نسأل أنفسنا "ما الذي تبقى للشركات؟".

وهذا سؤال قديم من عدة أوجه لأنه يرجع بنا إلى حجج رونالد كوس (Ronald Coase) وأوليفر وليامسون (Oliver Williamson) الحائزين على جائزة نوبل، والتي تفيد بأنّ علة وجود الشركات تكمن في تنسيقها لأشكال معقدة من النشاط الاقتصادي بطريقة فعالة. وإذا كانت لدى تقنية الكمبيوتر القدرة على تبسيط تكاليف المعاملات وتيسيرها، فيمكن إنجاز المزيد والمزيد من الأعمال عبر ترتيبات العقود الذكية هذه، ما يبطل الغاية من الشركات التقليدية التي يديرها البشر. على سبيل المثال، عندما تقول للخدمة الصوتية "أليكسا" (Alexa) "اطلب المزيد من طعام الغذاء"، تنطلق سلسلة من الأنشطة التي تفضي إلى تسليم أطعمة طازجة من أحدث سلسلة سوبر ماركت في الجوار بعدها بأقل من ساعة. يحدث هذا بقليل من التدخل البشري أو من دون أي تدخل بشري على الإطلاق. ويتم تنسيق هذا العمل بمعرفة شركة واحدة، ألا وهي شركة أمازون، غير أنه عادة ما ينطوي الأمر على أطراف ثالثة (شركات توريد الأطعمة وشركات خدمات التوصيل)، تتفاعل أنظمتها بسلاسة مع نظم شركة أمازون.

لكن، هل منطق التنسيق هذا، وهذه القدرة على استيعاب المعاملات داخلياً بغية جعلها أكثر كفاءة، هي علة وجود الشركات؟ أزعم أنها علة واحدة من بين كثير من العلل الأخرى التي تبرر وجود الشركات. وبينما تبسط تقنية الكمبيوتر تكاليف المعاملة وتقلصها بقدر أكبر، فإنّ الأمور الأخرى التي تقوم بها الشركة ببراعة متفردة هي التي ستتجلى وتظهر في المقدمة. إليكم أربعة جوانب تتفوق فيها الشركات.

1- الشركات تخلق قيمة من خلال إدارة التوترات الناجمة عن الأولويات المتنافسة.

بلغة عصرنا هذا، يتعين على الشركات استغلال عوامل تميزها الراسخة (لتحقيق أرباح اليوم) بالتزامن مع استكشاف عوامل جديدة للتميز (لضمان بقائها وقدرتها على الاستمرار على المدى البعيد). وعلى الرغم من ذلك، فإنّ تحقيق التوازن السليم بين مجموعتي الأنشطة هذه يعد أمراً مربكاً لأن كل مجموعة معززة لذاتها إلى حد كبير. ومن ثم نشأت فكرة براعة التوازن المؤسسي – وهي القدرة على تحقيق التوازن بين الاستغلال والاستكشاف.

من الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على مساعدة كثير من الشركات على استغلال عوامل تميزها الحالية – سواء عبر عملية الميكنة أو الحل المحسن للمشكلات أو ضمان الجودة. ويمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مفيداً أيضاً في استكشاف عوامل جديدة للتميز: ففي حالة برنامج الكمبيوتر "ألفاغو" (AlphaGo) الشهير، كانت "الاستراتيجية" الناجعة هي تلك التي لم يتدخل أي إنسان في ابتكارها؛ وقد أمست أجهزة الكمبيوتر قادرة على كتابة مقطوعات موسيقية جديدة ورسم لوحات لمناظر طبيعية على غرار أعمال بيكاسو على نحو متزايد.

لكن الذكاء الاصطناعي ليس مجدياً في إدارة  التوترات الناشئة بين هذه الأنشطة؛ وأعني معرفة متى يتحتم عليه إنجاز المزيد من نشاط بعينه أو نشاط آخر. فهذه الخيارات تتطلب حكماً دقيقاً على الأمور؛ كالموازنة بين العوامل النوعية والكمية أو مراعاة حساسية السياق أو الوضع في الاعتبار عوامل وجدانية أو حدسية. وهذه هي القدرات التي تمثل جوهر براعة التوازن المؤسسي، ولا أعتقد أنّ الذكاء الاصطناعي بوسعه مساعدتنا على التعاطي مع تلك الأمور بالمرة حالياً. وخير مثال على ذلك مشروع "ديباتر" (Project Debater) لشركة آي بي إم المُعلن حديثاً: فقد أظهر إلى أي مدى تطور الذكاء الاصطناعي فيما يختص بتكوين رأي والتعبير عنه، لكنه أثبت بالقدر ذاته إلى أي مدى يتفوق البشر في الموازنة بين وجهات النظر المختلفة.

2- الشركات تخلق قيمة باعتمادها المنظور طويل الأجل.

كنوع بديل عن النقطة الأولى، لا تدير الشركات فقط المفاضلات بين الاستغلال والاستكشاف بشكل يومي، بل تديرها أيضاً بمرور الوقت. كتب زميلاي السابقان سومانترا غوشال (Sumantra Ghoshal) وبيتر موران (Peter Moran) ورقة بحثية تاريخية يزعمان فيها أنّ الشركات، على العكس من الأسواق، تستبعد الموارد عمداً من استغلالها الأمثل قصير الأجل كي تتيح لنفسها فرصة خلق قيمة زائدة على المدى البعيد. ويتجلى منطق "خطوة للوراء وخطوتان للأمام" هذا بعدة طرق، مثلاً من خلال مشروعات البحث والتطوير ذات الخطورة العالية والسعي وراء أهداف الاستدامة ودفع أجر أعلى من المتعارف عليه في السوق للارتقاء بولاء الموظفين، وما إلى ذلك. إننا نُسلم في الواقع بأنّ الشركات تقوم بالكثير من هذه الأمور، لكنها مرة أخرى تنطوي على أحكام لم يتم تجهيز تقنية الذكاء الاصطناعي لمساعدتنا بشأنها بعد. إنّ بوسع الذكاء الاصطناعي ابتكار استراتيجيات بارعة ظاهرياً وتبدو ثاقبة (لنسترجع مثال ألفاغو)، ولكن فقط عندما تكون قواعد اللعبة محددة مسبقاً وثابتة.

مثال توضيحي: تفيد "معضلة المبتكر" أنه بمجرد ظهور تقنية اجتياحية ستزعزع نموذج عمل شركة راسخة الأقدام، يكون قد فات أوان الاستجابة بفاعلية. وعليه، فإنّ الشركات الراسخة بحاجة إلى الاستثمار في التقنية الاجتياحية قبل أن تقتضي الضرورة ذلك حتماً. وبتعبير آخر، تحتاج الشركات الناجحة إلى أن تكون متأهبة للالتزام بتقنيات جديدة في فترات الشك والريبة، وأن يكون لديها "الاستعداد لأن يُساء فهمها"، بحسب ما جاء على لسان جيف بيزوس. وهذا ليس بالمفهوم السهل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي الاعتياد عليه.

3- تخلق الشركات قيمة من خلال الغاية – عبر الدعوة الأخلاقية أو الروحانية للعمل.

هناك بُعد ثان للتفكير على المدى البعيد، ألا وهو آثاره على تحفيز الفرد والجماعة. إننا نستخدم مصطلح "غاية" عادة في هذا السياق لوصف ما يطلق عليه راتان تاتا (Ratan Tata) "دعوة أخلاقية أو روحانية للعمل" تسوق الناس إلى بذل مجهود اختياري بأن يعملوا لساعات أكثر، وأن يأتوا بشغفهم وإبداعهم إلى محل عملهم.

إنّ هذه الفكرة التي مفادها أنّ الشركة تمتلك سمة اجتماعية – غاية أو هوية – تتجاوز علة وجودها الاقتصادية، هي فكرة راسخة بشدة في مؤلفات عالم الأعمال، بدايةً من "مارش" و"سيمون" وحتى "كوغوت و"زاندر". لكنها على الرغم من ذلك تثير الشك لدى الذين ينظرون للشركة باعتبارها سلسلة مترابطة من العقود، والذين يعتقدون أنّ المكافآت الخارجية هي التي تُحفز الناس.

ورأيي أنك بحاجة فقط إلى أن تنظر إلى المؤسسات الخيرية، وحركات البرمجيات المفتوحة المصدر، وغيرها الكثير من المؤسسات غير الربحية لتدرك أنّ كثيراً من الناس يعملون بجد أكثر في واقع الأمر متى لم يكن للمال دخل في عملهم. وباستطاعة القائد أن يبث شعوراً بالهدف والغاية، بطريقة تخلق الصدى الوجداني لدى تابعيه إنسانياً وبشكل متفرد.

وبتعبير آخر، ترسّخ الشركات الناجحة شعوراً بالهوية والغاية يجذب الموظفين والعملاء على حد سواء. ومن المفارقة أنه على الرغم من أنّ تقنية سلسلة الكتل (بلوك تشين) تتعلق بطبيعتها ببناء نظام يستحيل قرصنته، أو إساءة استغلاله من قبل قلة من الانتهازيين، فإنّ الناس ما زالوا يفضلون الثقة بالآخرين.

4- الشركات تخلق قيمة بتشجيع السلوكيات "غير المنطقية".

هناك الكثير من الحالات الشهيرة للمجازفين الذي نجحوا بتحديهم القواعد المعمول بها، مثل ستيف جوبز وإيلون مسك وريتشارد برانسون. مع خالص الاعتذار لـ جورج برنارد شو، فأنا أرى هؤلاء غير منطقيين، حيث إنهم يسعون إلى جعل العالم يتكيف مع آرائهم، بدلاً من أن يتعلموا كيف يندمجون فيه. وإذا أردنا أن نشهد تقدماً، وأن نتجاوز حقاً المعلوم والمثبت، فإننا بحاجة إلى المزيد من أمثال هؤلاء في شركاتنا.

إنّ عدم التعقل يتنافى مع عالم الذكاء الاصطناعي. فأجهزة الكمبيوتر تعمل إما عن طريق خوارزميات معقدة وإما بالاستنباط من بيانات مسبقة، وفي كلتا الحالتين لا وجود للقدرة على القفز قفزة غير تقليدية بالكامل. لننظر إلى حالة إدارة الاستثمار، حيث لا يقتصر عمل الاستشاريين الآليين فقط على إجراء عمليات تداول، فهم أيضاً يقدمون استشارات استثمارية للمستثمرين، وبتكلفة محدودة جداً مقارنة بتكلفة المستشارين الماليين البشر. ولكن، كما جاء في صحيفة فاينانشال تايمز العام الماضي: "عندما يتعلق الأمر بالاستثمار، فإنّ الغباء البشري يتفوق على الذكاء الاصطناعي". وبتعبير آخر، إذا أردت أن تتفوق على السوق، فعليك أن تخالف الاتجاه السائد للمستثمرين، وأن تقوم باستثمارات تعارض الرأي السديد المتصور آنذاك، وحري بك أن تقبل مخاطرة احتمال خطأ حكمك على الأمور أو خطأ توقيتك. وهاتان السمتان – في الوقت الراهن – بشريتان على نحو مميز.

وبالتالي، فإنّ إحدى السمات المميزة للشركات هي أنها تعزز هذا اللون من السلوكيات غير المنطقية. وبالطبع، فإنّ كثيراً من الشركات تبذل قصارى جهدها لنبذ التعارض والتباين بواسطة استخدام نظم مراقبة مشددة ومعاقبة الفاشلين. وحجتي أنه بينما تزداد هيمنة الذكاء الاصطناعي وأثره، وذلك من خلال ميكنة الأنشطة الأساسية والعقود البسيطة، سيصبح من الأهم حتى بالنسبة للشركات أن تتحرك في الاتجاه المعاكس، فتعزز الفكر غير التقليدي، وتشجع التجريب، وتتسامح مع الإخفاق.

في مقالة حديثة لمجلة فاست كومباني (Fast Company)، وصف فيتاليك بوتيرين (Vitalik Buterin) كيف يمكن توفير جميع عناصر خدمة أوبر لمشاركة المركبات عبر تطبيقات منصة "إيثيريوم" (Ethereum) التي تعمل بسلاسة مع بعضها البعض، حيث قال: "العملية كلها ستتم كما كانت في الماضي أساساً، ولكن من دون الوسيط أوبر". وقد يكون ذلك صحيحاً، لكن لا يترتب عليه بضرورة الحال أنّ الخدمة المقدمة بوساطة الكمبيوتر هي الخيار الأفضل.

على سبيل المثال، في عام 2016، أُطلقت مؤسسة مستقلة لا مركزية (DAO) على منصة إيثيريوم. وكانت فكرتها تتلخص في أن تعمل دون أي تدخل بشري، باستخدام قواعد معدّة سلفاً وتقنية سلسلة الكتل كي تعمل بسلاسة. لكن، ثمة مشكلة فنية شابتها، وسمحت لمستخدم مجهول بنهب 55 مليون دولار من الأموال التي جُمعت في غضون أيام معدودات. ولما واجه مؤسسو منصة إيثيريوم تداعي ابتكارهم بالكامل، تدخلوا وأنشأوا ما يُعرف بالانشقاق القوي في سلسلة الكتل الذي سمح للمستثمرين باستعادة أموالهم، وأجاز استمرار تطوير تطبيقات منصة إيثيريوم.

مهما كانت التقنية قوية ومحكمة، أحياناً يتطلب الأمر رأياً بشرياً بسيطاً للحفاظ على مسار الأمور في الاتجاه السليم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!