ها قد قررتَ أخيراً البدء بالبحث عن وظيفة جديدة، وسرت في عملية شاقة ومطولة ووجدت فرصة مهنية مغرية وحصلت على عرض مناسب تماماً ويستحق القبول. ولكن عندما أخبرت رئيسك الحالي بأنك تخطط للاستقالة، فاجأك بعرض مضاد؛ ما وضعك في مواجهة سؤال كنت ظننت أنك قد حسمته سابقاً، ألا وهو: هل يتعين عليك البقاء أم الرحيل؟

من خلال عملنا في تأمين المناصب الرفيعة لكبار المدراء التنفيذيين على مدار أكثر من 30 عاماً، تلقينا عدداً لا بأس به من الاتصالات المتأخرة في الليل من مدراء تتنازعهم الهواجس حول هذا السؤال تحديداً. فما هو الجواب الشافي؟ ليس الأمر ببسيط إلى هذا الحد.

في دراسة استقصائية حديثة على مستوى الولايات المتحدة أجريناها حول أفضل الممارسات أثناء تقديم الاستقالة، أفاد حوالي 40% من كبار المدراء التنفيذيين إلى جانب قادة من الموارد البشرية على حد سواء أنّ قبول العرض المضاد من الجهة المشغلة الحالية يؤثر سلباً على مسيرة الشخص المهنية. ومع ذلك فإنّ 78% من كبار المدراء التنفيذيين و80% من قادة الموارد البشرية يشيرون إلى أنّ قبول العرض المضاد قد يكون مفيداً في بعض الأحيان. بيد أنّ مناقشاتنا ولقاءاتنا مع كبار المدراء التنفيذيين ورؤساء الموارد البشرية الذين غادروا مناصبهم وقبلوا مناصب أخرى، أظهرت مدى صعوبة تحديد الظروف والأوقات التي من المفيد فيها قبول العرض المضاد وأن ظروف كل حالة غالباً ما تختلف عن ظروف الحالات الأخرى.

بيد أنّ ما يعتبر خارج النقاش والخلاف هو حقيقة أن تقديم العروض المضادة بات اليوم نهجاً سائداً في عالم الشركات. وفيما لا تتوفر إحصاءات دقيقة حول مدى انتشار هذا النهج، إلا أننا وزملاءنا في مجال توظيف كبار المدراء التنفيذيين لاحظنا تزايداً في تقديم العروض المضادة على مدار السنوات الماضية. ولا شك في أنّ تلك العروض تمثل عامل ضغط على جميع الفرقاء – سواء أكانوا رؤساء يدركون شراسة المنافسة على المواهب المتميزة في أيامنا هذه، أم مستقيلين عن حسن نية لكنهم يجدون أنفسهم أمام عرض مضاد مغر وغير متوقع. فإذا كنت واقعاً في مثل هذه الحالة المحيرة، إليك بعض الأفكار والنصائح التي قد تساعدك على الاختيار في هذا الوضع الصعب:

أرني المال! ما إن تصرح بنيتك في الاستقالة، حتى تأتيك الأسئلة المتكررة حول ما إذا كان الأمر مرتبطاً بالأجر. وقد أظهر المشاركون في دراستنا تفاوتاً كبيراً حول ما إذا كان من الخطأ قبول العرض المضاد على أساس التعويضات المالية حصراً. فلقد قال عدد من المدراء إنّ ذلك مقبول دائماً؛ في حين رأى آخرون أنّ التعويضات المالية لا يجوز أن تشكل الاعتبار الوحيد. وقد عبر أحد قادة الموارد البشرية عن ذلك بالقول: "لا تبق أبداً في منصبك لأجل المال فقط ولا تغادر من أجل المال فقط". أما الرأي المتطرف الآخر فقد عبّر عنه مدير آخر قائلاً: "بما أنّ غالبية الشركات لا تهتم بالمسيرة المهنية لموظفيها، على الرغم من ادعاءاتها المخالفة لذلك، فإنه من المقبول تماماً أن تأخذ زمام الأمور بيدك وتفعل ما هو في صالحك، بما في ذلك الاستفادة من العروض التي تحصل عليها لتحسين أجرك وتعويضاتك المالية".

لكن انتبه! إذا كنت تعتقد أنك تتلقى أقل مما تستحق من أجر من دون أن تكون لديك أسباب أخرى للاستقالة، فإنّ محاولة تحسين أجرك من خلال الاستحصال على عرض خارجي تضغط فيه على شركتك قد تؤدي إلى نتائج عكسية. فالكثير من تلك الشركات تنأى بنفسها عن تقديم العروض المضادة، كيلا تشجع موظفيها على التلويح بالاستقالة بهدف تحسين أجورهم وتعويضاتهم على وجه التحديد.

وهنالك أمر آخر يستحق الملاحظة، ألا وهو أنّ حقيقة العرض الخارجي قد تكون أسوأ مما يبدو للعيان. وكما ترى مونيكا فالبوش كبيرة مسئولي تجربة الموظفين في شركة بي إم سي للبرمجيات (BMC)، والتي شهدت حالات كثيرة لمدراء من الشركة وفي حوزتهم مجموعة عروض خارجية، فإنّ أولئك المدراء لم يكونوا قادرين في حوالي ثلاثة أرباع تلك الحالات على مقارنة عروضهم الخارجية مع تعويضاتهم الراهنة مقارنة موضوعية؛ وتقول: "إنهم إما لم يفهموا كيف ستعمل حقوق الملكية المتضمنة في العرض الخارجي، وإما لم يدركوا الفارق بين خيارات الأسهم والأسهم المقيدة، أو بين الأسهم المقيدة والأسهم غير المقيدة. وعندما كان يعرض عليهم حصة في الشركة الجديدة، كانوا ينطلقون ببساطة من القيمة السوقية الممكنة ويحسبون على أساسها حصتهم".

انظر في التداعيات الممكنة لقبولك العرض المضاد. حينما طلبنا من المشاركين في الدراسة أن يشيروا إلى أكبر عدد ممكن من التداعيات السلبية لقبول العرض المضاد، حدد حوالي 80% من كبار المدراء و60% من قادة الموارد البشرية مسألة انعدام الثقة وإلحاق الضرر بسمعة الموظف المعني لدى المدراء التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة في شركته الراهنة؛ في حين أشار حوالي 80% من كبار المدراء التنفيذيين و67% من قادة الموارد البشرية إلى نفس المسألة من انعدام الثقة والإضرار بالسمعة لدى الشركة التي رُفض عرضها. إلى ذلك أشار 71% من كبار المدراء التنفيذيين و67% من قادة الموارد البشرية إلى أنّ رؤساء الموظف المعني في شركته الراهنة سيشككون من الآن فصاعداً في ولائه وإخلاصه لشركته.

ومن بين التداعيات السلبية الأخرى شعور رئيس الموظف في العمل بالابتزاز وأنّ زملاءه سيمتعضون من المعاملة الخاصة التي حظي بها زميلهم. وفضلاً عن ذلك ستتضرر سمعة الشخص المعني خارج شركته؛ فكما يقول أحد رؤساء العمليات السابقين في واحد من فروع أحد البنوك العالمية الكبرى: "عليك أن تنظر إلى مدى الضرر الذي تلحقه بسمعتك حينما تقبل بعرض ما ومن ثم تستنكف. فالناس يعلمون أنّ ما يحدث مرة، يمكن أن يتكرر مجدداً".

ألق نظرة على السجلات والإحصائيات. ما هي احتمالات أن يؤدي قبولك لعرض مضاد إلى تحسين مسيرتك المهنية؟ يقدر المشاركون في مقابلاتنا احتمال أن ينجح قبولك للعرض المضاد ما بين 5% و25%، حيث تقول جيني مكاولي، التي تشغل في الوقت الراهن منصب نائب المدير الإداري في شركة "ساوث ويسترن إنرجي" (Southwestern Energy) والتي عملت سابقاً في إدارة الموارد البشرية لدى شركات عدة منها "جي بي مورغان تشيس" (JPMorgan Chase) و"هيلتون هوتيلز" (Hilton Hotels): "تظهر خبرتي أنّ العروض المضادة لا تنجح في 95% من الحالات. وإذا نجحت، فلفترة محدودة – إذ إنّ من أراد يوماً الاستقالة سيستقيل في كل الأحوال". ويتفق رئيس الإيرادات في إحدى شركات الأمن السيبراني الرائدة مع هذا التقدير، مع أنه كان يقدم العروض المضادة ويدعم هذه الممارسة في الشركات التي أدارها، ويضيف: "إنّ حدسي وملاحظاتي من الواقع تخبرني أن الأشخاص الذين يقبلون العروض المضادة سيذهبون في نهاية المطاف، أكان ذلك بعد سنة أم بعد سنتين اثنتين".  

اصغِ جيداً عندما يكشف لك المدير عن ترقية مهمة. قد يفاتحك رئيسك، عقب إبلاغك له بقرار استقالتك، بأن قيادة الشركة تفكر منذ وقت بأن تسند إليك منصباً جديداً أو مسؤوليات جديدة وبأنها ترغب في أن تمنحها فرصة عرض أفكارها أمامك. وكما يقول أحد قادة الموارد البشرية، "إنّ هذا النوع من ردود الفعل يصعب ادعاؤه زوراً، فمن غير المنطقي أن تتمكن قيادة الشركة إعداد عرض مضاد متكامل يتضمن إدماجك في مهمات جديدة خلال يوم أو يومين فقط لإقناعك بالبقاء في الشركة". اسأل نفسك إن كنت فعلاً تعتقد أنّ العرض المقدم لك الآن كان في جميع الأحوال سيقدم لك في المستقبل القريب. وإذا كان الأمر كذلك، من المفيد إعادة النظر في قرارك بالاستقالة وربما الرجوع عنه.

ومع ذلك، حتى إذا بدا العرض صادقاً وحقيقياً، فقد يكون ذلك مجرد مؤشر على تعزيز الاقتصاد، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب على المدراء التنفيذيين في السويات العليا ويضغط على الشركات للاحتفاظ بكبار موظفيهم – بما فيهم أولئك الذين أُهملوا ولم يحظوا بالتقدير الواجب في السابق. ولكن عندما تعود إلى كنف الشركة ويصيب الاقتصاد بعض الركود، من الوارد جداً أن تعاني من الإهمال وعدم التقدير من جديد.

اتّخذ خطوة إلى الوراء. إذا كنت لا تزال غير واثق من قرارك حول قبول العرض المضاد، ناقش الأمر مع مرشدك أو مع أصدقائك الموثوقين لتقييم كل ما له من تداعيات وعواقب وبخاصة على سمعتك. فإذا كنت على قناعة تامة بمبررات استقالتك، وبالأخص بالمبررات الإيجابية لها، فإنك ستكون قادراً على رفض أي عروض مضادة ليست في صالحك، سواء أكانت صادقة وحقيقية أم لا.

وقد تكون أفضل نصيحة حول العروض المضادة هي ألا تترك الأمور تصل إلى هذه المرحلة. بادر قبل البحث عن عرض خارجي وقبل إثارة توقعات الشركة الأخرى من خلال التقدم لديها واجتياز عملية إجراء المقابلات بجميع مراحلها، إلى التحدث إلى رئيسك وإعطائه ما يسمى حق الشفعة. فقد رأى عدد كبير من المدراء الذين تحدثنا إليهم أن على الشخص المعني إجراء ما أطلق عليه أحدهم تعبير "نقاش ما قبل الاستقالة" – وهو حديث صريح مع رئيسك حول إيجابيات وسلبيات الخطوة التي تنوي القيام بها. ولا بد هنا بالطبع أن يكون ذلك الرئيس شخصاً تثق به وتهمه مصلحتك ولن يستغل قرارك أياً كان ضد صالحك. وإذا اتسم رد فعل رئيسك بالغضب والانزعاج، تكون علاقتكما غير صحية، وهو ما يشكل عاملاً إضافياً تضعه في الميزان الذي تزن فيه قراراتك التي ترسم مستقبلك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!