تابعنا على لينكد إن

تبدو فكرة انسجام الموظفين مع العمل جديدة نسبياً للكثير من الناس، ولكن العلماء يدرسونها منذ سنوات. كان ويليام خان أول من قدّم المصطلح في عام 1990، وعرّفه على أنه “درجة التعرّف النفسي التي يختبرها الموظف مع مهمات وظيفته أو شخصيتها”. ولاحظ أنّ المؤسسات كانت تتجاهل أثر التجارب اليومية على محفزات العمل لدى الموظفين وتركّز عوضاً عن ذلك على مواهبهم ومهاراتهم وخبراتهم السابقة، وهي ميزات شديدة الأهمية بلا شكّ، لكنها ليست كافية لإظهار المجموعة الكبيرة من التجارب الذاتية التي يعيشها الموظفون في العمل.

لنأخذ مثلاً شخصين لهما مهارات وخلفيات متماثلة ويعملان في الشركة ذاتها وفي الفريق ذاته ولديهما المهمات ذاتها. إلا أنّ أحدهما منسجم تماماً مع العمل ومتحمس له وراض عنه تماماً، بينما يشعر الآخر بالضجر والملل والانعزال عن الآخرين. وكنتيجة لذلك فإنّ أداء الشخص الأول سيكون أفضل وسيبقى في المؤسسة لمدة أطول وسيكون له أثر إيجابي على الموظفين الآخرين، بينما سيكون أداء الثاني ضعيفاً وسيكون أثره سلبياً على الآخرين وسيستقيل. فالانسجام هو سبب الاختلاف بينهما وبين حالتيهما.

وفي هذا السياق، تبين البحوث أنّ المستوى العالي من الانسجام بأشكاله المتعددة يتنبأ بكمية من النتائج المؤسساتية الإيجابية، كفعالية الفريق ورضا الزبائن، بينما تمّ ربط المستوى المنخفض من الانسجام بعدد من النتائج الإشكالية كالانقلابات المتزايدة وحالات التغيب والتوتر والإرهاق. وعلى الرغم من أنّ المؤسسات تستفيد من الانسجام، تُشير التقديرات العالمية إلى أنّ معظم الموظفين ليسوا منسجمين في وظائفهم، وبالأخص في الدول الاقتصادية المتطورة، حيث تكون توقعات الموظفين في أعلى درجاتها. وفي الولايات المتحدة وحدها، يترجم ذلك بخسارة إنتاجية تقدّر بحوالي 500 مليار دولار أميركي سنوياً.

وتُعتبر القيادة السيئة إحدى محرّكات عدم انسجام الموظفين، ومن المتوقع أن تكون وحدها مسؤولة عن 30% من التغيرات في مستويات الانسجام. إلا أنّ القادة لا يدركون هذا الأمر غالباً، ويعود ذلك بنسبة لا بأس بها لندرة تقييمات الموظفين السلبية لمدرائهم. وفي الواقع، لم يعتد الموظفون إطلاقاً الشعور بأنهم قادرين على انتقاد مدرائهم بصراحة وانفتاح دون تحمّل عواقب لذلك. صحيح أنّ إخبار مديرك أنك غير منسجم في وظيفتك هو نقاش صعب وغير مريح، لكن في المقابل، عدم البوح بأي شيء سيؤدي إلى وضع أسوأ للجميع.

ومن أجل معالجة هذه المشكلة، سنقدم أربع طرق يمكنك اتباعها للتعبير عن عدم رضاك في عملك، على أمل أن يكون مديرك قادراً وعازماً على المساعدة:

“أنا بحاجة لمساعدتك لأجل إطلاق كامل إمكاناتي”

تُبرز هذه الجملة الفرق المعروف بين الأداء الأقصى، أي ما تستطيع فعله، والأداء النمطي، أي ما تفعله عادة. وعندما يكون لدى الموظف دوافع قوية يكون كلاهما سيان. لكن نظراً لارتفاع المعدل الأساسي لعدم الانسجام، لا يشكّل الأداء النمطي لدى معظم الناس سوى الجزء الصغير من إمكانياتهم. وباستخدام هذه الجملة ستذكّر مديرك أنّ انسجام الموظف ليس مفهوماً فلسفياً أو غيبياً. بل على العكس، هناك نسبة واضحة لعائدات الاستثمار (ROI) على الانسجام وهي تحقق الاتّساق بين إمكانات الأشخاص وأدائهم الفعلي.

“أنا بحاجة إلى تحدّ جديد”

توضّح هذه الجملة أهميّة التعلّم كمحرّك للانسجام. عندما يوضع الإنسان في دور يتيح له إتقان مهارات جديدة وحلّ مسائل صعبة سيشعر أنّ قيمته أكبر وسيشعر بالرضا. بالمقابل، عندما يعمل الموظفون بصورة آلية ستتحول وظائفهم إلى روتين ممل وسيشعرون بعدم فائدة وجودهم. وللأسف، يميل جميع المدراء والموظفين بنسب متساوية لتحقيق المستوى الأمثل للعمل وفقاً للفعالية وجعل كل الأمور مضمونة ومتوقعة قدر المستطاع. بالنسبة للموظفين، يعفيهم ذلك من الضغط الذهني ويريحهم من القلق والتوتر، هذه إحدى فوائد العمل السهل. أما بالنسبة للمدراء فهي طريقة للتقليل من نسب المجازفة بانخفاض مستوى أداء الموظفين عن طريق ضمان أن يقوموا بفعل ما هو متوقع منهم بأكبر فعالية ممكنة، ما سيجعل فريدريك تايلور، مؤسس الاستشارات الإدارية وفعالية العمل، فخوراً. وهذا أيضاً سبب لعدم نجاحك على المدى الطويل في وظيفة تستفيد من نقاط قوتك فقط. فإذا كان كل شيء سهلاً، من أين ستجد التحديات المحفزة وفرص التعلم التي ستجعلك تنمو؟

لست متأكداً أنّ هذه الوظيفة تناسبني تماماً”

تركّز هذه الجملة على الأمر الأساسي الذي يحدّد الانسجام، ويحدّد بدوره الأداء في الوظيفة، وهو ما يسمى توافق الشخص مع الوظيفة. ووفقاً لهذا المفهوم سيكون الإنسان أكثر رضا وسيصبح أداؤه أفضل عندما يوضع في وظيفة تتوافق مع قيمه واهتماماته وأساليبه وإمكانياته. ومن هذه الناحية نجد أنّ الاهتمام بوضع الموهبة في المكان المناسب أكبر قليلاً من الاهتمام بوضع الشخصية في المكان المناسب. وإذا استطعنا من خلال هذا الأسلوب المساعدة على إجراء حوار مع مديرك بشأن أفضلياتك ومحركات الدوافع لديك فقد نتمكن من مساعدته على إعادة التفكير بالمكان الذي يناسبك أكثر والذي سيكون أداؤك فيه أفضل. كما يجب أن يقدم لك هذا الحوار فرصة للتحدث عن الجوانب التي تستمتع بها في منصبك الحالي على أمل أن تتمكن من زيادتها والابتعاد عمّا لا يعجبك. وبناء عليه، تبين البحوث أنّ الموظف الذي يحظى بثقة مديره لدرجة تسمح له بتشكيل وظيفته بهذه الطريقة يميل لإيجاد معنى أكبر للعمل والانسجام معه بصورة أكبر.

إنّ عملي مرهق، هل يمكنك مساعدتي؟”

هذه الجملة الأخيرة هي تذكير لطيف أنّ المدراء مسؤولون عن دوافع موظفيهم وفرقهم. وفي النهاية، كل الدوافع هي دوافع شخصية، ولكن من واجب المدير أن يساعد موظفيه على تجنب أوضاع العمل التي تستنفذ دوافعه وتثبطها، حيث تتغلب العوائق المرهقة على التحديات التي تثير حماستهم. وعلاوة على ذلك، حتى عندما يقوم المدير بتوظيف شخص يُبدي اندفاعاً ذاتياً ويملك قدرة الضغط على نفسه، لا يستطيع توقع أن يحافظ هذا الموظف على اندفاعه هذا طوال الوقت. وعلى سبيل المثال، تبين الدراسات أنّ هناك تأثيراً شائعاً للانسجام يسمى “أثر شهر العسل”، حيث يكون معظم الناس متحمّسين لوظائفهم الجديدة خلال العام الأول، ولكنهم سيشعرون بعدم الانسجام بعد ذلك. ولكن المدير المتمكن سيحاول فهم ما يثير حماسة كلّ موظف وما يثبط عزيمته من أجل تطوير وظيفته بصورة منطقية تضفي معنى لعمله. وعندما لا يكون المعنى كافياً، لدينا دائماً المحفزات التقليدية، بما فيها المكافآت المالية والتقدير والترقية والمرونة في العمل.

ولكي نكون واضحين، ليست أيّ من هذه الطرق مضمونة وذلك لعدة أسباب. أولاً، يمكن أن يقوم المدير بفصل الموظف أو لومه على المشاكل التي يعاني منها. ثانياً، حتى إذا كان المدير مهتماً بتقديم المساعدة، ربما يكون غير قادر على ذلك، فهناك بعض الوظائف التي يصعب إيجاد من يشغلها وستكون خيارات البدائل محدودة، أو ربما يكون الجو العام في المؤسسة ساماً أو مليئاً بالمشاكل. وثالثاً، بالرغم من أنّ هذه الطرق تبدو مسالمة ولطيفة، ولكن ربما يشعر المدير بالإهانة وأنّ هذا الطلب يوجه انتقاداً أو تقييماً سيئاً له، وذلك لأن بعض المدراء يعتبرون أنّ الانسجام مسؤولية الموظف أيضاً.

إذا كنت تعتقد أنّ ردة فعل مديرك سلبية أو أنه غير راغب أو غير قادر على المساعدة، فلا تخض هذه المحادثة إن لم تكن لديك خطة بديلة، سواء كان ذلك عرضاً للعمل بالفعل في اليد أو عليك الاعتراف بضرورة تجاوز الأمر والمضي في عملك على ماهو عليه. وعلى الرغم أنه من النادر أن يُطرد أحد من وظيفته بسبب عدم انسجامه (إلا إن ترافق ذلك بالأداء المتدني أو السلوك السيء)، لكن إثارة هذا الموضوع يؤذي سمعتك لدى مديرك. وفي نهاية المطاف ربما تكون المجازفة بالبقاء في عمل لست منسجماً معه أسوأ من ذلك بكثير.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz