يستطيع المدراء العادلون جني ثمار كبيرة مع موظفيهم، فقد توصلت البحوث المستفيضة إلى أنه في حالة شعور الموظفين بأنهم يلقَون معاملة عادلة فإنّ أداءهم يتحسّن ويكونون أكثر إفادة لزملائهم، وأكثر التزاماً بمجموعات عملهم وبمؤسستهم، وأقل احتمالاً لأن يقوموا بالاختلاس أو يتصرفوا بوقاحة مع الآخرين.

ومع ذلك، وفي كثير من الأحيان، يجد الموظفون أنفسهم يُعاملون معاملة غير عادلة، حيث يتخذ مدراؤهم قرارات متعلقة بهم من دون تشاور أو الرجوع إليهم في الإجراءات القانونية الواجبة، أو أن يكون مديرهم متناقض في تطبيق القواعد. قد يظنون أنّ مديرهم غير كفء أو منحاز، أو أسوأ من ذلك، أو أنه مجرد شخص سيء. على الرغم من أنّ هذا قد يكون صحيحاً بالنسبة لبعض المدراء، إلا أنّ معظمهم يدرك أهمية الإنصاف ويرغب في التصرف بشكل عادل. فلماذا إذن يتصرف البعض بطريقة غير عادلة وهم على علم بأثر ذلك في تقليص الأداء؟

في ورقة بحثية نُشرت مؤخراً في دورية أكاديمية الإدارة، ذهبنا إلى أنّ أحد تفسيرات ذلك يرجع إلى أنّ العديد من المدراء هم ببساطة مشغولون جداً عن إنصاف موظفيهم. إذ أنّه في الكثير من الحالات، يتوقع منهم أن ينتقلوا بسرعة بين المسؤوليات المتعددة تحت ضغط العمل والوقت، ومن ثم، فإنّ التعامل مع الموظفين بصورة عادلة قد يتراجع أمام الأولويات الملحة الأخرى.

إنّ التعامل بإنصاف ليس دائماً بالأمر السهل. هذا ما تؤكده البحوث على مدار أكثر من 60 عاماً فالإنصاف ليس خياراً واحداً بسيطاً، بل مجموعة معقدة ومتكاملة من القرارات والإجراءات. لكي ينال المدراء حكم الموظفين عليهم بالإنصاف، يتعين عليهم الوفاء بأربعة جوانب للعدالة: أولاً، عليهم ضمان العدالة التوزيعية من خلال التأكد من مكافأة الموظفين بشكل عادل لمساهماتهم. ثانياً، عليهم اتباع إجراءات شفافة وواضحة للموظفين تُبيّن سبل الحصول على تلك المكافآت. يشمل هذا ضمان تطبيق القرارات باستمرار على الأوضاع والأشخاص بالاستناد إلى معلومات دقيقة، وقمع التحيز في عملية اتخاذ القرار وتوفير الفرص للموظفين للتعبير عن مخاوفهم. ثالثًا، عليهم الانخراط في العدالة المعلوماتية من خلال تفسير المنطق وراء قراراتهم في وقت مناسب. وأخيراً وليس آخراً، يجب أن يكونوا عادلين في التعامل مع الموظفين بكرامة واحترام.

هذه الأنشطة معقدة، ومجهدة، وتستغرق الكثير من الوقت. إنّ رؤية النزاهة في هذا الضوء تشير إلى أنّ الظلم قد يكون بسبب افتقار المدراء للموارد الشخصية الكافية للتوفيق بين أولويات متعددة ومتنافسة أكثر من كونه راجعاً إلى انحياز المدراء أو دناءتهم. عندما يكون العدل في موضع تقابله مسؤوليات تقنية أخرى، فإنه قد يصبح ضحية الانشغال بكل أسف. وجدت الدراسات الاستقصائية أنّ العديد من الموظفين يشكون من أنّ مدراءهم "مشغولون للغاية" للالتقاء بهم أو للاستماع إلى مخاوفهم أو إخبارهم بالقرارات الجديدة. وبالمثل، اعترف المدراء بأنهم يتصرفون بشكل متبلد الشعور تجاه الموظفين أو بطريقة أقل إنصافاً لأنهم "مُثقلون" أو يفتقرون إلى الوقت.

في ورقتنا البحثية، سعينا إلى تطوير فهم أكثر دقة حول العلاقة الطردية بين ثقل الأعباء الملقاة على كاهل المدراء بتعاملهم غير العادل مع الموظفين والتعرف على أسباب ذلك. كانت أطروحتنا الرئيسية أنه مع زيادة أعباء العمل، فمن الأرجح أن يعطي المدراء الأولوية لمهام العمل التي تدعم جوهر الوظائف الفنية للمؤسسة (مثل الإشراف على إنتاج المنتجات أو الخدمات، تقديم التقارير إلى الرؤساء، التفاعل مع العملاء، وتنفيذ مبادرات جديدة) على حساب المهام المتعلقة بالإنصاف، أو الأعمال التي تعكس الإنصاف نحو الموظفين (على سبيل المثال، تخصيص وقت لتقييم مساهماتهم بعناية، واتباع الإجراءات المناسبة لحل مخاوفهم، وتقديم الأدلة والمبررات المنطقية للقرارات المختلفة وإتاحة الوقت للاستماع إلى مخاوف الموظفين).

كما سعينا لفهم ما يمكن أن تفعله المؤسسات لمساعدة المدراء المثقلين بالعمل للتعامل بشكل أكثر عدلاً مع الموظفين. لذلك قمنا بالتحقيق فيما إذا كانت المكافآت قد تدفع المدراء إلى الحفاظ على إنصاف الموظفين إلى جانب الأداء الجيد في مهام عملهم.

لقد حققنا هذه الأسئلة من خلال ثلاث دراسات. في دراستنا الأولى، قمنا بتعيين 107 مدراء في الولايات المتحدة لاستكمال استبيانين يوميين لمدة عشرة أيام عمل. استفهم الاستبيان الأول، الذي تم الانتهاء منه في منتصف يوم العمل، من المدراء عن عبء العمل الواقع عليهم في ذلك اليوم. وسأل الاستبيان الثاني، الذي تم الانتهاء منه في نهاية يوم العمل، عن مدى إعطائهم الأولوية لمهام العمل الأساسية على حساب النزاهة تجاه الموظفين في ذلك اليوم، ومدى تصرفهم بشكل عادل تجاه الموظفين استنادًا إلى جوانب الإنصاف الأربعة المحددة سالفاً.

وجدنا أنه في الأيام التي واجه فيها المدراء مزيداً من أعباء العمل، فإنهم أعطوا الأولوية لمهامهم الفنية بشكل كبير، وكانوا أقل إنصافاً تجاه الموظفين، مقارنة بالأيام التي كان لديهم فيها أعمال أخف. ومع ذلك، فإنّ هذا الاستنتاج يعتمد على ما إذا كانت المؤسسات تكافئ المدراء على الإنصاف. ففي استطلاع سابق، كنا قد سألنا المدراء إذا ما كانت مؤسساتهم قد كافأتهم لمعاملة الموظفين بإنصاف، وتبين أنّ بعض المؤسسات فعلت ذلك أكثر من غيرها. بالنسبة للمؤسسات التي كافأت مدراءها على إنصافهم (عن طريق الأجر أو الترقيات أو الاعتراف بجهودهم أو الجوائز على سبيل المثال)، وجدنا أنّ المدراء كانوا أقل احتمالاً لوضع إنصاف الموظفين في ذيل الأولويات حتى في أيام العمل ذات الأعباء الثقيلة.

تناولت دراسة ثانية سؤالاً مختلفاً بعض الشيء: هل المدراء الذين تزدحم جداولهم بأعباء ثقيلة طوال الوقت أكثر احتمالاً لمعاملة موظفيهم بصورة غير عادلة مقارنة بأولئك الذين لديهم دائماً أعباء عمل أخف؟ قمنا باستطلاع آراء 166 مديراً في الهند حول أعباء العمل على مدى الأشهر الثلاثة السابقة، وما إذا كانوا قد حددوا أولويات المهام الفنية على مهام الإنصاف خلال هذه الفترة، ثم طلبنا تقريراً مباشراً من كل مدير حول نزاهة رئيسه تجاهه، وبذلك حصلنا على تقرير ثان مباشر يُقيّم أداء مهام مدير العمل.

باستخدام هذه المصادر الثلاثة المستقلة للبيانات، وجدنا أنّ المدراء الذين لديهم أعباء عمل أثقل أعطوا الأولوية للمهام الفنية الأساسية على التعامل مع الموظفين بطريقة عادلة. ونتيجة لذلك، كان من غير المرجح أن يُنقل عن مرؤوسيهم تصرفهم بشكل عادل معهم. كما فعلنا في الدراسة السابقة، قمنا باستبيان آراء المدراء فيما إذا كانت مؤسساتهم تكافئ على المعاملة العادلة. وجدنا مرة أخرى أنه في المؤسسات التي تكافئ على الإنصاف، فإنّ من المرجح أن يتصرف المدراء بإنصاف على الرغم من عبء العمل الثقيل. يعزز هذا حجتنا بأنّ المدراء "مُجبرون" فقط على وضع الإنصاف في ذيل الأولويات عندما يكونون مُثقلين بالمهام التي تزيد عن طاقتهم، أما المدراء أصحاب الأحمال الأخف فيتصرفون بشكل عادل بغض النظر عن هذه المكافآت.

في هذه الدراسة ، كنا قادرين أيضاً على استنباط ما إذا كان المدراء الذين لديهم أعباء عمل ثقيلة، تم مكافأتهم على العمل بشكل عادل قد فعلوا ذلك على حساب أدائهم في مهام العمل الأساسية. ومن المثير للاهتمام، أنه في المؤسسات التي تم فيها مكافأة العدالة، كان من الأرجح أن يتصرف الرؤساء المثقلون بالعمل بشكل عادل وأن يؤدوا أداء جيداً في مهام العمل الأخرى، مقارنة بالمؤسسات التي كان يُكافئ فيها العدل بشكل أقل صراحة.

وقد شملت دراستنا الثالثة 239 من الطلاب الجامعيين في مجال الأعمال الذين كان عليهم إكمال المحاكاة الإدارية في المختبر. كان عليهم إكمال مهمة فنية (عبارة عن إنشاء تقرير حول منصب جديد لرؤساء إداراتهم) ومهمة مرتبطة بالإنصاف (إرسال مذكرة إلى الموظف تشرح قرار ترقية غير سار). قمنا بتغيير مقدار الوقت للمشاركين الذين كان عليهم إكمال مهمة محاكاة عبء العمل المتباين (20 دقيقة لأعباء العمل الثقيلة مقابل 30 دقيقة للأعباء الخفيفة). كما قمنا أيضاً بتكليفهم بشكل عشوائي بالعمل في بيئة تُفضّل صرف المكافآت في الأداء الفني مقابل بيئة أخرى يتوازن فيها نظام المكافآت بين الأداء الفني والإنصاف.

تشابهت النتائج التي توصلنا إليها في هذه الدراسة مع نتائج الدراستين السابقتين. عندما كان لدى المشاركين وقت أقل لإكمال المهمة، أعطوا الأولوية للمهمة الفنية (ممثلة في رفع تقرير إلى المدير)، وبالتالي كان أداؤهم أسوأ فيما يخص الإنصاف (مثال مذكرة الموظف). كان هذا أكثر احتمالاً في الشركات التي تضع نظام مكافآت يُفضّل الأداء الفني مقارنة بالمكافآت المتوازنة بين الأداء الفني والإنصاف. وعندما كانت المكافآت متوازنة، فإنّ المشاركين تحت أعباء العمل الثقيل لم يتصرفوا فقط بشكل عادل مثل أولئك الذين لديهم عبء عمل أخف، بل إنّ أداءهم في المهمة الفنية لم يختلف عن أولئك الذين لديهم عبء عمل أخف ويراعوا الإنصاف في الوقت نفسه. باختصار، لم يأت التصرف بشكل عادل على حساب الأداء الفني.

إذاً، ما الذي يمكن أن نتعلمه من كل هذا؟ نتعلم أنّ كونك مُنصفاً يتطلب وقتاً وجهداً، وقد يكافح المدراء المثقلون بأعباء العمل من أجل إعطاء الأولوية للإنصاف في الأوقات التي تتطلب فيها المهام الفنية الملحة انتباههم. بالنسبة للمدراء الذين يريدون ضمان معاملة منصفة لموظفيهم، فإنه من المهم أن يكون هناك درع واقي للإنصاف يحميه من المهام التنافسية الأخرى التي ينشغلون بها. حاول إدخال قضاء أوقات مع موظفيك في جدولك بحيث تكون أقل عرضة لتأثيرات عبء العمل.

تشير دراساتنا إلى أنه يمكن للمؤسسات أيضاً دفع المدراء للموازنة بين المهام الفنية والمعاملة العادلة من خلال مكافأة وتكريم هؤلاء الذين يتصرفون بإنصاف. إنّ القيام بذلك يشير بوضوح إلى أنّ المعاملة العادلة هي مهمة أساسية للقيادة. لقد فعلت بعض الشركات بهذا بالفعل، مثل جوجل، موضحة للمدراء أنه لا بأس من تخصيص وقت أقل للمهام الفنية مقابل مزيد من التفاعل مع الموظفين. والجدير بالذكر، أنه على الأقل في الدراسات التي أجريناها، فإنّ تحديد أولويات مهام العمل الفني قد أضر بالمعاملة العادلة، لكنه لم يُحسّن الأداء الفني. لذا فإنّ المؤسسات التي تكافئ على الإنصاف قد ترى فوزاً متبادلاً: حيث يمكن للقادة المشغولين التصرف بشكل عادل دون المساس بأدائهم في مهام العمل الأساسية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!