تابعنا على لينكد إن

تابعنا على لينكد إن

قبل بضع سنوات توصّلنا إلى فكرة جديدة في مجال تطوير الأشخاص القياديين. فالأبحاث أخبرتنا بأن الأشخاص الذين شاركوا في برنامج لتطوير الذات، سجلوا تزايداً كبيراً في نجاحاتهم عندما كانوا يتلقون تشجيعاً لاحقاً. وقد طوّرنا تطبيقاً إلكترونياً هدفه تقديم هذا النوع من التشجيع. فالناس الذين يستخدمون هذا التطبيق يدخلون أهدافهم الخاصة بتطوير ذاتهم ضمن البرنامج الذي يقوم لاحقاً بإرسال رسائل تذكيرية كل أسبوع أو شهر ليسألهم عن حالهم وعن مدى التقدّم الذي أحرزوه بغية تحفيزهم. وقد استثمرنا الكثير من الجهد والمال في هذا المنتج.

ولكن الذي اتّضح لنا هو أن الناس لم تكن تحب تلقي الرسائل الإلكترونية، ووجدت بأنها تنطوي على قدر أكبر من الإزعاج مقارنة مع التحفيز الذي قدّمته. وقد أطلق بعض مستخدمي هذا البرنامج عليه اسماً مضحكاً هو “البرنامج النقّاق”. ومن نافل القول بأن هذا التطبيق لم يصل البتّة إلى المستوى الذي كنا قد ارتأينا بأنه سيصل إليه. وقد قادنا تفكيرنا في القرارات التي اتخذناها وأوصلتنا إلى هذه النتيجة المخيّبة للآمال إلى طرح السؤال التالي: “ما الذي يجعل الناس ذوي النوايا الحسنة يتّخذون قرارات سيئة؟”

لكنّنا كنا نرغب في الحصول على إجابة موضوعية. وبغية فهم الجذور الحقيقية لآلية اتخاذ القرارات السيئة، راجعنا بيانات تخصّ أكثر من 5000 شخص قيادي وقارّنا ما بين سلوك الأشخاص الذين نظر إليهم على أنهم يتّخذون قرارات سيئة وسلوك الأشخاص الذين نظر إليهم على أنهم يتّخذون قرارات جيدة. وقد أجرينا تحليلاً إحصائياً (هو تحليل العامل) للسلوكيات التي ميّزت بين أفضل أصحاب القرارات وأسوئهم. وظهرت لدينا تسعة عوامل بوصفها أكثر المسارات شيوعاً نحو القرارات السيئة. وفيما يلي هذه العوامل التسعة مرتبة من الأكثر أهمية وحتى الأقل أهمية:

1- الكسل:

تبدّى ذلك على شكل إخفاق في التدقيق في الحقائق، أو في أخذ زمام المبادرة، أو في التثبّت من الافتراضات، أو في جمع المزيد من المعطيات. وبكل بساطة، هؤلاء الناس ُنظر إليهم على أنهم مائعون في تنفيذ عملهم. فهم اعتمدوا على تجارب الماضي وتوقعوا للنتائج بكل بساطة أن تكون امتداداً لما حصل سابقاً.

2- عدم توقّع الأحداث غير المتوقّعة:

من المثبّط لعزيمتنا كبشر أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانية حصول أحداث سلبية في حياتنا، لذلك فإن معظم الناس يفترضون بأن الأسوأ لن يحصل. ولكن لسوء الحظ، الناس يفارقون الحياة، أو ينفصلون عن أزواجهم، أو تحصل لهم حوادث. ويمكن للأسواق أن تنهار، ولأسعار المنازل أن تهبط، ويمكن أن نكتشف أن بعض أصدقائنا لا يُعوَّل عليهم. وثمّة أبحاث ممتازة تُظهر بأنه لو خصّص الناس بعض الوقت ليتمعّنوا في الأمور التي يمكن أن تسير على ما لا يُرام، فإنهم سيكونون جيدين جداً في توقّع المشاكل. لكن العديد من الناس يشعرون بإثارة كبيرة تجاه قرار معيّن بحيث أنهم لا يخصّصون أي وقت لدراسة المشاكل التي قد تحصل.

3- التردّد في اتخاذ القرارات:

عندما يواجه المرء قراراً معقداً سيستند إلى مجموعة بيانات دائمة التغيّر، فمن السهل أن يستمر في طلب تقرير إضافي واحد أو إجراء تحليل إضافي آخر فقط قبل اتخاذ القرار. وعندما تستغرق عملية جمع المعلومات فترة أطول ممّا هو متوقع، فإن الأشخاص المعتادين على اتخاذ القرارات السيئة يتأخرون، وبالتالي يخسرون الفرصة. فالنظر في البيانات، ودراسة العواقب، ومن ثم المضي قدماً هي أمور بحاجة إلى شجاعة. وغالباً ما يكون التردّد في اتخاذ القرار أسوأ من اتخاذ قرار خاطئ. والأشخاص الذين أكثر ما يشلّهم الخوف هم الذين يعتقدون بأن خطأ واحداً كفيل بوضع حدّ لحياتهم المهنية وهم الذين يتحاشون أي مجازفة على الإطلاق.

4- عدم الخروج من الماضي:

بعض الناس يتّخذون قرارات سيئة لأنهم معتادون على استعمال ذات البيانات أو العمليات التي سبق لهم أن استعملوها دائماً. فهم يعتادون على المقاربات التي نجحت في الماضي ويميلون إلى عدم البحث عن أي شيء أفضل. ولكن الذي يحصل في غالب الأحيان هو أنه عندما يأخذهم القرار في الاتجاه الخاطئ، فإن السبب يكون ناجماً عن أن العملية القديمة تستند إلى افتراضات لم تعد صحيحة. فأصحاب القرارات السيئة يخفقون في إبقاء هذه الافتراضات الأساسية في ذهنهم عند تطبيقهم لطرقهم التي يعتبرونها مجرّبة وصحيحة.

5- عدم وجود تناسق استراتيجي:

تنبع القرارات السيئة في بعض الأحيان من الفشل في ربط المشكلة بالاستراتيجية الإجمالية. ففي غياب استراتيجية واضحة تمثّل سياقاً عاماً، فإن العديد من الحلول تبدو منطقية. ولكن عندما تُربط باستراتيجية واضحة، فإن الحلول الأفضل سرعان ما تبرز إلى السطح.

6- الإفراط في الاتكال على الآخرين:

بعض القرارات لا تُتّخذ البتّة لأن هناك شخصاً ما ينتظر شخصاً آخر، والذي بدوره ينتظر قراراً أو معطيات من شخص ثالث. أمّا أصحاب القرارات الذين يتّسمون بالفعالية فيجدون طريقة للتصرّف باستقلالية عندما تقتضي الضرورة.

7- العزلة:

بعض القادة يكونون في انتظار المعطيات لأنهم لم يتّخذوا الخطوات للحصول عليها في الوقت المناسب أو لأنهم لم يكونوا قد وطّدوا العلاقات التي تسمح لهم بالاستفادة من خبرات الآخرين عندما يحتاجون إلى ذلك. وكل أبحاثنا التي أجريناها (إضافة إلى الأبحاث التي أجراها الآخرون) حول اتخاذ القرارات بفعالية تقرّ بأن إشراك الآخرين الذين لديهم المعارف والخبرات والتجارب المطلوبة يحسّن جودة القرارات المتّخذة.

8- غياب العمق التقني:

تعتبر المنظمات القائمة هذه الأيام معقّدة للغاية، وحتى أفضل القادة لا يمتلكون دائماً ما يكفي من المعارف التقنية العميقة التي تؤهلهم ليفهموا وعلى أكمل وجه القضايا المتعدّدة الأوجه. ولكن عندما يتكّل أصحاب القرارات على معارف الآخرين وخبراتهم دون أن يكون لديهم هم أنفسهم أي منظور تجاه المسائل المطروحة، فإنهم سيجدون صعوبة في الاستفادة من تلك المعلومات لاتخاذ قرارات فعّالة. وعندما يفتقرون حتى إلى المعارف والخبرات الأساسية، فإنهم لن يكونوا قادرين بأي طريقة من الطرق على أن يعلموا ما إذا كان القرار رائعاً أم مريعاً. ولازلنا نجد بأن أفضل المديرين التنفيذيين يمتلكون خبرات عميقة. وحتى عندما يفتقرون إلى العمق التقني لفهم تبعات القرارات التي يُواجهون بها، فإنهم يبذلون جهدهم لإيجاد الأشخاص الموهوبين الذين يحتاجون إلى مساعدتهم في هذا الشأن.

9- الفشل في التواصل:

بعض القرارات الجيّدة تتحوّل إلى قرارات سيّئة لأن الناس لا يفهمونها، أو حتى لا يعلمون بوجودها. فالتواصل مع الآخرين بشأن قرار معيّن لإبلاغهم بالدافع من وراء اتخاذه وتبعاته وعواقبه، هو أمر أساسي للغاية لنجاحه.

الانتظار لفترة أطول من المطلوب للحصول على المعطيات من الآخرين. الإخفاق في الحصول على المعطيات الصحيحة في الوقت الصحيح. الإخفاق في فهم تلك المعطيات. الإخفاق في فهم أن شيئاً معيّناً نجح في الماضي لن يكون مفيداً الآن. الإخفاق في معرفة متى يُتّخذ قرار دون توفّر جميع المعلومات الصحيحة ومتى يجب الانتظار للحصول على المزيد من النصائح. لا عجب في أن الأشخاص الجيّدين يتّخذون قرارات سيئة. فالمسار إلى اتّخاذ القرارات الجيّدة ضيّق، وهو أبعد من أن يكون مستقيماً. لكن إبقاء العيوب التي سلّطنا الضوء عليها في الذهن يمكن أن يجعل أي قائد صاحب قرار أكثر فعالية في قراراته.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz