في عام 2006، عانت شركة ماكدونالدز من توقف نموها. وقررت سلسلة مطاعم الوجبات السريعة الشهيرة أنّ المشكلة كانت تتمثل في قائمة أصنافها المحدودة؛ لذلك جرّبت إضافة العديد من الأصناف الجديدة الرائعة وانتهى بها الحال إلى مضاعفة العروض المقدمة، لكن المبيعات ازدادت بالكاد. وأخيراً في عام 2016، اتخذت الشركة اتجاهاً جديداً. إذ عادت إلى الأساسيات، وحذفت معظم هذه الأصناف الإضافية، وبدلاً من ذلك مددت عروضها الرائجة على وجبات الإفطار. لقد قفزت المبيعات أخيراً، وازدادت إيرادات المتجر الواحد بنسبة 6% عام 2017، وارتفعت قيمة سهم الشركة بنسبة 40%.

تبين أنّ أكثر ما كان يريده عملاء المطعم ليس قائمة واسعة من الأصناف، ولكن وجبات الإفطار المتاحة طوال الوقت. في الواقع، تلقى مدراء الشركة هذا الطلب طوال الوقت، لكنهم رفضوا تنفيذه؛ لأنه سيتطلب تطوير وإعادة تنظيم مطابخ المطاعم. وعلى النقيض من ذلك، شهدت أصناف الغداء والعشاء المضافة تعديلات قليلة نسبياً.

فقط عندما فشل الخيار الأقل تكلفة كان المسؤولون التنفيذيون يرغبون في تجربة تمديد قائمة وجبات الإفطار. ولكن لإجراء هذا التغيير، اضطروا أولاً إلى استعادة قائمة أبسط، وإلا كانت هذه التشكيلة الهائلة من الأصناف الجديدة ستطغى حتى على المطابخ التي جرى تطويرها. اضطر المدراء إلى العمل بالتسلسل؛ ما يعني أنهم اضطروا إلى تبسيط العملية أولاً، قبل أن يطلقوا جهودهم الجديدة للنمو.

الدرس المستفاد هو: يتحقق النمو بشكل أفضل من خلال تبسيط الأمور أكثر لعميلك وليس لك.

وكانت المشكلة الرئيسية هي عمل ماكدونالدز من منظور من الداخل للخارج: وهو ما يناسب بنيتها التحتية وعملياتها الحالية. حاولت الشركة الاستماع إلى العملاء، لكنها انتبهت فقط لما كان قابلاً للتطبيق في حدود قدراتها الحالية. كان توسيع قائمة الغداء والعشاء تدريجياً أمراً سهلاً، إذ كان بعض العملاء في الواقع يبحثون عن أصناف جديدة محددة أو قائمة أكثر تنوعاً وخيارات صحية أكثر.

ساعد اتباع منظور من الخارج للداخل على دفع ماكدونالدز إلى فهم آثار قائمة الطعام الموسعة على تجربة العملاء. ففي حين سيقدّر بعض العملاء وفرة الخيارات، فمن المرجح أن يكون الكثيرون محبطين بسبب بطء الطلب وخاصة عند الطلب من داخل السيارة؛ بسبب تجهيزات المطبخ الأكثر تعقيداً. ونظراً لأن السرعة كانت دائماً ميزة تنافسية فارقة؛ كان هذا التأثير مهماً بصفة خاصة وربما تسبب في عدم حدوث أي زيادة في المبيعات على الرغم من كثرة الخيارات.

بعد كل شيء، تنافس ماكدونالدز في فئة مطاعم "الوجبات السريعة"؛ ما يعني أنّ معظم العملاء يذهبون إلى هذه المطاعم كوسيلة سريعة للحصول على طعام لذيذ بأسعار في المتناول. نالت وجبات الإفطار المتاحة طوال اليوم استحساناً كبيراً، ومن خلال تطوير المطابخ وإعادة تنظيمها؛ كان بإمكان ماكدونالدز تلبية هذا الطلب طويل الأمد دون إبطاء الخدمة إجمالاً.

غالباً ما يُستخدم أسلوب توسيع المنتجات كمسار للنمو، لكن قد تكون له عواقب غير مقصودة على الجوانب الأخرى من الشركة، بما في ذلك تجربة العميل المحورية بالنسبة لعرض قيمة الشركة. في الواقع، تتحرك الاتجاهات الحالية بعيداً عن مفهوم العروض الواسعة في العديد من الصناعات. وأظهر استطلاع أخير للرأي أنّ 64% من المستهلكين يقولون إنهم سيدفعون أكثر مقابل تجربة أبسط وأكثر راحة. وتتمثل الحيلة في أنّ استراتيجيات النمو يجب أن تناسب الظروف الحالية للشركة، خاصة وعد علامتها التجارية وسوقها المستهدفة. وبمجرد أن تكون لديها استراتيجية تناسب الظروف، يمكنها تحديد تسلسل خطوات تنفيذ هذه الاستراتيجية.

وحتى عندما ترغب الشركات في توسيع عروض منتجاتها، يمكن أن يكون التجهيز والتسلسل الداخلي أكثر أهمية من الابتكار نفسه. وجدت شركة باي بال، عملاقة المدفوعات الإلكترونية في العالم، نفسها أمام مفترق طرق عام 2015. ازدهرت الشركة خلال فترة فقاعة الإنترنت وبيعت في نهاية المطاف إلى شركة إيباي (eBay) مقابل 1.5 مليار دولار عام 2015. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشركة رائدة سوق مدفوعات التجارة الإلكترونية، لكن بحلول عام 2015 كان لديها بعض المنافسين الأقوياء. وقررت إيباي فصل باي بال وإنشاء شركة مستقلة لها، وقررت أن تستخدم شركة مدفوعات إلكترونية مختلفة بحلول عام 2020. وكان على الشركة المستقلة حديثاً أن تقرر ما إذا كانت ستستمر في مسارها الحالي للنمو أم تلتزم بشيء جديد.

واختار قادة الشركة، الذين كانوا مقتنعين بأنّ سوق التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة كانت مشبعة، الخيار الأخير. فبدلاً من أن يكونوا مجرد "زر على أحد مواقع الإنترنت"، كانوا يريدون توفير منصة لمجموعة متنوعة من الخدمات المالية والتوسع إلى ما هو أبعد من المستهلكين الأميركيين. ولكن للوصول إلى هناك، كانوا يحتاجون إلى فهم عملائهم المستقبليين: أين يوجد هؤلاء العملاء وما هي الخدمات التي يريدونها. وأدى تركيز شركة باي بال على ما أطلقت عليه "العملاء غير المتعاملين مع المصارف وغير المخدومين" إلى خطوة مهمة؛ أعادت الشركة تنظيم نفسها إلى مجموعتين، واحدة للمستهلكين والأخرى للتجار. وتمتعت كل مجموعة بحرية للتطوير والحصول على المنتجات التي تلبي حاجة هذه الأسواق.

مكّنت هذه الخطوة الشركة من المنافسة في مجال التقنية المالية سريع التطور. وفي عام 2013، استحوذت شركة باي بال على الشركة الأم لتطبيق فينمو (Venmo)، وهو تطبيق للهواتف النقالة يسمح لمستخدميه بتحويل الأموال من دون وجود حسابات مصرفية. وبذلك، كانت الشركة قادرة على النمو مع سهولة استخدام العلامة التجارية القوية لشركة باي بال. واستحوذت مجموعة باي بال الخاصة بالمستهلكين أيضاً على موقع زووم (Xoom)، وهو موقع يسّهل التحويلات المالية الدولية. وفي الوقت ذاته، طوّرت مجموعة التجار تجربة "ووركينغ كابيتال" (Working Capital)، وهي تجربة داخلية في مجال إقراض الشركات الصغيرة بدأتها باي بال أيضاً عام 2013. كانت هذه الجهود المكثفة ممكنة فقط لأن الشركة أبطلت المركزية في عملياتها أولاً وحررت المجموعات من مجرد دعم المنتج الرئيس، بحيث كان بإمكانهم التركيز على استقطاب ملايين العملاء الجدد.

كان المستثمرون متشككين بشأن الاستراتيجية الجديدة، ولم ترتفع قيمة السهم لمدة عامين. لكن النهج الجديد اكتسب زخماً مطرداً، واستعادت الشركة مسار نموها. ارتفع إجمالي حجم المدفوعات في الشركة بنسبة 25% خلال عام 2017 وحده؛ ما أدى إلى مضاعفة سعر السهم. ومن خلال إعادة تنظيم الشركة أولاً، مكّنت باي بال موظفيها من تحقيق نمو ملحوظ.

يتطلب تعزيز النمو اتخاذ قرارات مقصودة تبدأ من الخارج للداخل، وهذا لا يعني أن تكون القرارات مرتكزة على العملاء فقط. عليك أن تعيد صياغة تحركاتك الاستراتيجية لخدمة هؤلاء العملاء في إطار الظروف الحالية والمستقبلية للسوق، وليس الماضية. عليك أيضاً أن تقاوم إغراء تجربة كل شيء على عملائك وانتظار نجاح شيء ما؛ فأنت تحتاج إلى فهم المفاضلات، وأن تقاوم التحركات الجذابة التي لها عواقب غير مرغوب فيها على المدى الطويل. وعندما تقرر تنفيذ خطة هجوم، عليك أن ترتب خطواتك تسلسلياً بعناية؛ لتتجنب إرباك مؤسستك أو عملائك. وفي كل مرحلة من مراحل التخطيط الاستراتيجي، يتطلب ذلك تفكيراً عميقاً من منظور خارجي، لكنه سيضمن زيادة نموك من الآن فصاعداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!