هارفارد-بزنس-ريفيو-التحكم-بالمشاعر

قبل ثلاث وعشرين سنة، جاءني أحد الموظفين، وسأدعوه “فادي”، يطلب مني لقاءً خاصاً. كان فادي موظفاً جدياً وكانت آراؤه قاسية ومباشرة. كما كان متغطرساً وصارماً ونيّقاً في أدائه لعمله وانعزالياً لا يتواصل مع زملائه إلا نادراً، بيد أن وفاءه لالتزاماته ووعوده لم يكن يُشَق له غبار، وكان إضافة لذلك ماهراً في عمله.

لم أكد أوصد باب غرفة الاجتماعات حتى صارحني فادي بشكل مباشر قائلاً: “جوزيف، أريد أن أقدم لك بعض الملاحظات!”.

لم أتوقع أن يجري اللقاء بتلك الطريقة ، إلا أنني تقبلت تلك الصراحة التي نروّج لها في ثقافتنا وقلت له بحذر: “تفضل!”.

“جوزيف، أنت متعجرف ويصعب العمل معك. فأنت لا تتقبل انتقادنا لك، بل تنزع دائماً إلى التصويب عليه والاستخفاف به. وهذا ما يجعل أدائي لوظيفتي كمحرّر أمراً مستحيلاً”. بتلك الكلمات أنهى فادي حديثه وراح يرمقني بهدوء.

لقد انتابتني في تلك اللحظات العصيبة مشاعر وأفكار قد تستغرق ساعات في الأوضاع العادية، فأحسست بدفق يجتاحني من مشاعر الإحراج والاستياء والغضب، وحصرت ذهني لتجميع قائمة طويلة تغصّ بأخطاء فادي وعيوبه – كما لو كنت أقدم دفوعاتي أمام المحكمة لأدحض اتهامات مدّع قوي. ومرّ في خاطري شريط سريع وخاطف تخيّلت فيه أنني أطرد فادي من العمل. شعرت بضيق في صدري وصعوبة في التنفس، لكنني بذلت قصارى جهدي لأتمالك نفسي وأتظاهر بالهدوء ورباطة الجأش اللذَين لم أكن أشعر بهما في حقيقة الأمر، وذلك عملاً بالمنطق الخفيّ الذي كان حاكماً لسلوكي آنذاك والذي يقول بأن الاعتراف بالإصابة قد يوحي بالضعف.

لقد كانت الغالبية الساحقة لخياراتي الخاطئة في حياتي هي تلك التي اتخذتها في حالة تهور واندفاع. ولم تكن تلك الخيارات أخطاء ناجمة عن تبني منطق خاطىء أو محاكمة عديمة الفعالية، بل كانت أخطاء يمكن تلافيها، بيد أنني ارتكبتها في لحظات كنت فيها غير راغب أو غير قادر على التحكم بمشاعر سلبية كامنة كانت تسيطر على سلوكي. وبالمثل، فإنّ أهم تقدم أحرزته في مساري القيادي لم يكن في مجال الكفاءة المهنية وإنّما في مجال الكفاءة العاطفية.

لقد كانت عاداتي المعرقلة لتطوري المهني إنما ناتجة بشكل مباشر عن عجزي عن التعامل مع مشاعر معينة والتحكم بها كالقلق والإحراج والخوف. فعلى سبيل المثال، كنت دائماً أماطل في تأدية الواجبات التي كانت تثير في داخلي مشاعر القلق وانعدام الثقة بالنفس، وكانت تصدر عني ردّات فعل دفاعية ومتشنجة كلما أحرجني الآخرون بانتقاداتهم ، كما كنت أستصعب الإفصاح عن آرائي إذا كانت تخالف آراء زملائي الأقوياء.

إنّ القدرة على الاعتراف بمشاعرنا وتملّكها والتحكم بها هي المهارة الأهم التي تمكننا من تعميق أواصر العلاقات الحميمية مع أحبّائنا وتعظيم نفوذنا في مكان العمل، بالإضافة إلى توسيع نطاق مقدرتنا على ترجمة الأفكار المجردة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. ولقد كان لهذه المهارة دون سواها الدور الأكبر في تحديد نجاحاتي وإخفاقاتي.

لكن هل بوسعنا التدرب على تقوية هذه المَلكة الأساسية تحديداً من بين ملكاتنا العاطفية الأخرى، وكأننا نمرّن عضلة معينة في جسمنا؟ وعندما تتغلب اندفاعاتنا على نوايانا في المواقف المهمة والحاسمة في حياتنا، هل نستطيع أن نقلب الأمور رأساً على عقب لتصبح الغلبة للنوايا؟!

ثمة أربع سلوكيات أوطرق قد أحدثت تغييراً عظيماً بالنسبة لي في لحظات مهمة من مساري المهني، كتلك التي اختبرتها في لقائي مع “فادي”.

تملّك الشعور. إن تحمّل مسؤولية الشعور وتملّك زمامه شرط لازم للتأثير فيه، فأنت لا تستطيع أن تغيّر شعوراً لست سيّده. أول ما أقوم به حينما يتملّكني شعور أو اندفاع طاغيان هو تقبّل المسؤولية الذاتية عن وجودهما. وتجدني أقول لنفسي: “إن هذا الأمر إنما يتعلق بي أنا لا بذلك الشيء أو بأولئك الناس”. تولد المشاعر متلازمة مع سبب خارجي وكأنه جزء لا يتجزأ منها. فطالما هنالك دائماً حدث خارجي يسبق اختباري لشعور ما، يكون من السهل الافتراض بأن ذلك الحدث هو الذي سبّب هذا الشعور. بيد أنني ما دمت أعتقد بأن مشاعري إنّما هي وليدة فعل خارجي فإنني أكون قد حكمت على نفسي بأن أكون ضحية لها.

وعلى سبيل المثال، إن شعوري بالغضب بعد انتقاد فادي لي ليست له أية علاقة مباشرة بذلك الانتقاد، فقد كان من الممكن لكلامه ذاك أن يرتبط بمشاعر أخرى كالفضول أو الدهشة أو التعاطف تماماً كارتباطه بمشاعر الاستياء والغضب، بيد أن إحساسي بمشاعر الاستياء والغضب دون سواها إنّما هو أمر أنا المسؤول عنه وليس فادي .

أعطِ اسماً للقصة. في الخطوة الثانية، عليك أن تفكر كيف تواطأتَ مع الحدث الأولي في خلق الشعور الراهن. فالمشاعر ليست سوى حصيلة تفاعل الحدث مع القصة التي ترويها لنفسك عن ذلك الحدث. إن من بين أكثر الطرق نجاعة وجدوى للتحكم بمشاعري هي تسمية القصص وتصنيفها ضمن أنماط محددة؛ هل هي قصة ضحية أركّز فيها على فضائلي وأبرّىء نفسي من تحمّل أية مسؤولية عما يجري؟ أم هي قصة وغد أبالغ فيها في تعظيم أخطاء الآخرين وأعزو كل ما يحدث إلى دوافعهم الشيطانية؟ أم إنها قصة يائس أُقنع نفسي فيها بأنْ لا جدوى من أي سلوك سليم (كالإصغاء بتواضع أو المصارحة بشفافية)؟ إن تسمية قصصي يساعدني في أن أرى الأحداث وأُفسّرها على حقيقتها من بين عدد لا يُحصى من التفسيرات المحتملة الأخرى. عندما كنت جالساً مع فادي أدركت أنني كنت متورطاً في قصة ضحية وقصة وغد في آن معاً. فقد كنت أبحث فقط عن حجج تجعله مخطئاً ولا أفكر فيما إذا كان على صواب، كما رحت أعزو انتقاده لي إلى عيوبه الشخصية، لا إلى إحباطاته المشروعة.

واجه القصة. وبعد أن تحدد نمط قصتك فإن السبيل إلى التحكم بها يكون بأن تطرح على نفسك أسئلة من شأنها أن تُخرجك من تلك القصص فلا تغدو أنت الضحية أو اليائس ولا يغدو الطرف الآخر الوغدَ أو الشرير. فعلى سبيل المثال بوسعي أن أتحول من دور الضحية المغلوبة على أمرها إلى دور الفاعل من خلال طرح السؤال التالي: “ما هو الأمر الذي أتظاهر بعدم معرفته عن دوري في هذه الحالة؟” كما بمقدوري أيضاً أن أُحوّل فادي من دور الوغد إلى دور الإنسان العادي وذلك بطرح السؤال: “ما الذي يدفع شخصاً عاقلاً ومنطقياً ومحترماً لأن يقول ما قاله؟” وكذلك بإمكاني أيضاً أن أتحول من شخص يائس وعاجز إلى إنسان قادر وذلك بطرح السؤال التالي: “ماذا عساي أن أفعل الآن للمضي قدماً نحو الهدف المنشود؟”.

عندما فكرت مليّاً بهذه الأسئلة خلال محادثتي مع فادي آنذاك، رأيت أن لنفاد صبري وتعجرفي دور كبير في جعل فادي يقول ما قاله، وحينما سألت نفسي “ماذا عساي أن أفعل…” أحسست على الفور بارتياح كبير أثلج صدري وحررني من مشاعر الاستياء والغضب، ثمّ انتابني شعور بالتواضع بدأت فيه أطرح الأسئلة عوضاً عن تقديم الدفوعات كما لو كنت في المحكمة.

ابحث عن قصتك الأولية. عبر سنين عديدة كنت أتساءل لماذا كانت تلك القصص التي أُخبرها لنفسي متوقَّعة ونمطية. ومن خلال أبحاثي التي أجريتها مع مئات من قادة الشركات وجدت أن معظم الناس لديهم أيضاً قصصاً اعتيادية يخبرونها في ظروف نمطية. فالتجارب والخبرات التي تلقيناها في مرحلة مبكرة من حياتنا على شكل تهديد لسلامتنا أومكانتنا قد تجذّرت في ذاكراتنا الكامنة وتأصلت فيها. فعلى سبيل المثال ربّما يكون أحد زملائك في الصف الثاني قد قادك إلى زاوية غير مراقبة في باحة المدرسة وأوسعك ضرباً مبرحاً، أو يكون أحد أبويك قد ميّز أحد إخوتك عليك بالثناء أوالمديح أوخصّك بالانتقاد. وانطلاقاً من هذه الخبرات يقوم جزء من الدماغ بتخزين بعض ظروف تلك الخبرات بوصفها تهديداً نفسياً أو جسدياً. وابتداءً من تلك اللحظة تغدو ردات فعلك آلية وبعيدة عن المحاكمة العقلية أنّما واجهتك مثل تلك مثل الظروف. فعندما يعلو صوت زميلك في العمل فإن دماغك سيربط حالتك الراهنة بخبرة تعرضك للضرب في طفولتك. أو عندما يتهمك فادي بالتعجرف فإن خبرة انتقاد أحد أبويك لك ستوقد في داخلك مشاعر الحنق والاستياء. لقد بدأت أشعر بقدر أكبر من الهدوء والسلام الداخليين حينما تعرفت على أصل القصص التي أرويها لنفسي وتعلمت أن أواجه انطباعي في أن سلامتي ومكانتي معرضتان للخطر في هذه اللحظات. وعندما جلست قبالة فادي وفكرت ببساطة: “بأن هذا الأمر لن يسبب لي أي أذى و أن “التواضع دليل قوة لا ضعف” انتابني شعور مباشر بالهدوء والسكينة. إن تلاوة مقولات محددة في لحظات الاستفزاز العاطفي من شأنها أن تُضعف ردات الفعل الناجمة عن صدمات نفسية سابقة غير ملائمة للحظة الراهنة.

بعد تلك الحادثة، عملنا فادي وأنا بكفاءة وفعالية لسنوات طوال. ومع أنني اختبرت الفشل في كثير من تلك اللحظات، بيد أن عزمي وتصميمي على اتباع هذه الطرق الأربع قد جعل نجاحاتي تفوق إخفاقاتي بكثير.

جوزيف غريني: حاز أربع مرات على لقب الكاتب الأكثر بيعاً في صحيفة نيويورك تايمز، وهو خطيب لامع وعالم اجتماع رائد في مجال أداء أعمال الشركات. تُرجمت مؤلفاته إلى 28 لغة، وهي متاحة في 36 دولة. ساهم في تحقيق نتائج إيجابية في 300 شركة من بين أكبر 500 شركة مُدرجة على القائمة السنوية لمجلة فورتشن. وهو شريك مؤسس لشركة فايتال سمارتس الرائدة في مجال تدريب الشركات وتنمية القيادية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz