قام دوغ خلال رحلته الأولى لزيارة منشآت الإنتاج المكسيكية التابعة لشركة كامبيل (Campbell) خلال فترة توليه منصبه كرئيس تنفيذي جديد للشركة، بعقد اجتماع ضم مجموعة كبيرة من الموظفين. وقد ضغط عليهم بطريقته الجريئة والمتهورة للمشاركة في حوار صريح معه. لم تسر الأمور على ما يرام، حيث كانت تظهر على الموظفين علامات عدم الارتياح، وكان من الواضح أنهم شعروا أنّ الاجتماع كان يشكل إهانة لهم. علم دوغ فيما بعد أنّ الموظفين اعتقدوا أنّ من غير المناسب الحديث بصراحة مع القيادة في وجود الآخرين، وقام بتقديم اعتذار إلى الإدارة المحلية واعترف بعدم وعيه حول هذا الأمر. كان درساً مبكراً ومتواضعاً في أهمية الطلاقة الثقافية.

تعتبر الطلاقة الثقافية في القيادة عنصراً أساسياً لبناء الثقة، وهي كفاءة لطالما ارتبطت بالأداء المالي. تؤدي إقامة علاقات عابرة للثقافات وطويلة الأجل إلى زيادة في الإبداع، والتفكير خارج الصندوق. وهي مكون أساسي لدفع عجلة الإنتاجية وتحفيز الابتكار مع تجنب التجانس الذي قد يقود إلى "التفكير الجماعي" (الذي يمكن أن يحد من قدرة الشركة على الوصول إلى قاعدة عالمية من الزبائن).

إذاً، لماذا لا يمتلك عدد أكبر من قادة الشركات هذه المهارة؟ عادة يرغب القادة بذلك، ولكنهم لا يعرفون كيف يقومون بترجمة نواياهم الحسنة إلى ممارسات قيادية. كما يصعب عليهم تحديد مواطن ضعفهم الخفية، والأصعب من ذلك هو إصلاح مواطن الضعف التي يلاحظونها. وبدلاً من السعي لفهم أعمق لنظرة الجماعات الثقافية الأخرى لتفاعلات معينة، غالباً ما يرى المدراء تفاعلات الأعمال والتواصل من خلال منظور إطارهم الثقافي. وفي أحيان أخرى، يجري تجاهل الاختلافات الثقافية في مسعى لتحقيق الكفاءة أو تجنب الأخطاء أو الخوف من أن يصبحوا غير مستساغين سياسياً. ويمكن لقصر النظر هذا أن يخلق حالة من الانفصال تتسبب بشعور بالإحباط لدى كل من المدير والموظفين، وتؤدي إلى عجزهم عن إنجاز أعمالهم على نحو جيد.

ويجب على القادة تعلم كيفية استغلال مواهب جميع الموظفين، وليس فقط أولئك الذين يشبهونهم، كي يتمكنوا من إشراك القوة العاملة لتقديم القيمة القصوى. ونبين فيما يلي كيفية بناء طلاقتك الثقافية.

تأمّل: قم بتقييم مستوى كفاءتك واطلب مشورة الخبراء.

من الصعب أن تجري تشخيصاً ذاتياً لمجموعة مهاراتك بسبب مواطن ضعفك الخفية. وبعبارة أخرى، لا يمكنك إدارة شيء لا تستطيع قياسه، ويمكن أن يساعدك الحصول على خبرة خارجية لقياس كل من كفاءتك الثقافية الشخصية والتنظيمية. وحسب خبرتنا في تيسير المشاريع على مدار سنوات عديدة في مؤسسات عالمية، فإن أداة القياس الأكثر دقة وموثوقية وموضوعية هي مقياس نمو التواصل بين الثقافات المختلفة (IDI)، وهو مقياس تدعمه الأبحاث ويتم التحقق منه على نحو صارم ويمكن للأفراد استخدامه لتقييم كفاءتهم الثقافية في القيادة. ونظراً لأنّ هذه الأداة قائمة على نموذج إنمائي، فهي لا تقتصر على قياس كفاءتك الثقافية فحسب، بل تقدم أيضاً خريطة طريق للتعلم المستقبلي من خلال تحديد طرق التفكير (والسلوكيات) المطلوبة لتكييف مهاراتك القيادية.

وبمجرد أن تفهم جوانب التحسن لديك، خذ بعين الاعتبار العمل مع شخص ما خارج مؤسستك ممن يستطيعون إرشادك إلى الجوانب التي تحتاج للتركيز عليها أولاً. وقد تعمل تلك الأداة على تكييف استراتيجية لإعداد عملاء جدد من مختلف المشارب الثقافية. وقد تتعلم طريقة تحفيز فرق متعددة الثقافات على نحو أفضل. أو قد تتحقق من افتراضاتك حول السبب الذي يدفع الموظفين للتصرف بالطريقة التي يتصرفون بها، حيث تشكل الثقافة عادة شخصياتهم، ومن المهم فهم سياق سلوك الموظف.

على سبيل المثال، عمل دوغ مع شريكته في الكتابة جين، وهي خبيرة استراتيجية في القيادة العالمية، لفهم كيفية عكس سلوكياته للثقافة التي ترعرع فيها. وعلم أنّ منظوره تأثر بشدة بكونه رجلاً وبنظام القيم المعتمد على البيئة الأميركية لديه. كان دوغ يفسر المواقف حسب نسخته من "معاملة الناس باحترام" دون فهم عميق لوقع هذه السلوكيات على جمهوره.

تصرّف وفقاً لهدف: كن فضولياً ومنفتحاً تجاه تعلم طريقة جديدة للإدارة.

قد يكون نمطك الخاص بالإدارة غير فعال، أو يعتبر غير مناسب، بالنسبة إلى الأفراد الذين ترعرعوا في أجواء ثقافات مختلفة عن ثقافتك. وكقائد، يجب عليك أن تكون مستعداً لتكييف نهجك ليناسب الآخرين. ولا تفترض أنّ الآخرين سيتكيفون معك.

إذا كان مقركم الرئيس في بلد ما وتم تعيينك لقيادة مشروع مع فريق متعدد الثقافات في سوق مختلفة، فكّر بشأن كيفية التعامل مع الموظفين عندما تلتقي بهم للمرة الأولى وكن مستعداً لمساءلة "وضع إدارتك الافتراضي". اسأل نفسك: كيف سأحصل على مدخلات كل أعضاء الفريق عندما يبدأ المشروع؟ وما هي أكثر الطرق فعالية لاستخراج المعلومات بعد لقائنا الأول؟ يمكن تطبيق ذلك على الموظفين في مكتبك أو في الخارج.

خذ بعين الاعتبار التغييرات التي تستطيع إجراءها لمساعدة كل عضو في الفريق ليشعر بارتياح أثناء مساهمته. "سياسة الباب المفتوح" هي طريقة جيدة لتشجيع التواصل، ولكنها قد لا تكون كافية في بداية التعرف على فريقك، ولن يرغب الجميع بالتوجه إلى مكتبك. الاستماع أكثر من الحديث هي استراتيجية أخرى. انتظر حتى يتحدث الآخرون قبل التعبير عن آرائك في اجتماع ما، واسمح للصمت أثناء مكالمة هاتفية جماعية بعد طرح سؤال ما. سيساعدك هذا في ملاحظة كيفية تفضيل مختلف أعضاء فريقك للتواصل.

وأخيراً، إذا صادفت شيئاً لا تفهمه، فمن الأفضل أن تسأل بدلاً من الافتراض. ربما تجد أن هذا يستغرق وقتاً أطول في الاجتماعات القليلة الأولى، ولكنه سيؤتي ثماره على المدى البعيد. بناء أساس من الثقة هو أمر مهم وسيساعد فريقك في التغلب على الصراع إذا حدث في وقت لاحق.

تعتبر تجربة دوغ مثالاً واضحاً على ذلك. فمع مرور الوقت، اكتشف دوغ أن الموظفين القادمين من ثقافات مغايرة (في الولايات المتحدة وخارجها) فسّروا نهجه الحماسي على أنه عديم الاحترام. وأدى هذا الاكتشاف إلى فحص مستمر لكيفية تغيير سلوكياته عند التعامل مع زملاء من مشارب مختلفة. وبعد سنوات قليلة، تحسنت طلاقته الثقافية في القيادة على نحو ملحوظ، وهو ما أثبتته نتائج المشاركة الكبيرة لفرقه العالمية. ولكن حتى في هذه الأيام، تعتبر هذه العملية عملية مستمرة تحتاج إلى تأمل ثابت وتعلُّم.

الممارسة: حافظ على حيادك عند ظهور صراع ما.

عندما تحدث صراعات نتيجة اختلافات ثقافية بينك وبين أحد أعضاء الفريق، فمن الأفضل تصفية الأجواء من خلال الحديث وجهاً لوجه. حدد موعد اجتماع فردي مع ذلك الشخص واسأل نفسك هذه الأسئلة قبل كل شيء، فهي ستساعدك على تحييد أي معتقدات ثقافية أو تحيز قد يؤثر على نهجك:

1) ما الذي قد يفكر به هذا الشخص؟ خذ بعين الاعتبار مشاعر الشخص ومخاوفه. وحاول أن تفهم المكان الذي أتى منه الموظف، ودور السياق الثقافي في الأمر. بهذا ستكون أكثر استعداداً للعمل للوصول إلى حل.

2) ما الطريقة الأفضل للتواصل معه؟ فكّر بشأن كيفية خلق بيئة يشعر بها زميلك بالراحة في الحديث حول الوضع. وقد يكون من المجدي التشاور مع وسيط أو مدرب خبير مسبقاً لمناقشة النهج الأفضل.

وخلال الاجتماع نفسه، ركّز على الاستماع بعمق إلى عضو الفريق، واستخدم الملاحظة غير المطلقة للأحكام. أوضح له أنك تريد العمل معه للوصول إلى حل، وفي النهاية، اجعل فريقك أكثر قوة. إذا لاحظت أن هذا الشخص يتجنب التعبير بصراحة عن رأيه في حضورك، على سبيل المثال، يمكنك أن تقول: "إنّ أفكارك خلال لقاءاتنا الفردية ممتازة. في المرة المقبلة التي نجتمع فيها كن على استعداد لمشاركة شيء مع المجموعة، حتى أستطيع إعطاءك الفرصة لعرض الإنجازات التي حققتها خلال عملك".

ويتعين عليك أيضاً أن تتقبل تغيير نمطك الخاص بالإدارة. ويمكن أن يساعدك طلب الآراء التقويمية من عضو الفريق. هل ثمة إجراءات عملية يمكنك اتخاذها أو تعديلات يمكنك القيام بها لتحظى باهتمامهم الكامل؟ يتمثل الهدف في إعطاء آراء تقويمية وتلقيها حول الطريقة الأفضل لإشراك الطرف الآخر.

وتذكر أن الطلاقة الثقافية، كغيرها من الكفاءات القيادية، هي عضلة يمكن تقويتها، ولكن لا يمكن بناؤها بين عشية وضحاها. إذا أردت أن تكسب قلوب الموظفين وعقولهم في إطار متعدد الثقافات، فالسر يكمن في بقائك متواضعاً، وفضولياً بشأن التعلم حول وجهات النظر المختلفة، ومستعداً لتكييف نهجك الخاص بالتواصل. عندها فقط يمكنك الاستفادة من القوة التي تستطيع الاختلافات الثقافية إضافتها إلى مؤسستك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!