أجريت في الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 360 محادثة افتراضية وشخصية وورشة عمل وندوة حول اللياقة العاطفية والرفاهة وتجنب الاحتراق الوظيفي. وحظيت بشرف العمل مع موظفين من جميع أنواع القطاعات، من ضمنهم أطباء كانوا يعملون في الخطوط الأمامية في أثناء جائحة كوفيد-19 وموظفين في شركات كبيرة وصغيرة ومؤسسات غير ربحية. وحظيت أيضاً بفرصة البقاء على اتصال مع العديد منهم، ما سمح لي بالتعرف على ممارسات اللياقة العاطفية التي كان لها أثر إيجابي في رفاهتهم.

توصلت إلى حقيقة مهمة خلال هذه التجربة: لتعزيز رفاهتك في العمل، لا تحتاج إلى تغييرات كبيرة، يكفي فقط أن تمارس إجراءات صغيرة بانتظام لتحدث فرقاً كبيراً.

للتوضيح: رفاهة الموظف هي قضية تنظيمية وليست مجرد قضية فردية، وهناك عدة عوامل تؤثر عليها، من ضمنها عبء العمل والمرونة ومديرك والثقافة داخل فريقك.

ولكن في حين أنه قد لا تكون لديك القدرة على تغيير مؤسستك أو مديرك في العمل، لديك بعض الإجراءات البسيطة المستندة إلى العلم يمكنك تنفيذها يومياً لتحسين رفاهتك ولياقتك العاطفية.

أعرّف شخصياً اللياقة العاطفية على أنها مهارة بناء علاقة داعمة أقوى مع نفسك وأفكارك وعواطفك ومع الآخرين. عندما تحسِّن لياقتك البدنية ستعزز قدرتك على التعامل مع المشكلات الجسدية، وبالمثل، عندما تحسن لياقتك العاطفية، فإنك تعزز قدرتك على التعامل مع التحديات العاطفية بأقل قدر من الجهد والتوتر والإرهاق.

فيما يلي 6 ممارسات بسيطة للياقة العاطفية لكنها فعالة جداً ويمكن أن تساعدك في إدارة التوتر بصورة أفضل وتحسين رفاهتك عموماً:

راجع نفسك يومياً

اسأل نفسك: كيف حالي اليوم؟ كيف أشعر؟ لا تحكم على إجاباتك أو تحاول إصلاح ما تشعر به على الفور. لاحظ مشاعرك فقط وأدركها.

تحدثت عن هذه الممارسة خلال كلمة رئيسية حديثة وجاءت امرأة شابة إليّ بعد ذلك لتقول إنها سمعتني أتحدث عنها من قبل،

قالت لي: “كنت أشعر بالاحتراق الوظيفي آنذاك. لم أكن متأكدة من أن ممارسة المراجعة اليومية تلك ستحقق أمراً ذا قيمة، لكنني قررت تجربتها، وذُهلت حين ساعدتني على التحسن. بدلاً من أن تستهلكني مشاعر التوتر أو الإرهاق، أصبحت أدركها وأشعر بمزيد من السيطرة”.

تدعم الأبحاث التجربة التي مرَّت بها هذه الشابة؛ تُظهر الدراسات أن الأشخاص الذين يمارسون الوعي العاطفي هم أكثر عرضة للإبلاغ عن رفاهة أكبر، فإدراك المشاعر الصعبة وفهمها يخفف حدتها ويمنحك فرصة لفعل شيء ما لدعم نفسك كي تشعر ببعض التحسن.

خذ بضع فترات راحة قصيرة ونوعية خلال اليوم

الجانب الأساسي هنا هو ضمان أن تكون هذه الاستراحات ذات جودة عالية، بعبارة أخرى، الانخراط في أنشطة تساعدك في الانفصال عن العمل تماماً وتجديد طاقتك، لكن انتبه: لا يُعد تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو قراءة الأخبار أو متابعة قائمة مهامك على سبيل المثال استراحة ذات جودة عالية.

يحتاج الدماغ البشري إلى أخذ استراحة كل 90 إلى 120 دقيقة ليعمل في أفضل حالاته ويتجنب تراكم التوتر والإرهاق. كشفت دراسة واسعة النطاق أجرتها مؤخراً شركة مايكروسوفت أن أخذ فترات راحة من 5 إلى 10 دقائق بين الاجتماعات يقلل إلى حد كبير التوتر والإرهاق المتراكمَين ويحسّن التركيز.

الطريقة التي أفضلها شخصياً للانفصال عن العمل خلال اليوم هي المشي مسافة قصيرة في الخارج. أظهرت عدة دراسات بحثية أن المشي يعزز الحالة المزاجية ويحسن التركيز والدافعية، ويقدم فوائد صحية متنوعة عند ممارسته باستمرار.

تدرّب على القبول كي تركز على الأمور التي يمكنك السيطرة عليها

يتضمن القبول خطوتين: أولاً، اعترف بالموقف بوضوح مع التركيز على الحقائق التي تدرك أنها صحيحة. ثانياً، حدد خطوة واحدة يمكنك اتخاذها وتساعدك في تحسين الموقف مع تقليل التوتر والجهد المبذول.

نميل غالباً إلى التقليل من مقدار الطاقة التي يستنزفها تركيزنا على المواقف المثيرة للقلق، في هذا الصدد، تساعدك ممارسة خطوتي القبول هاتين عندما تجد نفسك محاصراً في دوامة الأفكار السلبية في تركيز انتباهك على ما يمكنك السيطرة عليه واتخاذ إجراء مثمر مهما كان صغيراً. يمنح هذا الإنجاز البسيط عقلك إحساساً بالتقدم، وهو شعور إيجابي يحفزك غالباً على استكشاف خطوات مفيدة أخرى يمكنك اتخاذها.

أخبرتني إحدى النساء اللواتي شاركن في برنامجي للقيادة مؤخراً حيث تعلمت مهارة القبول أنها أصبحت المهارة الرئيسية التي تستخدمها خلال فترات التحديات المستمرة وعدم اليقين في العمل، تقول: “عندما يغمرني التوتر بسبب مواقف العمل أو العوامل الاقتصادية أو مشاكل الفريق، أتوقف قليلاً وآخذ نفساً عميقاً وأسأل نفسي ما الخطوة التي يمكنني اتخاذها للمضي قُدماً مع أخذ الظروف وما يقع في نطاق سيطرتي في الاعتبار. كان طرح هذا السؤال في الفريق مفيداً أيضاً لتركيزنا الجماعي وإدارة مستويات التوتر”.

أعطِ الأولوية للتفاعلات الصغيرة مع الزملاء

احرص على الترحيب بزملائك بحماس صادق عندما تتواصل معهم على الهاتف أو عندما تراهم أول مرة خلال اليوم. في الاجتماعات الافتراضية، حيث يوجد ميل إلى البدء ببرنامج الاجتماع على الفور، ابدأ بمطالبة الجميع بمشاركة شيء إيجابي مروا به خلال الأسبوع الذي مضى. احرص على التواصل مع زميل لمجرد إلقاء التحية عليه والسؤال عن أحواله دون تركيز محادثتك معه على العمل.

جعلتنا سنوات الجائحة نشتاق جميعاً إلى التواصل البشري، وكان لهذا الشوق تأثير سلبي على رفاهتنا. بصفتنا بشراً، لدينا حاجة متأصلة للتواصل، وتثبت الدراسات أن الدعم الاجتماعي والشعور بالارتباط يحسّنان الصحة العقلية ويخففان التوتر والقلق.

لذلك خذ زمام المبادرة وأنشئ تفاعلات يومية صغيرة للتواصل مع زملائك. لا يتطلب الأمر الكثير من الجهد أو الوقت، ولكنك ستشعر بالسعادة وستساعد زميلك على تخفيف شعوره بالوحدة.

مارس الامتنان لمواجهة التحيز السلبي لعقلك

إذا لم تكن لديك بالفعل ممارسة يومية للامتنان، يمكنك بدؤها ببساطة من خلال كتابة 3 أشياء تقدّرها كل صباح أو مساء على سبيل المثال.

تساعد عقلية الامتنان في تعزيز رفاهتك دائماً، لا سيّما خلال هذه الأوقات المضطربة. عدم اليقين مرهق جداً ويستنزف طاقتنا، إنه أصعب شيء يتعين على الدماغ البشري التعامل معه. عندما يواجه العقل حالة عدم اليقين، يركز على البحث عن خطر محتمل ويدخل في حالة “القتال أو الهرب” لحمايتك، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة القلق والتركيز على النتائج السلبية والسيناريوهات الأسوأ.

ولكن من خلال ممارسة الامتنان، تطلب من عقلك توسيع منظوره وتركيز انتباهه على الأشياء الإيجابية أو الهادفة أو المريحة في حياتك. لا يهدف ذلك إلى إنكار الصعوبات التي قد تواجهها، بل تذكير نفسك بأنها ليست كل شيء في حياتك، وسيعزز ذلك طاقتك العاطفية ويساعدك على تحسين مرونتك التي تعبّر عن قدرتك على التكيف بصورة إيجابية في مواجهة التحديات.

مارس الراحة النشطة خارج العمل

أخيراً، من المهم قضاء بعض الوقت خارج العمل للاستمتاع بأشياء تحبها. اقضِ بعض الوقت في ممارسة هوايتك المفضلة، أو خصص وقتاً للقراءة أو العناية بالحديقة. جرّب نشاطاً إبداعياً جديداً، مثل الرسم بالألوان المائية أو الكتابة. المهم أن تفعل شيئاً يغذي طاقتك وجوانب أخرى من شخصيتك بعيداً عن هويتك المتعلقة بالعمل فقط (على النقيض من ذلك، من المهم ملاحظة أن مشاهدة عروض نتفليكس لساعات مطولة مثلاً ليس راحة نشطة على الرغم من أن مشاهدة حلقة من برنامجك المفضل من وقت لآخر يُعد خياراً رائعاً).

بالنسبة لي، فقد اكتشفت متعة الرسم بعد تجربتي الخاصة مع الاحتراق الوظيفي، وأدت ممارسة هواية تسمح لي بالانفصال كلياً عن العمل وتعزز جانبي الإبداعي والفني إلى تحسين رفاهتي إلى حد كبير. تؤكد دراسة حديثة تمعنت في الاحتراق الوظيفي بين الممرضات ما تعلمته من تجربتي الشخصية؛ كانت الممرضات اللواتي يقضين وقتاً في الراحة النشطة عندما لا يعملن، من خلال الانخراط في الهوايات أو قضاء الوقت مع الأصدقاء أو العائلة، أقل عرضة للاحتراق الوظيفي من الممرضات اللواتي لم يحرصن على الانفصال عن العمل بعد انتهاء وردياتهن.

تذكَّر القول المأثور: “لا تحدد وظيفتك هويتك”. من الأهمية بمكان أن تتعمد الانخراط في أنشطة تستمتع بها خارج العمل، لاسيّما إذا كنت شغوفاً جداً بعملك. إذا أبدى عقلك المهووس بالإنتاجية أي مقاومة، فذكّر نفسك بأن الراحة النشطة هي استثمار أيضاً في قدرتك على تحقيق أداء أفضل في عملك فترة طويلة من الزمن.