يبدو أنّ استخدام علم البيانات للتنبؤ بكيفية تغيير الموظفين في الشركات ضرباً من الخيال. وكما كتبنا مؤخراً، ما تزال إدارة التغيير واحدة من المجالات القليلة التي لم تمسها الثورة القائمة على البيانات. ولكن، على الرغم من أننا ربما لن نُحيل إدارة التغيير إلى "علم عملي"، فإنّ بعض الشركات تستفيد بالفعل من الإمكانات التي تكفلها تلك التقنيات المسيرة بالبيانات.

ومن أبرز عوامل التمكين في هذا الصدد: تحليل حركة مرور رسائل البريد الإلكتروني وواصفات بيانات الروزنامة. إذ يطلعنا ذلك على الكثير بخصوص من يخاطب من، وفي أي الأقسام، ويساعدنا ذلك في التعرف على الاجتماعات الجارية وموضوعاتها ومدة انعقادها. وتعين هذه الأنواع من التحليلات شركة إرنست ويونغ (EY)، التي يعمل فيها بعضنا، باستخدام تحليلات محل العمل لشركة مايكروسوفت (Microsoft Workplace Analytics)، على مساعدة العملاء في التنبؤ بإمكانية الحفاظ على المواهب الرئيسة إثر عملية الاستحواذ على شركة أخرى، ووضع استراتيجيات لتعظيم الحفاظ على الموظفين إلى أقصى حد ممكن.

ويمكننا باستخدام بيانات رسائل البريد الإلكتروني والروزنامة أن نحدد الأنماط المتعلقة بالأشخاص الذين ينخرطون في العمل مع بعضهم البعض، وأي الأقسام في المؤسسة تتعرض لضغوط، وأي الأفراد أكثر نشاطاً ودأباً في تجاوز القيود التي تفرضها الشركة.

ومن المعلوم أنه ربما تكون هناك مجموعة مخاوف تتعلق بالخصوصية بشأن فحص رسائل البريد الإلكتروني لشخص ما وروزنامته حتى في سياق العمل. لكن، يمكنك أيضاً استخلاص رؤى متعمقة بالاستعانة بواصفات البيانات المجهولة المصدر، حيث تُزال أسماء الأشخاص والمحتوى المتعلق بهم.

ويمكن تحليل البيانات الوصفية لأفكار المحتوى وتواتر التواصل بين الأقسام، والربط بين هذه البيانات وبين مؤشرات أكثر تقليدية لفعالية العملية وزمن دورة العمل وإنجاز العمل على النحو السليم من أول مرة، وما إلى ذلك.

ثمة مثال مبكر مُستخلص من إعادة هيكلة مؤسسة كنا بصدد إنجازها. هذا النوع من المشروعات عادة ما تُحفزه رغبة في تحسين تنفيذ الاستراتيجية وتقليص التكاليف. ومن المتعارف عليه أنّ العنصر المالي فقط هو القابل للقياس، الأمر الذي يمكن أن يساعد بسهولة على صنع القرار.

بالنسبة لأحد عملاء شركة إرنست ويونغ، فإننا نستخدم علم البيانات لاتخاذ قرارات متعلقة بالتصميم المؤسسي من شأنها تسريع أهداف الاستراتيجية. وأراد العميل أن يزيد من التعاون فيما بين الأقسام، مثلاً بين قسم المبيعات وقسم تطوير المنتجات.

استخدمنا تحليلاً لبيانات بريد إلكتروني وروزنامة أخفي مصدرهما، للتنبؤ بما ينجم عن عدد التقارير المباشرة التي تصل إلى المدير وتأثيرها بقدرة بعض فرق العمل على التعاون. وساعدنا ذلك على تعظيم تصميم العمل بغية تحقيق النتيجة التي ينشدها العميل.

وتكمن إمكانات هذه التقنيات في تغيير الطرق التي يتفاعل بها المدراء مع الموظفين. واليوم، إنّ أغلب المدراء يبذلون قصارى جهدهم لإشراك الموظفين وتحفيزهم.

ومع ذلك، يتعين علينا انتظار "المحفزات الرسمية" قبل أن نتمكن من الاستجابة، كاستطلاع آراء الموظفين أو اجتماع فردي مع المدير. كما يسمح لنا تحليل نشاط حركة مرور البريد الإلكتروني بالتدخل أسرع بكثير واكتشاف ما إذا كان ما ننجزه يُجدي نفعاً أم لا.

كما يمكن أن يُصبح ذلك أشبه بـ"تحليل لمشاعر الموظفين في الزمن الحقيقي"، ومن شأنه إحداث ثورة في جودة الرؤى المتاحة لدى المدراء ليتصرفوا فيها كما أرادوا.

لننظر (على سبيل المثال) إلى الأمر التنفيذي الأخير الذي أصدرته الولايات المتحدة الأميركية وفرض حظر سفر على سبع دول مسلمة. كان ذلك مصدر قلق كبير للعديد من شركات التقنية التي لديها عدداً كبيراً من الموظفين من حملة تأشيرة (H1-B) للعمالة الماهرة المنتمين إلى الدول المعنية بالحظر وإلى الدول المجاورة لها في آسيا والشرق الأوسط. لو كانت الشركات تستخدم حلاً يعمل بالذكاء الاصطناعي ويقدم رؤى في الزمن الحقيقي، لكان بوسعها مراقبة مستوى القلق في المؤسسة، بل وربما استطاعت التنبؤ بأنواع الهموم التي تشغل بال الموظفين.

كثير من أرباب الأعمال يعقدون جلسات للحوار مع موظفيهم للإجابة عن بعض الأسئلة والتعامل مع أسباب قلقهم. إنّ الدليل الوحيد الذي بحوزتنا على أثر تلك الجلسات دليل سردي. وفي ظل وجود نظام لرصد "مشاعر الموظفين في الزمن الحقيقي"، سيكون بوسعنا التخمين بدقة والاستجابة وفقاً لتخميناتنا، وقياس أثر تلك الاستجابات.

سنكون دوماً بحاجة إلى مدراء خبراء بالتغيير لتفسير هذه البيانات وتصميم الطرق السليمة للعمل مع الموظفين أثناء فترة التحول أو خلال الأحداث الطارئة الخارجية، كحظر السفر.

يتمثل ما تستطيع أدوات علم البيانات أن تنجزه بأن تجعل استجاباتنا أسرع وأكثر تركيزاً على الهدف، وأن تطلعنا على ما كان مجدياً بطريقة أسرع وأكثر موثوقية وأقل تدخلاً مما كان بالإمكان إنجازه من قبل.

استغرق الأمر ثلاثة أسابيع فقط في إعادة الهيكلة للمؤسسة المشار إليها أعلاه، وذلك، لتحليل بيانات سلوكية لعام كامل، على أن يتم إلحاق هذا التحليل بتصميم العمليات المستقبلية والهيكل المستقبلي.

لو عدنا إلى الماضي، لكنا عوّلنا على التقنيات التدخلية، كالمقابلات الشخصية واستطلاعات آراء الموظفين، والتي لا تستغرق وقتاً طويلاً وحسب، بل تنطوي على كل أشكال التحيز المحتملة أيضاً. ونصيحتنا لمدير التغيير المستقبلي أن يجعل من البيانات رفيقاً له، وألا يبادر قط بإعادة التنظيم من دونها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!