تابعنا على لينكد إن

سوزانا جالاني

ما الذي يحفز الناس على تغيير طريقة عملهم؟ عندما تضع المنظمات إجراءات أو أنظمة جديدة، أو عندما تسعى لتحفيز أداء مرتبط بممارسات محددة تراها تلجأ عادة لحشد فرق عمل مكرسة للمهمة، فتُوكل لها أهدافاً محددة وتحدد أوقات التسليم المتوقعة والمكافآت المالية.

لكن حالما تنتهي المبادرة وتصبح المكافأة في الجيب، يطفو السؤال المعتاد على السطح دوماً: هل ستبقى الممارسات، أم أن الناس سيعودون إلى طرق العمل القديمة؟ في دراسة أُجريت مؤخراً في مستشفى كاليفورنيا، وجدتُ أن ذلك النوع من المبادرات مهم. وقد وجدت على وجه التحديد أنّ تأثير ضغط الزملاء أكبر بكثير من تأثير المال.

في الدراسة، وهي حالياً ورقة عمل، استخدمتُ بيانات المستشفى حول نظافة اليدين لدراسة تأثير تدخل مؤقت على استمرار تحسينات الأداء على فترة تمتد لأبعد من فترة المبادرة. في المشافي، يُتوقع من العاملين تعقيم أيديهم في كل مرة يدخلون أو يخرجون فيها من مكان فيه تواصل مع مريض. هذا التنظيف عنصر مهم في منع الإصابة لدرجة أن المشافي مطالبة بقياس أدائها والإبلاغ عنه إلى مركز العناية والرعاية الطبية (Center for Medicare and Medicaid Services). ومع ذلك يشتكي الكثير من ضباط الوقاية من الإصابة من أنّ أداء تنظيف اليدين في المشافي التي يعملون فيها غير كاف. وفي حين حققت حملات التوعية والمراقبة الإلكترونية درجات مختلفة من النجاح في جعل الأشخاص يعقمون أيديهم، إلا أنّ هذه التجارب لم تبيّن ما إذا كانت فعاليتها ستستمر إلى ما بعد انتهاء فترة الدخل. لهذا أردت في دراستي أن أكتشف ما إذا كان الأداء المحسّن سيلتصق ليصبح عادة.

في مستشفى كاليفورنيا، أُطلقت مبادرة تحسين نظافة اليدين لفترة 90 يوماً، يحصل في نهايتها العاملون في المستشفى، شريطة تحقيقهم للأداء المستهدف، على مكافأة لمرة واحدة قدرها 1,200 دولار أمريكي. أوضحت الاتصالات المتعلقة بالمبادرة بشكل لا لبس فيه أن المكافأة كانت لمرة واحدة فقط. كما لم تطرأ أي تغييرات على طريقة تقييم نظافة اليدين؛ فبحسب الدليل الذي تنشره اللجنة المشتركة (The Joint Commission) وهي منظمة غير ربحية تمنح الاعتماد الصحي والشهادات، يقوم موظفون سريون في المستشفى بمراقبة ورفع تقارير حول نظافة اليدين. كان التغيير الوحيد المرئي للعاملين هو إصدار تقرير نصف أسبوعي حول التطور المحقق (قبل المبادرة، كان أداء نظافة اليدين يُدرج في التقرير مع العديد من المعايير الأخرى المرتبطة بنشاطات منع الإصابة، وذلك ضمن بطاقة نتائج ربع سنوية). بعبارة أخرى، في حين أن الهدف المحدد والحافز المالي كانا جديدين وكذلك وتكرار التقييم، إلا أن المعلومات حول تأثيرات تجاهل غسل اليدين وطريقة مراقبة الأداء التي أصبح الموظفون على اطلاع عليها لم يكن فيها جديد.

بما أنّ أداء تنظيف اليدين كان يتم قياسه والإبلاغ عنه على مستوى المنظمة، فإن كل شخص في المستشفى كان مسؤولاً عن المساهمة في نتائج الحملة. لأنّ قانون كاليفورنيا يمنع الأطباء من أن يكونوا موظفين في المستشفى (بعكس مثلاً الممرضين أو التقنيين) فقد عنى ذلك أن أداءهم في تنظيف اليدين مساهم في تحقيق الهدف الأوسع للمستشفى لكنه لا يؤهلهم للحصول على مكافأة الأداء.
لذلك صمم الموظفون طرقاً عديدة مبتكرة للضغط على الأطباء، ولو بصورة غير رسمية وغير نقدية. من هذا مثلاً أن تكتب أسماء الأطباء الذين يُبدون ممارسات جيدة من ناحية تنظيف اليدين على بطاقات ورقية لها شكل اليد وتلصق على الحائط. أو أن يُرسل رئيس شؤون التمريض إلى الأطباء “ملاحظات محبة”: وهي رسائل بالبريد الإلكتروني تحتفل بالأداء الجيد، أو رسائل صارمة، لكن لبقة، تذكرهم بأهمية التعاون لتحقيق الهدف الجماعي، وذلك بحسب ما يظهره الطبيب من سلوك.

في نهاية الفترة، قارننا بيانات نظافة اليدين من ربع السنة التي سبقت التدخل مع ربعي السنة اللذين أعقبا التدخل بعد دفع مكافأة المرة واحدة. وجدنا، وسطياً، أنَّ أداء الموظفين المؤهلين للحصول على مكافأة قد تحسن خلال فترة التسعين يوماً من عمر المبادرة، لكنه بدأ بعدها يتهاوى عائداً إلى مستويات منخفضة أو أسوأ مما كان عليه قبل المبادرة. من ناحية أخرى، أظهر الأطباء خلال التسعين يوماً تحسنا تدريجياً مقارنة بباقي الموظفين، لكنهم حافظوا على أداء أفضل بشكل واضح خلال باقي فترة المعاينة. بعبارة أخرى، صحيح أن الحوافز المالية ولدت تحسناً أكثر وضوحاً، إلا أنه لم يستمر إلا لفترة قصيرة. أما تقنيات ضغط الزملاء فقد ولّدت من جهتها تغيراً في المنظمة استمر إلى ما بعد رفع الحافز.

تعيد هذه الاكتشافات طرح أحد المشاكل الأساسية المرتبطة بالمكافآت المالية التي تفشل أحياناً في إنجاز أهدافها. يشير الأكاديميون إلى هذه الظاهرة باسم تأثير الإقصاء الذي تمارسه الحوافز الصريحة على التحفيز الغريزي. بكلمات أخرى، يؤدي ربط قيمة اقتصادية بنشاط معين إلى تغيير في طبيعة التبادل. إن كان موظفو الرعاية الصحية يعقمون أيديهم لأن ذلك في صالح المريض (وصالحهم)، فإن تقديم مكافأة مالية قد يغير التحفيز إلى تبادل تعاقدي يقوم على تنظيف اليدين مقابل المال.

يترتب على هذا التغير أثران. أولاً، قد تكون القيمة الاقتصادية التي يتم الإبلاغ عنها بواسطة مبلغ المكافأة أقل مما في تقدير ذلك الشخص، وهو ما قد يجعلها لا تستحق بذل جهد منه أو يقلل من أولويتها عندما تتنافس مع نشاطات أخرى على وقته. ثانياً، يخلق التغيير في طبيعة التبادل توقعاً تعاقدياً، يؤدي على إثره غياب المزيد من الدفعات إلى تبرير التوقف عن القيام بالسلوك. وسواء كانت الحوافز المالية تجهض السلوكيات المرغوبة برمتها أو أنها تقلل ببساطة من احتمالية استمرار النشاط إلى ما يتجاوز المكافأة المالية فإن على المدراء أخذ الاحتمالين بالحسبان عند تقييم المخاطر المتعلقة بتقديم مبادرة تحسين أداء.

لا يعني هذا أن على المدراء تجنب الحوافز المالية. فحتى لو لم يستمر التعقيم لدى بعض الموظفين المؤهلين للمكافأة إلا أنّ وجود الحافز المالي ساعد في توليد ضغط الأقران الذي تعرض له الأطباء والذي أدى إلى نجاح استمر لفترة أطول. بالإضافة لهذا، قد يبدي بعض الأفراد رد فعل أكثر إيجابية من غيرهم تجاه الحافز المالي. في دراستي مثلاً، أرى احتمال أن يستمر العاملون الذين حققوا أكبر تحسن في الأداء خلال مبادرة التسعين يوماً بالتقيد بنظافة اليدين لما بعد تلك الفترة أكبر من احتمال نظرائهم الذين ظل أداؤهم كما هو أو أصبح أسوأ خلال نفس الفترة. يمكن للمدراء استخدام التجاوب المبدئي لموظفين معينين مع الحوافز كمنبئ بتأثيرات التدخل على المدى البعيد بما يسمح لهم بتوفير مبادرات إضافية تستهدف من يكون احتمال أن يستمروا بالسلوك المرغوب أقل.

مع أن هذه الدراسة تركز على أداء نظافة اليدين في المستشفى، إلا أن نتائجي تنطبق على مجموعة أوسع من الظروف. حيث تعتبر المبادرات المؤقتة وبرامج المكافآت التي تدفع لمرة واحدة شائعة في العديد من الصناعات، ومنها مثلاً تنفيذ أنظمة معلومات جديدة، والتقيد بمتطلبات تنظيمية أو بروتوكولات سلامة جديدة، وتبني تقنيات جديدة. في الكثير من الحالات، تتوقع الإدارة من السلوك القائم على الحوافز أن يستمر، لكن من الحكمة أكثر فهم متى ولماذا يحصل فعلاً.

سوزان جالاني، بروفسورة مساعدة في كلية هارفارد للأعمال، تدرس التقارير المالية والسيطرة. تركز بحوثها على القضايا المتعلقة بالتصميم وفعالية الحوافز من الناحية الربحية وغير الربحية. قبل البدء بالعمل على شهادة الدكتوارة، شغلت البروفسور جالاني مدير أول في هوني ويل (Honeywell). يمكن متابعتها في تويتر على @sgallani

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz