تابعنا على لينكد إن

بالنسبة للقادة الذين يتقلدون للمرة الأولى منصب الرئيس التنفيذي، يمكن أن يٌترجم تخصيص الوقت للتعلم والتفكير  إلى سلسلة من النجاحات. لكن المشكلة هي قلة الوقت، سواء للتعلم أو التفكير، فاستحضار المعلومات في أذهانهم عملية سريعة، والوقت مطلب يحتاجه عدد أكبر من الناس مقارنة بأي وقت مضى، ويُقال لهم أنّ عدداً لا يحصى من القرارات مكدسة أمامهم وكلها مهمة.

وإذا عُيّن الرئيس التنفيذي من خارج المؤسسة، عليه التعود على ثقافة جديدة، كما أنّ الرؤية ليست واضحة بشأن اختيار أهل الثقة. حتى وإن كانت الترقية داخل شركته، ربما يكون الطريق غير ممهد والرحلة محفوفة بالمزالق، مقارنة بإدارة قسم من أقسام الشركة ذاتها. وفي كلتا الحالتين، يتعين على أي قائد جديد التعامل مع كثافة الظهور العام (يدرك كبار الرؤساء مع الوقت مدى قلة الأماكن التي يمكنهم الهروب إليها) والتوقعات غير الواقعية (سواء ما يطلبونه من أنفسهم أو ما يطلبه الآخرون منهم).

وما من شيء بوسع القادة الجدد عمله لتجنب هذه المشاكل، وكل ما يمكنهم التحكم فيه هو ردود أفعالهم حيالها. ولأننا غالباً ما نرتكب الأخطاء عندما تتسارع وتيرة الأشياء، خاصة في المجالات غير المعروفة لنا، يُحدث البحث عن طرق لإبطاء الإيقاع كل الفرق.

أشار الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال إلى أنّ “كل المشاكل الإنسانية تحدث من عدم قدرة الإنسان على الجلوس بهدوء في غرفة لا يشاركه فيها أحد”. ولم يكن يعني أن تجلس بهدوء أمام الحاسوب المحمول للرد على الرسائل الإلكترونية. إذ أنّ أفضل طرق التفكير نصل إليها بالتأمل المنظّم، وأفضل طريقة لعمل ذلك هي المداومة على تدوين اليوميات الشخصية.

بدأت في تدوين يومياتي عندما أُسندت إليّ إدارة بيت من بيوت الخبرة في بحوث التصنيع والبرمجيات والاستشارات. كان سني صغيراً للغاية آنذاك، وكنّا نواجه أزمة سوق مليء بالتحديات، ولم أكن واثقاً من يمكنني الاعتماد عليه. وواظبت على تدوين يومياتي خلال سنوات عملي رئيساً لمجلس الإدارة ورئيسياً تنفيذياً لمدة 12 سنة، ومنذ ذلك الحين وأنا أوصي بها الأشخاص الذين يترقون إلى مناصب عليا للمرة الأولى.

تشير أدلة قوية إلى أنّ إعادة سرد الأحداث في ذهننا عملية ضرورية للتعلم. وفي حين يسجل ويحفظ المخ ما يحدث في التو واللحظة، فإن التعلم من الوقائع التي يعاصرها الإنسان، أي تحديد ما كان مهماً وما يجب تعلمه من دروس، يحدث بعد الواقعة، في أوقات التأمل الهادئ.

ويمكننا الوصول إلى حلول مبتكرة للمشكلات التي تبدو مستعصية علينا، وذلك عندما نبطء من وتيرة الأشياء ونسمح لأنفسنا بالتأمل. ولنأخذ مثال أسلوب استعملته في السابق يسمّى “أسلوب الحل الثاني”. حينما كانت مجموعة من العمل تجد مشقة للوصول إلى خيارات لحل مشكلة صعبة، كنا ندير جلسة عصف ذهني لتحديد قائمة الحلول الممكنة. وقبل الانتقال إلى وضع الأولويات، وتحديد البنود، وما إلى ذلك، نحاول الوقوف على كل الخيارات الممكنة. وقد وجدت أنّ أفضل الطرق هي الطلب من المجموعة الانصراف في استراحة قصيرة، والقيام بسؤالها عندما تعاود الاجتماع “ما الأفكار الأُخرى التي طرأت على البال؟”، وكانت نتيجة هذا السؤال البسيط بلا شك زيادة في البنود المقترحة بنسبة تقارب 50%، بل وغالباً أعلى جودة من المقترحات السابقة. ولاحظت بالتجربة أنّ الاستراحة التي تخللت الجلستين الأولى والثانية كانت أكثر أهمية من السؤال. لذا فإنّ تدوين اليوميات طريقة من الطرق الفعالة التي تتسم بالكفاءة والخصوصية للتوقف عن العمل وأخذ قسط من الراحة على غرار المثال السابق.

ويجب ألا تقتصر الأشياء التي ندونها في اليوميات على تسجيل ما حدث وحسب، بل أيضاً على طريقة ردودنا الانفعالية، حيث يصاحب عملية تدوينها إزاحة الظلال المعتمة عن الأشياء، فنستوضحها ونراها في سياقها وحدود أهميتها. في بعض الحالات، يُعتبر التدوين شكلاً من أشكال التدريب الذهني للإعداد لقضايا حساسة تحديداً، وذلك، عندما لا تجد من تتحدث معه سوى نفسك. كما تكون اليوميات أفضل طريقة للتفكير في كل الجوانب المتعلقة باتخاذ قرارات جريئة، ولاختبار منطقنا الشخصي.

وعلى الرغم من اختلاف النهج المتّبعة باختلاف الشخصيات والأساليب والمواقف، فقد ثبتت فائدة وضع بعض الخطوط الإرشادية للوصول إلى أفضل النتائج. إذ يجب تسجيل ملاحظاتنا حول أي واقعة نود استخلاص الدروس منها في أسرع وقت، وحبذا لو كان في اليوم نفسه، لأنّ إرجاء تسجيلها أكثر من 24 ساعة يبدو تخلّياً عن التفاصيل الدقيقة التي أحدثت كل الفرق وتخلّياً عن معرفة أسباب وقوعها.

ويجب أن يبدأ تسجيل أي واقعة بذكر النتيجة الأولية، أي العنوان الذي يبرز النتيجة الرئيسية. والخطوة التالية هي سرد قائمة الأسباب الجوهرية التي أدت إلى تلك النتيجة، حيث يظهر السبب الجوهري غير البديهي في أحيان كثيرة عندما نسأل “لماذا؟” خمس مرات للكشف عمّا تحجبه كل طبقة، إضافة إلى سبر أغوار المسألة. (أتذكر عندما استعرضت يومياتي في إحدى المرات، وأدركت أنّ العديد من القرارات الجريئة اتُّخذت بطرح السؤال الصائب في النقطة الصحيحة خلال المناقشات مع المرؤوسين. وكانت ملاحظاتي لحسن الحظ وافية بالتفاصيل التي أظهرت أنّ نفس المرؤوس كان يطرح السؤال الصائب في كل مرة، فبدأت أستمع إليه عن قرب أكثر). أما الخطوة الثالثة فهي أن تتذكر الانفعالات التي أثرت على اتخاذ القرار وما العوامل التي استثارتها. والخطوة الأخيرة هي تحديد ما يمكنك تعلمه من التجربة برمتها، وما يمكنك عمله بطريقة مختلقة في المرة القادمة.

سيختار الكثير منا تدوين يومياته على جهاز الكمبيوتر أو الآيباد الخاص به. وعلى الرغم مما يحققه ذلك من كفاءة أعلى، لكن الهدف من مداومة تدوين اليوميات ليست الكفاءة، إنما التأمل وإبطاء وتيرة الأشياء كي نستفيد من عملية التعلم أعلى استفادة. لذلك تكون الكتابة اليدوية أفضل الطرق. قال الروائي بول ثيرو إنه يستعمل يديه في الكتابة لأن على حد قوله: “السرعة التي يكتب بها باستعمال القلم تبدو نفس السرعة التي يستطيع بها خياله التفكير في أفضل ما يمكنه التعبير به من كلمات”. وأشار إلى مقال منشور في مجلة نيوزويك عام 2011، حيث يقول: “تبيِّن مسوح المخ أنّ الكتابة اليدوية توظّف أجزاء في المخ أكثر من الكتابة بالطباعة و يسهل أن تتذكر ما تكتبه على ورق”.

بوجود كل هذه المنافع الهائلة من تدوين اليوميات، فما السبب في قلة عدد القادة الذين يفعلون ذلك؟،

يتمثل السبب بأنها تستغرق الوقت، وهو أثمن الأشياء قيمة. ولأن تدوين اليوميات يتطلب التأمل، فمن الأفضل الكتابة في أوقات هادئة، وهي عملة نادرة لدى أي قائد.

وأحياناً يتطلب تدوين اليوميات إلى تذكر مواثق نود نسيانها. فمهما كان التدوين خطوة ضرورية في عملية التعلم، ربما يصاحبه شعور مؤلم.

ولما كان الكثير من القادة يفضلون الانتقال السريع إلى التحدي التالي، فلا يحتل التأمل مكانة مهمة على قائمة الأشياء التي يستمتعون بأدائها، أو التي يتمتعون بخبرة كبيرة فيها.

ويجب أن نمنح أنفسنا الوقت لنتقن أفضل طريقة لاستعمالها، شأنها في ذلك شأن أي أداة أُخرى. فالمنهجية المقدّمة هنا لم تتشكّل في التو واللحظة، إنما تطلبت مرات عديدة من التجربة والخطأ.

وتُعتبر هذه العيوب هيّنة مقارنة بالمزايا. إذ يؤدي إبطاء وتيرة الأِشياء إلى تفكير أشمل، وحكم أكثر فعالية، وتعلم ما يجب الاستزادة من عمله وما يجب تغييره. وإحدى النتائج، التي تتساوى أهميتها بأي نتيجة أُخرى، هي ارتفاع مستوى الرضا الذي نشعر به عندما نكون متحكمين في أمورنا. ومن ثم، فإنّ تدوين اليوميات الشخصية يجب أن يكون جزءاً من الأدوات التي يستعين بها أي قائد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz