تابعنا على لينكد إن

قبل بضع سنوات، وعندما كنتُ أجري مقابلة لشغل وظيفة نائبة المحرر في “هارفارد بزنس ريفيو”، كنت أعتقد بأنّني قد حضّرت نفسي بمنتهى التأنّي لذلك اليوم المليء بالمقابلات. فقد أرسلت ثوبي المفضّل إلى المصبغة ليكون جاهزاً في اليوم الموعود. كما أخذت ابنتي الأكبر سنّاً (والتي كانت تعاني من اضطرابات شديدة في النوم) إلى بيت أهلي بحيث يمكنني أن أنام ملء جفوني ليلتها. لا بل أنني قمت برحلة تجريبية في السيارة إلى مكان المقابلة في يوم الأحد الذي يسبق إجراء المقابلة. لقد كنت جاهزة لأي شيء.

أو هذا ما كنت أعتقده. ففي الليلة التي سبقت المقابلة، بدأت ابنتي الأصغر سناً، وهي التي تنام قريرة العين عادة، بالصراخ والبكاء المتواصلين فقد كانت أسنانها آخذة بالظهور. وفي الصباح وبعد أن استيقظت وأنا نصف نائمة من التعب، أحدثت ثقباً عن طريق الخطأ في ثوبي وأنا أحاول أن أزيل الغطاء البلاستيكي الذي وضعته المصبغة على الثوب. وبعد أن ارتديت ثوبي الثاني المفضّل، خرجت من بيتي وتوجّهت إلى المكان المقصود وأنا أحمل تعليمات الوصول إليه على ورقة (لقد حصل ذلك قبل عصر تطبيقات (GPS) لتحديد الموقع!). ولكن لسوء حظّي، فقد أوصلتني الخارطة إلى طريق مزدحم مرورياً وهو أمر لم أواجهه في رحلتي التجريبية يوم الأحد. وبعد أن علقت في الزحمة الخانقة، وصلت إلى المقابلة متأخّرة نصف ساعة كاملة – وكنت أشعر بلوعة كبيرة وحقيقية جرّاء سلسلة النكسات التي حصلت معي.

اليوم وعندما أستذكر ما حدث، أستطيع أن أضحك عليه (وتحديداً بما أنني قد حصلت على الوظيفة)، لكنني أدرك أيضاً بأنني كنت قد ركّزت على كل الأشياء الخاطئة: لقد انصبّ تركيزي على الأمور اللوجستية والتفاصيل، عوضاً عن الجوهر. وهذا الخطأ كان يمكن بكل بساطة أن يكلّفني واحدة من أبرز الفرص الوظيفية أهمية في حياتي المهنية.

يُعتبر شعور المرء بالتوتّر قبيل مقابلات العمل أمراً مسلّماً به بالنسبة لمعظمنا. وغالباً ما نزيد من صعوبة هذا الأمر على نفسنا بما أننا نذهب إلى مواجهة هذه اللحظات الحاسمة بالقليل من التحضير والاستعداد فقط. “حتى الأشخاص الأذكياء نسبياً لا يحضّرون جيّداً للمقابلات،” يقول جون ليز، مؤلف كتاب “خبير المقابلات: كيف تحصل على الوظيفة التي تريدها”. عوضاً عن ذلك، نحن نذهب دون أي تحضير مسبق، وهذا يجعلنا في نهاية المطاف نشعر بالقلق والتوتّر في ذات اللحظة التي نحاول أن نترك فيها انطباعاً جيّداً لدى الآخرين. وكما يوضح ليز: “هناك ارتباط وثيق بين العصبية وضعف الأداء”.

وبالتالي، كيف تتعامل مع مقابلة العمل، هذا الحدث العظيم، بما يستحقّه من التحضير المناسب؟

“حضّر نفسك بطريقة شاملة، حتى لو كانت هذه التحضيرات أكثر ممّا هو ضروري بنظرك،” ينصحك ليز. فقد تكون شخصاً مؤهلاً تماماً ويمتلك كفاءات مثالية على الورق، لكن تقديمك لنفسك بأبهى حللك في غرفة إجراء المقابلات – أي بوصفك شخصاً مُفعماً بالطاقة وهادئ الأعصاب ومن السهل العمل معه – هو نوع من الأداء الذي تحتاج إلى التدرّب عليه مسبقاً. وفيما يلي بعض النصائح التي يقدّمها لك ليز حول كيفية التعامل مع التوتّر المصاحب لمقابلات العمل:

حاول رسم السيناريو الحقيقي لما سيحصل في المقابلة. معظم الأسئلة التي تُطرح في المقابلات هي من النوع الذي يمكن التنبؤ به مسبقاً، على حدّ رأي ليز. بوسعك أن تضع قائمة بـ 10 إلى 12 موضوعاً سوف تُسأل عنها. “لماذا يجب أن نوظفك؟” “لماذا تُعتبرُ شخصاً مناسباً لشغل هذا المنصب تحديداً”؟ “نلاحظ وجود بعض الفجوات في سيرتك الذاتية…” وهكذا دواليك. حاول أن تتدرّب على الإجابة عن هذه الأسئلة بصوت مرتفع. فلا يكفي أن تفكّر في الإجابات التقريبية التي ستقدّمها، حيث أنّ ليز يطلق على ذلك تعبير “التحضير المزيّف”. أجب عن تلك الأسئلة بشكل فعلي. فالأمر بنظر ليز هو عبارة عن “بناء تفاصيل القصّة التي سترويها عن نفسك” بحيث تكون لديك إجابات في متناول يدك، فهذا الأمر يحرّر ذهنك ويمنحك الفرصة لتكون أكثر حضوراً في الغرفة أثناء إجراء المقابلة. كما أنّ ذلك سيساعدك على الأغلب في تقديم إجابات أكثر إيجابية وبلاغة، وأنسب للأسئلة. وتذكّر بأنّ الشخص الذي يجري المقابلة يحتاج إلى أن يعرف كمية معيّنة من المعلومات عنك خلال فترة زمنية قصيرة جدّاً. فإذا ما تلعثمت في الإجابة عن سؤال أو سؤالين، فإنك قد تستهلاك كلّ الوقت المتاح لك، وقد تبدو في نظر من يجري المقابلة شخصاً مملاً وتائهاً.

حضّر نفسك للأسئلة التي ترغب في تحاشيها. إذا كان هناك بند أو تفصيل معيّن في سيرتك الذاتية ولا ترغب في تسليط الضوء عليه، فهناك احتمال على الأغلب بأن يكون لدى من يجري المقابلة الفضول ليسألك عنه. وستكون لديك فرصة أفضل للانتقال بسرعة بعيداً عن الموضوع إذا تدرّبت على الإجابة مسبقاً. هنا ينصحك ليز بأن تبقي الإجابة قصيرة وذات نبرة متفائلة. لنفترض مثلاً أنك كنت قد سُرِّحت من وظيفة سابقة. بوسعك أن تقول شيئاً من قبيل: “كما هو حال مئات الناس، جرى تسريحي عندما تمّ تقليص حجم الشركة. لكنّ ذلك منحني الفرصة لكي أراجع المهارات التي كوّنتها وصقلتها وتحديد مجالات جديدة للنمو.” حاول أن تنقل الإجابة من الماضي إلى الحاضر وحافظ على الطابع المريح للمحادثة.

إذا طُرِحَ عليك سؤال مفاجئ، خذ دقيقة من الوقت لكي تفكّر في كيفية الإجابة عنه. فالأشخاص الانطوائيون، بحسب ليز، بحاجة دائماً إلى بعض الوقت لكي يستوعبوا السؤال. ويمكنك كسب بعض الوقت من خلال إعادة تلخيص السؤال أو صياغته بطريقتك. كأن تقول: “هذا سؤال وجيه فعلاً. وعندما سأجيب عنه سوف أتطرّق إلى…..” فأسوأ شيء يمكن أن يبدر منك هو أن تبدو وكأنّك شخص محبط أو أن تتصرّف كشخص محبط. فهذا قد يوحي بأنك موظف غير كفوء. وإذا كنت مضطراً إلى أخذ بعض الوقت، بوسعك أن تقول لمن يجري المقابلة معك: “دعني أفكّر في الإجابة للحظات من فضلك…” وبعد ذلك لا تبدأ بالإجابة إلا عندما تكون جاهزاً.

تأكّد من أنّك تصغي فعلياً إلى محدّثك. عندما يكون الناس متوتّرين، فإنهم يميلون إلى التركيز على أنفسهم، وعلى ما يقولونه، وعلى الطريقة التي يجيبون بها عن الأسئلة. لكن القلق يمكن أن يشكّل عائقاً يمنعك من الإصغاء، أو يجعلك تفوّت أمراً حيوياً نطق به من يجري المقابلة معك قبل لحظات. حاول أن تبطئ من وتيرة حديثك من خلال أخذ نفس عميق وبطيء، ومن خلال التركيز على الكلمات التي يقولها من يجري المقابلة، وليس على ما يدور في خلدك من أفكار. إذا كان السؤال معقّداً، فلا بأس في إعادته ومن ثمّ طرح السؤال التالي: “هل فهمت سؤالك بشكل صحيح؟” قبل أن تبدأ بالإجابة.

تظاهر بأنّ لديك مكالمة هامّة لتعطي نفسك استراحة. كنت قد تلقيت سابقاً نصيحة عظيمة من أحد مدرائي السابقين. إذا كان الجدول الزمني لمقابلة العمل يفترض أنك ستُجري سلسلة من المقابلات المتلاحقة، فيمكنك أن تخبر الشخص المعني سلفاً بأن هناك مكالمة هاتفية متعدّدة الأطراف ومن الضروري لك أن تشارك فيها، وأن تسأله إذا كانت هناك غرفة جانبية مغلقة يمكنك أن تجلس فيها لإجراء تلك المكالمة. فهذا الأمر سيمنحك استراحة قصيرة تعفيك من التوتّر المستمر الناجم عن الدخول في سلسلة متتابعة من المقابلات التي لا يفصل بينها فاصل. وتُعتبرُ هذه الخدعة مفيدة تحديداً للأشخاص الانطوائيين، لكنها قد تكون مفيدة أيضاً لأي شخص يشعر بالإنهاك جرّاء قائمة طويلة من المقابلات (ومن أصلاً لن يشعر بهكذا معاناة؟)

حدّد سلفاً الأسئلة التي ستطرحها أنت. تعلم بأنك ستسأل خلال المقابلة فيما إذا كان لديك أي أسئلة توجهها إلى من يجري المقابلة. “كلا” هي الإجابة الخاطئة دائماً. حاول أن تجهّز سؤالاً أو سؤالين جيدين حول مستقبل الشركة أو حول دورك المستقبلي الذي تجري مقابلة بخصوصه.

اطلب من أحد أصدقائك الموثوقين أن يجري مقابلة تجريبية معك – وسجّلها بكاميرا فيديو. إذا كان هناك شخص ما في حياتك يمتلك خبرة عملية حقيقية في مجال إجراء مقابلات العمل، اطلب منه أن يساعدك في التدرّب على إجراء المقابلة. لكنكما أنتما الاثنان يجب أن تأخذا الأمر على محمل الجد، فهذا تدريب عملي عظيم. ويقترح ليز تسجيل المقابلة بواسطة كاميرا فيديو (ربما قد يكون كافياً أن تسجّل المقابلة باستعمال كاميرا هاتفك الذكي) ثم شاهد التسجيل مع إخفاء الصوت. فلغة الجسد قد تكون مكوّناً أساسياً في مقابلتك “وسوف ترى الطريقة التي تعرض نفسك بها في المقابلة،” يقول ليز. وإذا ما تدرّبت قليلاً، فقد يمنحك ذلك الفرصة لكي تراقب رسائلك غير الملفوظة وحركات جسدك، وتصحّحها قبل أن تكون جالساً قبالة من يجري المقابلة في اليوم الحاسم.

من الطبيعي أن يشعر المرء بالتوتر، لكن لا تحاول تجاهل حالة العصبية الشديدة التي قد تصيبك. عوضاً عن ذلك حاول أن تكون في أفضل جاهزية ممكنة من خلال التدرّب على المقابلة مسبقاً، وقبل دخولك إلى الغرفة التي ستجري فيها، يقول ليز الذي يقترح عليك تجاهل أي شخص يحاول أن يهدّئ من روعك ويطلب منك أن “تتصرّف على سجيّتك وأن تكون بطبيعتك المعتادة”. بالتأكيد يجب أن تكون شخصاً صادقاً، لكنك لا ترغب في أن تقدّم نفسك وأنت في حالة توتر وجبينك يتصبّب عرقاً حتى لو كان ذلك يحصل معك في أوقات أخرى. بل أنت تريد أن تعرض نفسك في أحسن حالاتك: شخصاً هادئاً وواثقاً وجاهزاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن عمل جديد

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz