تابعنا على لينكد إن

يُعتبرُ تقديم الرأي التقويمي (feedback) إلى الآخرين بخصوص أدائهم أمراً أساسياً جدّاً لتحسين هذا الأداء. ومع ذلك، عندما تسير جلسات تقديم الآراء التقويمية على نحو سيّئ، فإنّها تصبح مؤذية للموظفين، وتؤثّر سلباً على تفاعلهم مع العمل، وعلى مستويات إنتاجيتهم. وقد أشارت دراسة بحثية استندت إلى تحليل لكمّ هائل من البيانات الضخمة إلى أنّه على الرغم من أنّ 70% من الأشخاص الذين يتلقّون آراءً تقويمية سيكون أداؤهم فوق المتوسط، إلا أن 30% من عمليات تقديم الرأي التقويمي تُعتبرُ “مؤذية” لأداء الموظفين.

فما هي المؤشرات الأساسية التي تدلّك على النوع المؤذي من الآراء التقويمية؟ فيما يلي خمس علامات رئيسية تشير إلى أنك تنفّذ هذه العملية بطريقة خاطئة:

أنت لا تزيد من الوعي الذاتي لدى الموظف. فليس الهدف من تقديم الرأي التقويمي هو جعل جون يُنجز العمل المطلوب منه في الوقت المناسب، أو جعل سالي تكفّ عن تبنّي موقف دفاعي فقط. بل الهدف أيضاً هو زيادة الوعي الذاتي لدى هؤلاء الموظفين، بحيث يستطيع واحدهم أن يفهم بحق كيف تؤثّر أفعاله في زملائه الآخرين وكيف يبدو في نظرهم.

تشير تجارب العالمين دونينغ وكروغير إلى أنّه كلّما كان الناس أقل كفاءة، كلّما كانوا أقل وعياً بذاتهم. لذلك قد يكون من المفيد على الأغلب تذكير الأشخاص ذوي الأداء الضعيف بالواقع الحقيقي للعالم من حولهم. علاوة على ذلك، وكما تبيّن هايدي هالفورسون في كتابها الأخير، “عندما تجد بأنّ لا أحد يفهمك وما الذي بوسعك فعله حيال هذا الأمر” فإنّ الأشخاص ذوي الكفاءة العالية حتّى ينظرون إلى نفسهم بطريقة تختلف عن نظرة الناس الآخرين إليهم، الأمر الذي يقودهم إلى الدخول في نزاعات شخصية كثيرة مع الآخرين. وبالتالي، غالباً ما تكون هناك فجوة بين نظرتنا إلى نفسنا ونظرة الآخرين إلينا.

ثمّة حلّان فقط لهذا الأمر. الحلّ الأوّل هو تغيير آراء الناس فينا، وإقناعهم بأنّنا فعلياً أشخاص جيّدون، تماماً كما ننظر إلى أنفسنا. أمّا الحل الآخر فهو أن نغيّر آراءنا بأنفسنا لتتوافق مع آراء الناس فينا. فعلى سبيل المثال، إذا كان معظم الناس يعتقدون بأنّك شخص مغرور، فربّما يكونون منطقياً على حق، وإذا كانت نظرة الناس هذه إليك تُزعِجك، فلربّما يتعيّن عليك أن تفعل شيئاً حيال هذا الأمر. باختصار، يُسهم تقديم الآراء التقويمية بطريقة فعّالة في كشف الفجوة الموجودة بين الطريقة التي نرغب من الآخرين أن ينظروا بها إلينا، والطريقة التي ينظرون بها فعلياً إلينا؛ أمّا تقديم الآراء بطريقة غير فعّالة فإنّه لا يخبرك بشيء لا تعرفه أصلاً.

أنت لا تقدّم ما يكفي من الآراء التقويمية السلبية. رغم أنّ تقديم الآراء التقويمية الإيجابية إلى الآخرين أسهل، إلا أنّ أكثر أنواع الآراء التقويمية فائدة ونفعاً من الناحية العملية هي الآراء السلبية. فجوهر الرأي التقويمي السلبي ليس توجيه سهام النقد إلى الشخص أو رفضه، وإنما الكشف عن أي آراء يحملها الشخص تجاه نفسه قد تكون مفرطة في إيجابيتها مقارنة مع أدائه الموضوعي. بعبارة أخرى، يكون الرأي التقويمي سلبياً عندما يبيّن لنا بأننا لسنا جيّدين إلى الدرجة التي نعتقد بها.

من الطبيعي أن يكون قبول هذا الأمر واستيعابه شيئاً صعباً، لأنه يجرح نرجسيتنا وغرورنا. غير أن الرأي التقويمي السلبي هو أمر لا غنىً عنه لكي نصبح أفضل: فما لم نعلم ما هي الأشياء الخاطئة التي نقوم بها، لن تكون لدينا الرغبة في تحسين أنفسنا.

ولكن لسوء الحظ، كلّما كان الموظفون يشغلون مرتبة وظيفية أعلى، كلّما كانت وتيرة تلقيهم للآراء التقويمية السلبية أقل. فمعظم الناس يشعرون بالرهبة تجاه السلطة ويتوقون إلى تملّق من يمتلكها. وهذا الأمر يخلق حلقة مفرغة، بحيث أنّ آراء الناس بذاتهم وثقتهم بأنفسهم تتعزّز كلّما ارتقوا السلّم الوظيفي في المؤسسة، ممّا يجعلهم أكثر حصانة تجاه الرأي التقويمي السلبي ولاسيما مع تنامي نفوذهم وسلطتهم. كما تُظْهِرُ الأبحاث أيضاً بأنّ تردّد القادة في قبول الرأي التقويمي السلبي يجعلهم أقل قدرة على تقديم هذا النوع من الرأي إلى مرؤوسيهم. وبالتالي، فإنّ المؤسسات ستكسب الكثير من خلال عدم الاكتفاء بتقديم الرأي التقويمي السلبي إلى المدراء لديها، وإنما تدريب هؤلاء المدراء أيضاً على كيفية تقديم هذا النوع من الرأي السلبي إلى أعضاء فرقهم.

هذه التوصية تأتي على النقيض تماماً من الأخبار التي نسمعها مؤخراً عن العديد من الشركات التي لجأت إلى حظر تقديم الآراء التقويمية السلبية طالبةً التركيز فقط على نقاط قوّة الموظفين، وغضّ الطرف عن الأشياء التي يمكن أن “تُخرجهم عن مسارهم” أو “فرص تطويرهم” (وهي عبارة ملطّفة شائعة الاستعمال بين صفوف مسؤولي الموارد البشرية للإشارة إلى نقاط الضعف الموجودة لدى هؤلاء الموظفين).

رأيك التقويمي لا يستند إلى بيانات قوية. ثمّة عنصر جوهري آخر لتقديم الرأي التقويمي بطريقة فعّالة ألا وهو الاعتماد على البيانات الموثوقة والصحيحة. ولا يهمّ إذا كانت مؤسستك تفتقر إلى أنظمة رصد معقّدة أو مقاييس أداء موضوعية، لأنّ تقديم الآراء التقويمية إلى موظف معيّن يمكن في جميع الأحوال أن يستند إلى أدّلة وأمثلة عملية عن أداء ذلك الشخص. ومن الناحية المثالية، يجب قياس أداء هؤلاء الموظفين بالمقارنة مع مجموعة معيارية معيّنة أو في مقابل مؤشرات الأداء الرئيسية التي تحكم عملهم.

إضافة إلى ما سبق، يجب أن يكون هناك ارتباط واضح بين كل دليل من الأدلّة المستعملة وسلوك الشخص المعني. وتسهم عمليات مراجعة الأداء الشامل المُصمّمة بشكل جيّد في توفير كل هذه البراهين والمعلومات المطلوبة. وبالتحديد هنا نقصد نوعاً معيّناً من عمليات مراجعة الأداء الشاملة التي تسمّى (المراجعة بزاوية 360 درجة) وهي عملية تشمل المدراء المسؤولين عن الموظف المعني وزملاءه ومرؤوسيه، حيث يُطلبُ منهم جميعاً إعطاء رأيهم بأداء الموظف. وهناك نتائج غير مفاجئة تبيّنها الدراسات المستقلة التي تشير إلى أن إحدى أكثر الطرق فعالية في تحسين أداء الموظفين في العمل هي اعتماد نتائج هذا النوع من مراجعات الأداء الشاملة كأساس لعملية تقديم الآراء التقويمية وبرامج الإرشاد والتوجيه. فهذا الأمر يسمح للموظفين الخاضعين للمراجعة بتقويم أدائهم الذاتي بموضوعية، كما أنّه يمنحهم مسطرةً أو مقياساً مستقلاً لتحديد حجم التغيير بدقّة.

أنت لا تمنح الموظف مثالاً عملياً يساعده على فهم وضعه الحقيقي. هناك مقولة شائعة في اللغة الإنكليزية تنصّ على ما معناه بأنّ “البيانات تقدّم المعلومات فقط، أمّا القصص والأمثلة العملية فتساعد في التسويق والإقناع”، وكما يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، ” تُعتبر البيانات لا معنى لها وفارغة دون جانب نظري”. وبالتالي، أيّ رأي تقويمي تعطيه إلى الناس سيكون تأثيره محدوداً، ما لم ترفقه بمثال عملي أو قصّة ذات مغزى، عن سلوك الشخص، إضافة إلى بعض الشرح والتفسير عوضاً عن تقديم مجرّد توصيف بسيط.

يُعتبر وجود نموذجٍ نظريِّ قويِّ بين يديّ من يقدّم الرأي التقويمي مُهمّاً جدّاً، وهو بأهمية البيانات ذاتها. كما تُعتبر “نظرية الطباع الشخصية”، وهي واحدة من نظريات علم النفس المعنية بدراسة الطبيعة البشرية، أداة قوية لفهم البيانات المتعلّقة بالسلوك. فهي نظرية شاملة ومعمّقة تستند إلى أكثر من 100 عام من الأبحاث الأكاديمية. وبناءً عليه، فإن العديد من إجراءات تحسين أداء الموظفين تجمع ما بين تقويم الطبيعة الشخصية للموظف، ونتائج “مراجعات الأداء الشاملة” من أجل تقويم الأداء (بناءً على المراجعة الشاملة) وإمكانية التطوّر (بحسب شخصية الموظف).

على سبيل المثال، لا يكفي أن نقول لجون بأنّ لديه مشكلة في إنجاز المهام المطلوبة بحسب أولويتها؛ فقد يكون مفيداً لنا أن نفهم بأن هذه صفة معتادة تلازم الأفراد الذين يتمتّعون بدرجة منخفضة من الحكمة والحذر ودرجة عالية من سرعة الاهتياج. ومن المفيد أن نعلم أيضاً بأنّ أداء هؤلاء الأفراد قد يتحسّن عندما يعملون بشكل مشترك مع زملاء لهم ممّن يتقنون عملهم ويتوخّون الحذر. وكما يقول أرسطو، فإنّ الإنسان يشبه الأشياء التي يمارسها بشكل متكرّر. وبالتالي فإنّ إحدى نقاط القوّة الأساسية التي يجب أن تتّصف بها جلسات الآراء التقويمية المصمّمة بشكل جيّد تتمثّل في إعطاء الموظف المعني أمثلة عملية حول الأشياء التي يكرّرها دائماً و”لماذا” يقوم بذلك، بحيث يتمكّن من فهم طبيعته وحالته بشكل أفضل.

أنت لا تقدّم رأيك التقويمي إلى الموظف بطريقة تناسب شخصيته. لطالما حظيت الأساليب القيادية المختلفة بتغطية إعلامية كبيرة. لكن عندما تقدّم رأياً تقويمياً إلى موظف ما، ليس المهم فعلياً التركيز على أسلوبك الشخصي في القيادة، سواء كنت تتحدّث معه بأسلوب مباشر وصريح، أو بطريقة فيها شيء من التعاطف والاهتمام. لأنّ الشيء الأهمّ هنا هو أن تفكّر في أسلوب “المتلقي”، وأن تتذكّر بأن الناس مختلفون.

فردّ فعل كل إنسان سوف يتوقّف على طبيعة شخصيته، وعلى طبيعة الرأي التقويمي المقدّم له. وهذه الحقيقة معروفة لدى الأشخاص الذين يتمتّعون بخبرة كبيرة في تقديم الآراء التقويمية، لذلك فإنّهم يميلون عادة إلى تكييف أسلوبهم وصياغة رسالتهم بحسب شخصية المتلقّي الذي يعملون معه. فعلى سبيل المثال، إذا كان الشخص الخاضع للتقويم يركّز على الحقائق، والتحليلات وكان شخصاً مُفكّراً، فإنّ هؤلاء المدراء يشدّدون على البيانات. أمّا إذا كان الشخص يتمتّع بالحساسية العاطفية أو كان عُصابياً، فإنّهم يحاولون إضفاء جوّ من الوئام، ويجعلون الشخص يشعر بالراحة قبل موعد جلسة التقويم، كما أنهم يبدأون النقاش وينهونه بملاحظة إيجابية.

حاول الاستفادة من معرفتك بطبيعة الشخص الخاضع للتقويم لكي تعدّل أسلوبك بحيث تكون مقنعاً في أدائك معه. ففي نهاية المطاف، كل جلسة من جلسات تقويم الأداء تحتاج إلى ممارسة التأثير والإقناع، وهذا بدوره يقتضي منك تعديل أسلوبك وصياغة رسالتك بطريقة مناسبة للشخص الخاضع للتقويم.

أخيراً، يجب التذكير بأنّ دورة تقديم الرأي التقويمي لا تنتهي بمجرّد انتهاء جلسة التقويم. بل عملياً، هي مجرّد البداية الفعلية للإرشاد والتوجيه. كما أنها تتطلّب المتابعة اللاحقة من خلال وضع أهداف دقيقة بحاجة إلى إنجاز، وتحديد بعض التغييرات القابلة للقياس. وكما تبيّن النماذج الشاملة المستعملة في الإرشاد والتوجيه، فإن عملية تقديم الرأي التقويمي لا تكون كاملة، إلا عند تحديد “المسار المستقبلي” مع الموظف المعني، ووضع الإجراءات التي ستُستعمل في سبيل تحقيق ذلك، مع تحديد الشكل الفعلي للنجاح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz