إذا رغب المسوقون في العمل ضمن مجال إنتاج المحتوى الإعلامي، فهم بحاجة إلى أن يفكروا مثل الناشرين. ففي نهاية المطاف، ليست كتابة المحتوى بالامتداد لعملية التسويق بقدر ما هي امتداد لعملية النشر. وبالتأكيد لست أنا الشخص الوحيد الذي يشجع هذا الرأي، إلا أنّ المشككين لا زالوا يصدحون بمعارضتهم له. وحجتهم التي يسوقونها في هذا الصدد هي أنّ "صناعة النشر في حالة احتضار أصلاً". فكيف يمكن لنا أن نتخذ قدوة من صناعة تعاني ما تعانيه؟ فإذا كانت صناعة النشر نموذجاً قابلاً للحياة، فلماذا لا يتمكن الناشرون من تحقيق الأموال؟ هذا الشعور سائد على نطاق واسع لكنه لا يستند إلى أي حقائق. والواقع مختلف تماماً، فالنشر مزدهر وهو يراكم ثروات جديدة وهائلة في جيوب رواد الأعمال ويخلق المزيد من الفرص بالنسبة للمستهلكين. كما أنّ هذه الصناعة تستقطب استثمارات كبيرة من قبل شركات عريقة والعديد من المستثمرين الرأسماليين في العالم. صحيح أنّ الازدهار لا يطال الجميع، لكن الظروف لم تكن مواتية البتة بالنسبة للناشرين كما هي عليه اليوم. أولاً، هناك ما هو واضح بشكل كبير: وهنا أقصد الناشرين عبر شبكة الإنترنت الذين تمكنوا من تحقيق مئات ملايين الدولارات خلال فترات قصيرة جداً من الزمن. فالمدونات "الموجهة للأمهات وسيدات المنازل والعائلات" أدت إلى خلق فئة جديدة بالكامل. أما شركة بليتشر ريبورت (Bleacher Report)، وهي شركة أميركية للإعلام الرقمي تغطي مئات الفرق والرياضات في أنحاء العالم، فقد بيعت نظير 175 مليون دولار أميركي في غضون خمس سنوات فقط، في حين بيعت هافنغتون بوست (Huffington Post) لقاء 315 مليون دولار أميركي خلال ست سنوات فحسب. وليست النتائج المالية هي العنصر الوحيد المثير والملفت في الأمر – إذ فازت هافينغتون بوست بجائزة بولتيزر، حالها حال بوليتيكو (Politico)، وهي مؤسسة إخبارية انطلقت عام 2007. هذه الأمثلة ليست مجرد استثناءات للقاعدة، وإنما هي جزء من توجه آخذ في التنامي. فالشركات الناشئة في مجال النشر جذابة للغاية. لقد تمكّنت شركة فوكس ميديا (Vox Media)، وهي شركة نشر ناشئة ممولة بدعم من قبل شركات رأسمالية، من جذب اهتمام الكاتب إيزرا كلاين بعيداً عن واشنطن بوست. كما أعلن آندرسن هورفيتز عن استثمار بقيمة 50 مليون دولار في باز فيد (Buzzfeed). بينما لجأت إي إس بي إن (ESPN) الشهيرة إلى نيت سيلفر لتدير مدونتها الشهيرة للبيانات الصحفية والتي تحمل اسم (FiveThirtyEight) تحت مظلتها. وهذا يوضح تماماً بأنه ليس ثمة نقص في الفرص عندما يتعلق الأمر بالنشر الإلكتروني. بالتأكيد ربما تقولون إنّ الشركات الناشئة الضليعة بالتكنولوجيا تبلي بلاء حسناً، في حين إنّ الناشرين التقليديين أصحاب العقلية القديمة، مثل المجلات والصحف الورقية، ينتظرهم مستقبل مظلم. أليس كذلك؟ صحيح أنّ المجلات في الولايات المتحدة كانت أكثر ربحية في المرحلة التي سبقت العصر الرقمي نظراً لتشتت سوق البث التلفزيوني، لكنها لا زالت تجني الأموال حتى يومنا هذا. فوفقاً لتقديرات الاستشاري في شؤون المجلات جاي ماك غيل، فإنّ هوامش الأرباح في هذه الصناعة تراجعت من المستويات المتميزة البالغة 20-25% إلى مستويات أكثر تواضعاً ولكنها غير سيئة أيضاً وتبلغ 12-15%، وهذه الأرقام قريبة جداً من المعدل الوسطي لمؤشر إس وبي 500 (S&P 500). والحال أنّ المجموعة الإعلامية العملاقة هيرست (Hearst) أفادت عن تحطيم أرقام قياسية في مبيعات الإعلانات في أعداد شهر سبتمبر/أيلول من العام 2014. ومن جهته يشير سمير حسني، مدير مركز إبداع المجلات إلى أنّ الناشرين في السنوات الأخيرة قد استعاروا بعض المفاهيم من منصات إعلامية أخرى، مثل أول رسبيس (All Recipes)، وإتش جي تي في (HGTV)، وشبكة الطعام (Food Network) وحولوها إلى مطبوعات تشكّل علامات تجارية ناجحة. وتعرّضت صناعة الصحف الورقية إلى نكسة ولاسيما لأنها اعتمدت تاريخياً على جني معظم إيراداتها من طريق غير طريق الإعلانات التجارية، وإنما من الإعلانات المبوبة وغير ذلك من خدمات التسويق المباشر، وهي المجالات التي كانت الأكثر تأثراً بالتكنولوجيا الرقمية. لذلك لا يجب أن يكون مفاجئاً أن تجد صحفاً ورقية عديدة في حالة معاناة. ولكن حتى هنا ليس الوضع بالسوء التي يتخيله الكثيرون. ففي عام 2013، أعلن قسم الصحف الورقية في مؤسسة نيوز كروب (News Corp) عن أرباح بلغت قبل احتساب الضرائب وغير ذلك من المبالغ المقتطعة 795 مليون دولار من أصل إيرادات بلغت 6.7 مليار دولار أميركي – أي بهامش أرباح 12%، وهو رقم جيد جداً. وحتى النيويورك تايمز، والتي لم تدر أعمالها إدارة جيدة، فقد حققت صافي أرباح بلغت 8% في العام 2013 ، وهو رقم ليس بالعظيم، لكنه ليس بالمأساة أيضاً. إنّ السبب الذي يجعل العديد من شركات النشر تواصل تحقيق الأرباح يكمن ببساطة في أنها تبيع منتجاً يريده الناس ويحتاجون إليه. فطالما أنّ الناس يرغبون بالاطلاع على المعلومات، والحصول على الترفيه والإلهام، فسيكون هناك الفرص لتحقيق الربح في قطاع النشر. نعم، بعض شركات النشر التي تعمل وفق الأسلوب القديم تترنح حالياً ومن الواضح أنّ هناك الكثير من التحديات التي تنتظرها، لكن ذلك ينطبق أيضاً على أي قطاع آخر. فنحن نعيش في عصر الاضطراب، وعلى الجميع أن يتكيّفوا إذا ما كانوا راغبين في البقاء ضمن حلبة المنافسة. فأنت ببساطة غير قادر على إدارة شركة ما – أي شركة على الإطلاق – بالطريقة التي أدرتها بها قبل 10 أعوام أو 20 عاماً. ومع ذلك يظل مستقبل قطاع النشر مشرقاً. صحيح أنّ كل مؤسسة تجارية بحاجة إلى تبني ثقافة تغيير حقيقية، لكن من الواضح أنه ليس هناك أي غياب للطاقة الكامنة. فعندما تُقبل الحقيقة القائلة أنّ النماذج التجارية لا تدوم إلى الأبد، فسيتّضح أنّ هناك فعلياً فرصاً أكبر من ذي قبل لإيجاد المحتوى وتطويره، والوصول إلى أفضل المواهب، واجتذاب الاستثمارات، وتحقيق المال. لكن المفتاح الرئيسي يكمن في تخلي الناشرين عن استبدال الدولارات التي يجنونها من التكنولوجيا الرقمية الحديثة بالقروش والملاليم التي تحققها لهم الطرق الأقدم في العمل. لنأخذ على سبيل المثال أفلام فيديو الإنترنت التي تشهد ازدهاراً. فلطالما اشتكى ناشرو المطبوعات الورقية والرقمية من وفرة دولارات الإعلانات التي ذهبت إلى التلفزيون. أما الآن فبوسعهم المنافسة على الموازنات حتى مع أقوى شركات البث التلفزيوني وفي عدد من المنصات الإعلامية المختلفة. إذ تنمو إيرادات أفلام الفيديو على شبكة الإنترنت لوحدها بنسبة 20% سنوياً. وفضلاً عن ذلك، هناك الهواتف النقالة، والبرامج المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، وما يسمى البيانات الضخمة (big data)، إضافة إلى أنه بات أسهل من ذي قبل التجريب بالمحتويات الجديدة وتطويرها على المنصات الرقمية مقارنة مع ما كان عليه الأمر في العالم الحقيقي غير الرقمي. وما أن يتخلّى الناشرون عن فكرة أنهم سيحققون أموالهم من بيع الصفحات الإعلانية ورفع الأسعار، فسيتضح لهم وبكل جلاء مدى عمق الفرص المتاحة. وعليه، ليس هناك مشكلة متأصلة في قطاع النشر. فما يزال هناك الكثير من القيمة الهائلة في الكشف عن القصص وروايتها بأسلوب مناسب. كما أنّ حاجة الناشرين إلى ابتكار نماذج تجارية جديدة في عملهم تضعهم في المقام ذاته مع العاملين في أية صناعة أخرى. هل ماتت صناعة النشر؟ هذا أمر بالغ الصعوبة، فالحقيقة هي أنّ الفرص المتاحة اليوم للناشرين لم تكن بين أيديهم البتّة من قبل.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!