ما الذي يميّز القائد الشجاع عن غيره من القادة؟

6 دقائق
القائد الشجاع
لايتسبروش/غيتي إميدجيز

ملخص: ترى معظم وجهات النظر أن القيادة لا ترقى إلى المستوى الأمثل في المؤسسات التي يتم فيها إنجاز معظم أنواع العمل اليوم، لذا فقد آن الأوان لإعادة النظر فيما نعتبره “شجاعة” في عصرنا هذا.

لن تثير الإعجاب إن تظاهرت بعدم الخوف على الرغم من أن السبب يستدعي الخوف فعلاً، أو إن تظاهرت بمعرفة كل شيء مهما كان واضحاً أنه ليس بإمكانك أنت أو أي شخص آخر معرفة جميع الأجوبة. يجب عليك بدلاً من ذلك أن تعترف بعدم معرفة بعض الأمور وتعتذر عندما ترتكب خطأ.

يعلم القائد الشجاع أيضاً أن مهمته هي القيام بالعمل المهم نيابة عن الآخرين، وبما أن الآراء ستختلف دائماً والموارد ستبقى محدودة، فهو على استعداد دائم للخوض في المحادثات الصعبة وتوصيل الأنباء السيئة بمهارة حتى وإن كانت ستجرح الشخص الآخر.

وأخيراً، يحيط القائد الشجاع نفسه بمن يساعدونه على التعلم بالتحدي لا بالتملق ويشجعهم على ذلك، ويكافئ من يجربون طرقاً جديدة ولا يعاقبهم حتى إن لم ينجحوا، ويغير الأنظمة القديمة التي تستبعد وجهات النظر المتنوعة.

 

أراد مؤسس شركة “كاسكيد إنجينيرينغ” (Cascade Engineering)، فريد كيلر، أن يثبت قدرة الشركات الربحية على معالجة المشكلات التي يعانيها المجتمع، ولذلك قبِل اقتراح أحد موظفيه بتعيين بعض العاطلين عن العمل في المنطقة واستأجر شاحنة صغيرة وذهب إلى منطقة فقيرة في مدينة غراند رابيدز بولاية ميشيغن الأميركية، واختار 8 رجال بدأ معهم “برنامج كاسكيد للانتقال من الإعانة الاجتماعية إلى الحياة المهنية”.

لكن محاولته الأولى باءت بفشل تام، فبعد بضعة أسابيع لم يبق أي من الأشخاص الذين وظفهم في الشركة لأنهم ليسوا مهيئين ولا جاهزين لمتطلبات العمل المنتظم، ولم تكن شركة “كاسكيد” مهيأة لمساعدتهم على النجاح. يقول أحد المدراء المشاركين في البرنامج: “لم نستطع تحديد ما لا نعرفه”، ولذلك اتبعوا استراتيجية صعبة لم تنجح ببساطة.

قد تكون هذه البداية المشؤومة هي النهاية بالنسبة لمعظم القادة، إذ يبدو أنها تؤكد الشعور السائد بأنه ليس من واجب الشركات وليس بإمكانها حمل مسؤولية مساعدة الناس على الخروج من الفقر المتوارث عبر الأجيال. ولكن هذا ليس ما يعتقده كيلر؛ فالنتيجة الأولية بالنسبة له هي البيانات ببساطة، لم تنجح المحاولة الأولى وبالتالي أصبح لديه ما يتعلم منه قبل أن يأخذ خطوة أخرى.

تضمنت المحاولة الثانية شراكة يتعلم بموجبها موظفو الشركة المحتملون المهارات الأساسية وتحمّل المسؤولية في العمل ضمن أحد مطاعم سلسلة “برجر كينغ” المحلية، لكنها فشلت أيضاً. لم يتمكن المدراء في شركة “كاسكيد” من فهم ما تتطلبه مساعدة هذا النوع من الموظفين، وشعروا بالإحباط من الجهد الإضافي الذي كانوا يبذلونه في “برنامج فريد كيلر”. واعتبر قادة الشركات الأخرى أن هذا الفشل يثبت سذاجة كيلر في اعتقاده أن الشركات قادرة على معالجة هذا النوع من المشكلات الاجتماعية.

لكن كيلر أصرّ على فكرته وسط موجة الانتقادات الداخلية والخارجية وخضع هو أولاً ثم جميع العاملين في الأدوار الإدارية إلى تدريب مركّز على التعامل مع الفقر المتوارث عبر الأجيال، واستمر في تشجيع المدراء على تبني الغاية الأشمل التي يعملون على تحقيقها. واتبع أسلوباً غير تقليدي وأقنع ولاية ميشيغن للمرة الأولى بتعيين العاملين في مجال الخدمات الاجتماعية العامة ضمن مواقع الشركات غير الربحية.

مع اتباع القيادة لأساليب الدعم هذه وتبنّيها ثقافة التعلم المستمر وعدم الاستسلام التي تسعى لغرسها في الشركة، بدأت بتأسيس قاعدة راسخة للبرنامج بالتدريج. واصل المدراء العمل على الرغم من الصعوبات؛ كرروا محاولاتهم إلى أن توصلوا إلى إجراءات جديدة تسهّل التفاعلات بين الموظفين والعاملين في مجال الخدمات الاجتماعية من دون إرهاقهم، وتغلبوا على التصورات التي تقول إنهم يتبعون مجموعتين من المعايير ورفضوا الخضوع لتهديدات الموظفين بالمغادرة وفي نهاية المطاف تخلوا عن الموظفين الذين اتخذوا مواقف أعاقت أداءهم، كلّ ذلك بسبب إيمانهم بما يحاولون فعله وبفريد كيلر.

لو تمسك كيلر بالأفكار القديمة حول طرق القيادة لما كان أي من ذلك تحقق، ولألقى اللوم على الآخرين واستسلم وحاول أن يوجه تركيز الآخرين على نجاح الشركة وفقاً لمقاييس الأعمال التقليدية، وبالتأكيد ما كان ليملك العزم على إظهار ضعفه والإقرار بفشل محاولاته الأولى أو بعدم معرفته لطريقة حلّ المشكلات، ولما كان أول من يطلب المساعدة ولا اعتذر علناً مراراً وتكراراً عن أخطائه.

يعرف معظمنا أن نظرتنا المتمثلة في “الرجل القوي” (أجل، من المحزن أنها نظرة ذكورية للغاية) لمفاهيم “القيادة” و”الجرأة” و”الشجاعة”، التي رفض فريد كيلر تجسيدها مرة بعد مرة، باتت قديمة ودون المستوى الأمثل وفي بعض الأحيان تشكل خطراً صريحاً على المؤسسات التي يتم فيها إنجاز معظم أنواع العمل اليوم. للأسف، هذا لا ينفي أننا ما زلنا متأثرين بفكرة بديهية أكثر عن قائد أشبه بأبطال القصص الهزلية.

كان هذا مثالاً عما يسميه علماء التطور “نظرية عدم التوافق” (mismatch theory) المتمثلة في فكرة أن ما كان مفيداً للنجاة فيما مضى لم يتطور بالسرعة الكافية ليتوافق مع البيئة الحالية. وفي حين كان من المفيد فيما مضى اعتبار أن القائد الشجاع هو الأقوى والأعنف جسدياً (عندما كانت حياة الإنسان اليومية تعتمد على النجاة من براثن الوحوش البرية وقتلها)، فهذه السمات لم تعد هي الأهم في ظروفنا الحالية.

لذلك، آن الأوان لنعيد النظر في مفاهيمنا والتوصل إلى مفهوم جديد عن القيادة الشجاعة، وهو ما تحدثت عنه في كتابي “اختيار الشجاعة”، ونعمل بما يتوافق معه أكثر. أقترح فيما يلي بعض نقاط الانطلاق لتكوين نظرة أكثر توافقاً مع بيئتنا الحالية.

القائد الشجاع منفتح ومتواضع

لن تثير الإعجاب إن تظاهرت بعدم الخوف على الرغم من أن السبب يستدعي الخوف فعلاً، أو إن تظاهرت بمعرفة كل شيء مهما كان واضحاً أنه ليس بإمكانك أنت أو أي شخص آخر معرفة جميع الأجوبة. بل ستعرّض بذلك نفسك ومن يعتمدون عليك للخطر.

لفت أرسطو منذ أكثر من 2,000 عام إلى الاختلاف الواضح بين الشجاعة والتهور؛ فمن الحمق، لا الشجاعة، أن تقود مجموعة من المتنزهين المشاة باتجاه دبّ من الواضح أنه سيقتلكم جميعاً من دون أي سبب وجيه، وليس من الشجاعة كذلك أن تقود الموظفين في شركتك باتجاه مآزق مختلفة بسبب عدم قدرتك على الاعتراف بخوفك أو حاجتك إلى خبرات الآخرين، بل هي مخاطرة.

تتلخص المسألة فيما يلي: عندما يعرف الموظفون أنك تتمتع بالكفاءة ستبدو لهم أقوى (وليس أضعف) عندما تعترف بعدم معرفتك للحل أو تطلب المساعدة في التوصل إليه. خذ مثلاً الصعوبات الكثيرة التي واجهناها في أثناء جائحة “كوفيد-19″؛ هل سيزداد إعجابك بمديرتك إذا أطلّت عليكم عبر الإنترنت وتصرفت كما لو أنها لا تواجه أي مشكلة على الإطلاق، أو إذا اعترفت بأنها تواجه سلسلة من التحديات غير المسبوقة في العمل والحياة ولكنها مع ذلك ملتزمة بالعمل معكم لتتجاوزوها معاً وتصبحوا أقوى كمجموعة؟

ينطبق الأمر ذاته على الاعتذار؛ عندما يقول القائد بصدق: “أنا آسف، أخفقت في هذا الأمر” نراه محبوباً وجديراً بالثقة أكثر، وسنرغب بمساعدته لتحسين الوضع. في المقابل، لن نعتبر القائد جيداً أو بطلاً إذا كان يستر أخطاءه بالكذب أو التغافل، بل سنراه ضعيفاً أو غبياً وسنحاول الابتعاد عنه بأسرع ما يمكن.

القائد الشجاع يضع المبادئ أولاً

لا تتمثل القيادة الحقيقية في السعي لاكتساب الشعبية بل في القيام بالعمل المهم نيابة عن الآخرين، وبما أن الآراء ستختلف دائماً والموارد ستبقى محدودة فعلى الأرجح أنك لن تحرز تقدماً كبيراً في هذا العمل المهم إن لم يكن بإمكانك تحمّل فكرة إزعاج بعض الأشخاص لبعض الوقت.

فهم مايكل بلومبيرغ هذا الأمر بوضوح في فترة توليه وظيفة عمدة مدينة نيويورك، يقول: “إن أنهيت فترة خدمتي في المكتب وأنا أتمتع بنسبة تأييد عالية فستكون السنوات الأخيرة التي قضيتها في المكتب قد ذهبت سدى. يجب أن تضغط على الآخرين باستمرار وأن تعالج القضايا التي لا تتمتع بالشعبية والتي لن يسعى أي شخص آخر لمعالجتها، وإذا كانت الأمور تسير على ما يرام فستكون كمن يتزلج على هضبة صغيرة، ويكون الوقت قد حان لتنتقل إلى مرتفع أشد انحداراً”.

باختصار، يعكس اعتبار القيادة مسابقة لاكتساب الشعبية نظرة المراهقين أو أفلام هوليوود لها. في حين أن القيادة الجيدة هي اكتساب الثقة والاحترام لأن قراراتك تستحق الدفاع عنها، وهي الإجراءات الشجاعة التي تتخذها للدفاع عن المبادئ الأساسية، حتى وإن كلفك ذلك ثمناً باهظاً يحتمل أن يتمثل في شعبيتك أو مكانتك على المدى المنظور.

القائد الشجاع يركز على جعل البيئة آمنة للآخرين

في الغالبية العظمى من المؤسسات لا تعتبر مناشدة الموظفين للمجازفة بصورة روتينية على الرغم من الخوف المشروع إشارة إلى القيادة القوية، ولكن هذا ما يفعله القائد الذي “يشجع على الشجاعة” فعلياً؛ فهو يقول ضمنياً إن على الآخرين جميعهم التمتع بالشجاعة التي لم يتمتع هو بها لتغيير الشروط في مؤسسته وجعل الموظفين يشعرون بالأمان ليتعاملوا بصدق ويجربوا الأفكار الجديدة أو يقوموا بمجازفات حذرة أخرى.

من المؤسف أن ذلك لن يخلق بيئة تتيح للموظفين القيام على نحو روتيني بما يجب كي يتمكن كلّ من الأفراد والمؤسسة على حدّ سواء من التعلم والتغير والنجاح. وحتى الأبطال الخارقون يعرفون أن ذلك لن يجدي نفعاً، وهم لا يقضون أوقاتهم في محاولة جعل الجميع أبطالاً خارقين بل في محاولة خلق شروط أكثر أماناً لا حاجة فيها إلى الأفعال الشجاعة بصورة روتينية.

يحيط القائد الذي نحتاج إليه اليوم نفسه بمن يساعدونه على التعلم بالتحدي لا بالتملق ويعززهم، ويكافئ من يجربون طرقاً جديدة ولا يعاقبهم حتى إن لم ينجحوا، ويغير الأنظمة القديمة التي تستبعد وجهات النظر المتنوعة.

يقوم القائد الذي نحتاج إليه اليوم بالأفعال الشجاعة ولا يطالب بها، ويختار إظهار ضعفه، مثل فريد كيلر، حتى وإن كان منصبه أو نوعه الاجتماعي أو انتماؤه العرقي أو أي رمز آخر لمكانته يشير إلى أنه ليس مضطراً إلى ذلك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!