أحدثت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أوائل فبراير/شباط من العام الماضي، بعض التغييرات على الموقع الإلكتروني الخاص بالبيت الأبيض. ولا تتم ملاحظة هذه التغييرات الرقمية على المواقع، لأنها في الغالب تكون مقتصرة على تحميل صورة أو إصلاح رابط معطّل، وما إلى ذلك من التعديلات البسيطة وغير المهمة. لكن التغيير الذي طرأ على موقع البيت الأبيض كان مختلفاً، ومن المحتمل أن يؤثر في كل مواطن أميركي، حيث أزال التحديث الأخير، البيانات المفتوحة للعامة.

للوهلة الأولى، لا تبدو 9 غيغا بايت من البيانات أمراً مهماً. لكنها في الحقيقة معلومات تساعد في ضمان شفافية الحكومة، إذ تتضمن سجلاً لزوار البيت الأبيض، ومناصب ورواتب الموظفين فيه، وبيانات الميزانية الحكومية. كما تساعد هذه البيانات المراسلين الصحفيين والمواطنين لمعرفة الأشخاص الذين يستمع إليهم الرئيس وطاقمه. ورداً على هذه القضية، تقدم الديمقراطيون بقانون لجعل سجلات الدخول متوفرة من أجل شفافية الحكومة الأميركية، أو ما سُمّي بقانون مار أي ليغو (MAR-A-LAGO)، وهو تشريع سيطلب من إدارة ترامب نشر سجلات ضيوف البيت الأبيض وأي موقع يسيّر من خلاله الرئيس أعمالاً رسمية بشكل دوري.

كانت إدارة الرئيس السابق أوباما قد زادت بشكل كبير من شفافية البيانات الحكومية. لذلك، وضعت هذه الإدارة قراراً تنفيذياً جعل البيانات الحكومية مفتوحة وقابلة للقراءة آلياً. من هنا، تشير تحركات إدارة ترامب إلى عودة ظلامية الإدارات السابقة، وبداية التحرك في الاتجاه الخاطئ. ولعلّ أهم ما في الأمر هو ما يعنيه ذلك بالنسبة لكامل استراتيجية الولايات المتحدة المتعلقة بالبيانات المفتوحة، مع تحكم الإدارة بالمعلومات التي هي بمثابة مرجع يومي لكثير من الأفراد والشركات والمؤسسات الأميركية.

عندما تتفقد حالة الطقس صباح كل يوم، فإنك تعتمد على البيانات المفتوحة من قبل الحكومة. وكذلك الأمر عندما تستخدم محدد المواقع العالمي جي بي إس (GPS) لتصل إلى اجتماعك، أو عندما يصلك إخطار بأنّ سرير الطفل الذي اشتريته تم سحبه من السوق، إذ تحصل على جميع هذه معلومات من البيانات المفتوحة للحكومة.

ولسوء الحظ، ليست إدارة ترامب وحدها التي تم ضبطها تحذف أو تغيّر في البيانات المفتوحة. بل الشركات تفعل ذلك أيضاً. على سبيل المثال، قامت شركة فولكس فاجن بتزييف اختبارات الانبعاثات. كما قدمت شركة أوبر للموظفين الحكوميين معلومات مزيفة عن السائقين المتوفرين. كذلك تم ضبط شركة إير بي إن بي (Airbnb) وهي تقوم بتطهير أكثر من 1,000 مدخل، في مخالفة لقانون ولاية نيويورك، وذلك قبل مشاركة البيانات مع العامة كجزء من تعهدها “ببناء مجتمع منفتح وشفاف”.

وبهذا الشكل، أصبحت البيانات عُرضة للاعتداء في حرب يشنها القادة على حكوماتنا واقتصاداتنا، حيث أتاحوا التلاعب بالبيانات الخام بطريقة تفيدهم مالياً وسياسياً، ما خفّض من ثقة الجمهور بمصداقية المعلومات. حديثنا هنا عن مؤسسات نعتمد عليها يومياً لوضع سياسات وقرارات أعمال تؤثر في مجتمعنا واقتصادنا عموماً. وفي حال سمح لأي كان أن يغيّر ببساطة رقماً أو أن يحذف مجموعة من البيانات، إذاً، من وماذا سيصدق المواطنون عندها؟ وكيف يمكننا استعادة بياناتنا؟ الجواب يكمن تحديداً في “بلوك تشين” العامة.

ما هو بلوك تشين العامة؟

هو عبارة عن دفتر حسابات يحتفظ بسجلات موسومة زمنياً عن كل معاملة، كتلك التي تستخدمها بيتكوين. ويُعتبر تسجيل إجراء في بلوك تشين العامة هو المقابل الرقمي لنقش أمر على حجر، أي أنه يصبح دائماً. والأهم أنه يتوفر لأي شخص كي يرى ويتحقق.

كان يُنظر إلى بلوك تشين الأولى على أنها وسيلة لتسجيل المعاملات المالية، لكن الناس بدؤوا يستخدمونها كطريقة للوسم الزمني لوجود الملفات الرقمية مثل الملفات أو الصور. تتأكد بلوك تشين العامة من أنّ شخصاً أو كياناً معيناً في حوزته ملف في تاريخ وزمان محددين. وهو مفيد للمطالبات ببراءات الاختراع أو حقوق الملكية، كما يمكن استخدام بلوك تشين أيضاً للتأكد من أنّ وكالة أو شركة حكومية نشرت بياناتها بطريقة يمكن التأكد منها، وتسمح لعموم الناس بالدخول والتحقق من أنّ الملف الذي لديهم هو نفس الملف الذي تم التوقيع عليه ووسمه من قبل المبتكر.

ليس التوقيع والوسم الزمني فقط وحدهما من يثبت دقة البيانات. فهناك أشكال أخرى من التدقيقات والموازنات، كمقارنة البيانات مع الضريبة أو توثيقات أس أي سي (SEC)، التي يمكن إضافتها للحرص على أنّ هناك عواقب قانونية على الهيئات التي تتلاعب بياناتها. ويمكن بنفس الطريقة أيضاً التحقق من بيانات الحكومة، مثل بيانات التوظيف أو المناخ بمقارنتها مع المعلومات المجمعة محلياً أو حكومياً أو أكاديمياً والتي تم مسبقاً وسمها زمنياً والتوقيع عليها من قبل مؤسسات موثوقة.

بهذه الطريقة لا يعالج استخدام بلوك تشين العامة مشكلة الوصول للبيانات والتلاعب بها فحسب، بل إنه يؤسس لنظام أفضل يسمح بتنظيم الشركات الناشئة الأسرع نمواً بصورة أكثر كفاءة وفعالية. وترى أنّ بإمكان بعض شركات التقنية -بما تملكه من حلقات شبه فورية للتعامل مع التقييمات- ضبط نظامها البيئي بحيث يكون أكثر فعالية وكفاءة من الحكومات ذات الجهود البالية والقائمة على التفتيش الشخصي. هذا ادعاء فيه الكثير من الحقيقة. فهناك اليوم بعض الحكومات المحلية والولايات التي تنظم مشاركة وسائل النقل والسكن بطرق أشبه بتلك التي يستخدمونها لتنظيم سيارات الأجرة والفنادق من خلال مزيج من الضباط المهذبين واللافتات وشكاوى الزبائن التي يتلقونها على الرقم 3-1-1. لكن الحكومات لاحظت في الوقت نفسه كيف تلاعبت هذه الشركات الناشئة ببياناتها، وهو ما يجعلها متحفظة حيال وضع ثقتها في شركة قد تؤثر حوافزها المالية على القوانين.

ومع تشكيك كل طرف في دوافع وممارسات الطرف الآخر، كان من الصعب الوصول لتسوية. لكن لو استخدمت الحكومات وشركات التقنية الصاعدة البلوك تشين العامة سيتمكن كلا الطرفين من تحقيق ما يريدان. وسيظل بإمكان الشركات التحرك سريعاً، مع المحافظة في نفس الوقت على حماية سلامة وحقوق المستهلك.

يقول تيم أوريلي المستثمر والكاتب: “يجب أن تحظى التشريعات التي تفصّل كيفية تنفيذ القوانين بنفس التقدير الذي يكنّه المبرمجون لأكوادهم وخوارزمياتهم، أي باعتبارها مجموعة من الأدوات الدائمة التحديث لتحقيق النتائج التي تحددها القوانين”.

باستطاعة الشركات تحديث معلوماتها في بلوك تشين باستخدام آليات آمنة توضع لحماية الفرد وخصوصية الشركة، وسيكون بإمكان الحكومات استخدام هذه البيانات التي يتم إرسالها بشكل آني لتطبيق القوانين المحلية على هذه الشركة وعلى موظفيهم والمتعاقدين معهم وعلى زبائنهم. ستقوم عندها الوكالة الحكومية المسؤولة عن الإشراف على الصناعة بتحليل البيانات مثل تصنيفات آراء العملاء والمعلومات الأخرى ذات الصلة (مثل، ما إذا كان سائقو السيارات المشاركة يصطحبون السياح في مسارات أطول)، لتحسين السلامة وحماية حقوق الجميع بشكل أفضل. بعبارة أخرى، تستخدم الحكومة تشريعات خوارزمية خفيفة لحماية سلامة وحقوق المواطنين المحليين.

بإمكان بلوك تشين تغيير طريقة القيام بالأعمال وحوكمتها كلياً. بدل الطلب من الشركات والمستهلكين تخفيض تفاعلاتهم الرقمية إذعاناً للقانون، يمكن للحكومات أن تخلق نظاماً قابلاً للتأقلم يقلل من كمية المعاملات الورقية والامتثال لدى الشركات والعملاء. وبدل إجبار التقنيات الصاعدة ونماذج الأعمال على الخوض في مناطق رمادية من الناحية القانونية، يمكن للحكومة استخدام الخورازميات لخلق مجال يمكّن للشركات الرائدة من التحرك فيه ضمن مجالات اختصاصها.

وفي حال لم نعالج أزمة البيانات اليوم، سيبلغ غياب الثقة بين الحكومات والأعمال والمواطنين مستويات غير معقولة. وسيتعثر النمو والابتكار في الشركات الناشئة ضمن الاقتصاد، وكذلك ستضعف قدرة الحكومات المحلية والولايات على الحوكمة الفعّالة. أي أننا نحتاج للبيانات المفتوحة كي نستمر في اتخاذ قرارات أعمال وقوانين مهمة، كما يتوجب علينا أن نضعها في يد العامة. ولا يجب أن تتحول مشكلة البيانات لأزمة، في حين يمكنها أن تكون فرصة لقادة الأعمال وواضعي السياسات لإعادة إحياء الثقة في البيانات الحيوية التي نعتمد عليها جميعنا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!